أوقفه مبارك.."مصنع الموت" في دمياط لم يجد له معارضاً بعهد السيسي الذي افتتحه بهدوء

تم النشر: تم التحديث:
MSN
social media

"حالنا بقى زي حال كل البلد، عايشين داخل الحيط، خايفين حد يشوفنا أصلا"، بتلك الكلمات رد أحد مواطني قرية السنانية بمحافظة دمياط، شمال الدلتا بمصر على استفسارنا عن الأسباب التي جعلت أهالي دمياط، يقبلون بتوسعات مصنع موبكو بمجمع البتروكيماويات للأسمدة، التي افتتحها الرئيس عبدالفتاح السيسي منذ أيام، رغم أنهم خاضوا معركة طويلة قبل ثورة يناير/كانون الثاني 2011 وبعدها، لمنع إنشاء مصنