فن الممكن.. هكذا اجتمع الإسلاميون والشيوعيون في تحالف حكومي واحد بالمغرب

تم النشر: تم التحديث:
BENKIRANE
Anadolu Agency via Getty Images

مع بداية الربيع العربي، اتخذ المغرب مجموعة من إجراءات استباقية لضبط المناخ السياسي المحلي، من خلال تعديل الدستور لملائمة متطلبات المرحلة، و إجراء انتخابات سابقة لأوانها أفرزت حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية قائدا للتحالف الحكومي لأول مرة في تاريخ المغرب.

إلا أن هذا التحالف طرح العديد من علامات الاستفهام خاصة أنه ضم حزبين بمرجعتين مختلفتين تماما، وهما حزب العدالة والتنمية الإسلامي وحزب التقدم والإشتراكية ذي المرجعية الشيوعية.

فما مدى قدرة هذا التحالف على النجاح في ظل إيديولوجيات متضاربة؟.


تجاوز ورقة الإيديولوجية


سعد الدين العثماني الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية أكد في تصريحه لـ "هافينغتون بوست عربي" أن ورقة الإيديولوجية تم تجاوزها منذ تجربة التناوب سنة 1998 عندما تحالف حزب الاتحاد الاشتراكي اليساري مع كل من الحركية الشعبية والتجمع الوطني للأحرار وهي أحزاب يمينية. مضيفا أنه "حتى في برامج الأحزاب تراجعت الإيديولوجية واقتصرت فقط على مرجعية عامة للحزب".

وزير الخارجية السابق وأحد أبرز قيادي حزب العدالة والتنمية استرسل في حديثه حول التجربة الحكومية الحالية والتي تضم أحزاب بمرجعيات مختلفة، خاصة أنها تجمع بين حزب إسلامي وآخر شيوعي اشتراكي، الأمر الذي اعتبره العثماني عدم اهتمام من طرف الحكومة نفسها بالمعطى الإيديولوجي بقدر ما اعتمدت "برنامج حكومي مشترك للعمل وفقه في إطار العمل الحكومي".

ورأى وزير الخارجية السابق أن دور الإيديولوجية بدء في التضاؤل دون أن يختفي لأنه يشكل باستمرار مرجع الأحزاب السياسية في صياغة برامجها وفي عملها السياسي.


تدبير الاختلاف


أما نبيل بن عبدالله الأمين العام لحزب التقدم الاشتراكية فيرى العكس، نافيا في تصريحه لـ"هافينغتون بوست عربي" أن يكون هناك أي تجاوز للإيديولوجية في تحالف حزبه الشيوعي مع آخر بمرجعية إسلامية " نحن بمرجعيتنا التي نؤمن بها وهم بمرجعيتهم التي يؤمنون بها وما يجمعنا هو الذكاء المشترك لإبراز نقط الالتقاء وأن ندبر بشكل خلاق نقط الخلاف، كما أنه من المفيد أن تكون هنالك نقط خلاف على أساس أن نتضامن من أجل تجاوزها".

وزير السكن والتعمير والسياسة المدنية في الحكومة المغربية الحالية أكد بأن حزبه اشتراكي وأصله شيوعي تكيف مع الوضع، بدون أي تغيير في المنطلقات. نفس الشيء بحسب بن عبدالله وقع مع الإسلاميين الذين تكيفوا مع المؤسسات ومع طبيعة النظام المغربي ويظلون بأصولهم "فالعلاقة التي تجمعنا لا تمحوا المنطلقات أو المرجعيات، وهذا التوافق قائم بدون تغيير في الإيديولوجيات".

تحالف الإسلاميين والاشتراكيين عزاه بن عبدالله لمواجهة كل من يريد إركاع الطبقة السياسية المغربية لأجل محاربة التحكم من طرف هذه الجهات التي لمح لها في حديثه "هم من حاولوا تغيير الانتخابات سنة 2009 وأسسوا حزبا جديدا وتدخلوا في الشؤون الداخلية للأحزاب التاريخية لفرز قيادات تلاؤمهم ...فهل تود أن نتحالف مع حزب الأصالة والمعاصرة بدلا عن حزب العدالة والتنمية؟".


منطق المصلحة


تحالف الإسلاميين والشيوعيين في الحكومة المغربية الحالية، والتي تشرف على الانتهاء يراه عبد الرحيم منار السليمي أستاذ العلوم السياسية ومن منظور نظيرات علم السياسة الانكلوساكسونية التي توضح بأن العامل الحاسم في التحالفات ليس التقارب الإيديولوجي وإنما المصلحة "مع اقتراب موعد الانتخابات وحتى بعد الإعلان عن نتائجها، كل حزب مقيد بمنطق ربح والخسارةـ بغض النظر عن تقارب أو تنافر الإيديولوجيات وهذا ما يمكن إسقاطه على التجربة الحكومية الحالية".

رئيس المركز المغاربي للدراسات الأمنية وتحليل السياسيات وخلال تصريحه للموقع، أشار إلى أن برغماتية العمل السياسية وتخوف الأحزاب من سقوط في موقع المعارضة، بحكم أنه لا وجود لحزب في المغرب يرغب في الذهاب للمعارضة، الشيء الذي يؤدي لهذا النوع من التحالفات.

منار السليمي أضاف بأن حزب العدالة والتنمية دائما ما يبحث عن هذا النوع من التحالفات مع الأحزاب الاشتراكية والشيوعية "الصغيرة" بحسبه كمحاولة لتكسير فكرة الصراع ما بين الإيديولوجيتين.


الأخ الرفيق والحاج الشيوعي!


ولعل من بين أبرز المواقف التي تبين تناغم الحزبين في تحالفهما حينما صرح عبد اله بن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية في افتتاح أشغال الجامعة السنوية لحزب التقدم الاشتراكية قائلا بأن "المدة التي قضيناها معا داخل الحكومة استطاعت أن تعرفنا على بعضنا، في الشدة قبل الرخاء، وفي الضيق أيضا، وخلال محاولات الإرباك والحروب التي لا تنتهي" ما دفع نبيل بن عبدالله إلى الترحيب ببن كيران معتبرا إياه "أخا رفيقا".

كما أن ترأس نبيل بن عبد الله زعيم الشيوعيين بالمغرب للوفد الرسمي المغربي الذي توجه للحج سنة 2012، خلق نوعا من التساؤلات عن مدى توافق الشيوعية مع المنطق الديني بصفة عامة والإسلامي بصفة خاصة.