"بعد إذنك فقرة الضرب إمتى؟".. "أطفال الشوارع" يحولون قسم السيدة زينب إلى ضحكات وأغانٍ

تم النشر: تم التحديث:
FRQTATFALASHSHAR
سوشال ميديا

كان يمكن للمارين أمام غرفة الحبس أن يسمعوا الضحكات المتعالية، التي يطلقها المحبوسون في قسم شرطة السيدة زينب بالعاصمة المصرية القاهرة.

السبب وراء هذا يعود إلى وجود أعضاء الفريق المسرحي الساخر "أطفال شوارع"، الذين قضوا ساعاتهم الأولى من الحبس، بعد القبض عليهم باتهامات من بينها السعي لقلب نظام الحكم في مصر، فقد كانت "قفشات" وأغاني الفريق قادرة على إبهاج المحبوسين الجنائيين في انتظار المحاكمة.

سؤال خفيف الظل أطلقه أحد أعضاء الفريق، متوجهاً لضابط التحقيق: عاوز أعرف بس بعد إذنك هي فقرة الضرب إمتى؟ وكان السؤال سبباً في هروب الضحك إلى داخل غرفة التحقيق.

أعضاء فرقة "أطفال الشوارع" الخمسة ينفذون قرار النيابة يوم الثلاثاء 25 مايو/أيار، بتمديد حبسهم الاحتياطي 15 يوماً، بعد نشر الفريق مقاطع فيديو على موقعي يوتيوب وفيسبوك، اعتبرها جهاز الأمن الوطني "مخططاً هداماً يهدف إلى إحداث الفوضى بالبلاد"، بحسب نص التحريات. والمتهمون هم: محمد أبو الفضل، محمد جبر، محمد دسوقي حسن، محمد يحيى، ومصطفى زين، وجميعهم قيد الحبس منذ الإثنين 9 مايو/أيار.

وأثار القبض على أعضاء الفريق موجة من الاحتجاجات ومظاهر التضامن، أحدثها تنظيم مسابقة أحسن أغنية مهرجان أو راب لدعم قضية الفريق، على أن تتضمن الأغنية عبارة "هو ماقالكش فين؟".

ويعتبر القائمون على المسابقة استخدام عبارة "هو ماقالكش فين؟" مدخلاً للدفاع عن الضحك الذي ملأ فيديوهات الفريق الساخر الغنائي، الذي يواجه الآن اتهامات من بينها "الاشتراك مع آخرين في إذاعة أخبار وبيانات كاذبة عمداً من شأنها تكدير الأمن العام وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة للبلاد".

وقالت صفحة المسابقة، إن الأغاني قد تكون "مهرجان" أو راب، ويتم رفعها على ساوند كلاود أو فيسبوك أو يوتيوب، مع إرسال الرابط علي صفحة المسابقة. وسيتم ترجمة الأغنيات الفائزة من العربية إلى الإنجليزية والفرنسية والاسبانية، أو ترجمتها للعربية لو كانت بلغة أجنبية.


الشارع مليان ضحك


ولأن "الشارع مليان ضحك" كما يذكر شعار فريق أطفال شوارع، أطلق أصدقاء الفريق على فيسبوك مسابقة أحسن أغنية راب أو مهرجان لدعم فرقة أطفال الشوارع.

بدأت المسابقة قبل أيام، وهي ممتدة ومفتوحة لحين الإفراج عن أعضاء الفريق. المسابقة مفتوحة للارتجال والأعمال الفنية الغنائية بمختلف المستويات التقنية، بدايةً من التسجيل بمايكروفون أو كاميرا الموبايل إلى التسجيل المحترف الذي تعمل عليه بعض الفرق المصرية الاَن بحسب صفحة المسابقة.

ولم تعلن صفحة المسابقة ما إذا كانت هناك فرق من خارج مصر تعمل الآن أيضاً على إنتاج أعمال فنية غير التي صورها الفنانون التونسيون.

لكن الصفحة أعلنت أنها ستترجم الأعمال المشاركة من خارج المنطقة العربية إلى اللغة المصرية. ورغم الطلبات المتكررة من فرق الراب والمهرجانات المتضامنة مع أطفال شوارع بتحويل المسابقة إلى فاعلية فنية تقدم في الشارع، إلا أن صفحة المسابقة اكتفت حتى الاَن بتنظيم المسابقة على الإنترنت.


الخيط الأول للكشف عن المؤامرة


قبل إلقاء القبض على الفريق الفني بأيام، كان رجال الشرطة قد صعّدوا حملات التفتيش في بعض النقاط بوسط القاهرة، وكان بعض الشباب يخضعون لتفتيش الهواتف، وخاصة محتويات صفحة "البروفايل" على فيسبوك.

وقال أحد هؤلاء الشباب لـ"هافينغتون بوست عربي"، وهو محام طلب عدم ذكر اسمه، إن ضابطاً استوقفه في محيط ميدان التحرير يوم 25 إبريل/نيسان الماضي، واستوقفته مقاطع أغاني فريق أولاد شوارع على صفحة فيسبوك، ما أدى لاعتقاله على الفور، ليطلق سراحه بعدها بأيام.

المحامي يرى أنه "واحد من ملايين شاهدوا وشاركوا فيديوهات فريق أطفال شوارع الساخرة، وهي مقاطع تمزج بين مسرح الشارع والمسرح الفقير في قوالب غنائية ساخرة، ومبتكرة"، لذلك أصر الفريق على تمثيل أعماله وتصويرها في الشارع، وليس في أي مكان مغلق وبأقل أدوات وديكور ممكنين. وكانت تقنيات ومبادئ مسرح الشارع حاكمة في كل الأعمال التي قدمها الفريق. ويسخر الفريق من إنتاجه الفني، بعبارة تقول إن فيديوهات تطرح "أسئلة كونية مالهاش إجابات".


ومنذ اللحظات الأولى لثورة 25 يناير 2011، وجد الفن نفسه في قلب المعركة ضد النظام الذي هتف الملايين بإسقاطه. من الغرافيتي إلى الأغاني إلى عروض مسارح الشارع مروراً بالفيديوهات والجولات الفنية في الشوارع لحركة "عسكر كاذبون" و"مصرون" وغيرهم، وصولاً إلى تظاهرة "الفن ميدان" التي غنت فيها فرق الموسيقى المستقلة الشبابية وعرضت خلالها فرق المسرح في الشوارع والميادين في القاهرة ومحافظات الدلتا والصعيد.

لكن النظام السياسي في مصر قابل تحدي "حرية الإبداع والتعبير" بإجراءات متتالية، كان من أبرزها إلغاء وزير الداخلية لفاعلية "الفن ميدان"، ثم صدر قانون يجرم رسم الغرافيتي -إلا في الأماكن المسموح بها- وعاقب من رسم بالحبس الفوري وبغرامة 30 ألف جنيه.


توقف الفن الشبابي


أغلب فرق مسرح الشارع توقفت مؤقتاً عن تقديم عروضها خوفاً من الاعتقال، أما فرق الموسيقى المستقلة الشبابية، فقد وجدت نفسها في مواجهة مع "حق الضبطية القضائية" الذي منحه وزير العدل لأعضاء نقابة الموسيقيين، والذي يخول اعتقال من يغني دون تصريح منها.

رفض فريق أطفال شوارع التوقف عن العرض والسخرية والغناء في الشارع، وتم حبسهم على ذمة اتهامات من بينها "الاشتراك مع آخرين في إنشاء جماعة الغرض منها الدعوة إلى مناهضة المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الدولة". ونقل مقربون منهم أن أحد زملاء الحبس سألهم: هو أنتم جايين في سلاح ولا حشيش، ممسوكين بإيه يعني؟". فرد أحد أعضاء الفريق على الفور: لامؤخذة إحنا ممسوكين بفيديوهات".

"دفاعاً عن الضحك" أصدر عدد من المثقفين والفنانيين المصريين وساندهم مئات النشطاء من 21 دولة، بياناً للتضامن مع الفريق، وقعه وزير الثقافة الأسبق عماد أبو غازي، وعدد من أبرز المخرجين والمصورين والموسيقين والأكاديميين المصريين، ونحو ألف متضامن من حول العالم.

طالب الموقعون على هذا البيان بالإفراج الفوري وغير المشروط عن أعضاء فريق "أطفال الشوارع"، وإسقاط كافة التهم عنهم، وإطلاق حرية الرأي وحرية الخيال والسخرية.. وطالب الموقعون بإطلاق أبسط حقوق الإنسان اليومية وهي حقه في الضحك"، إلا أن جهات التحقيق جددت حبس أعضاء الفرقة 15 يوماً ثانيةً.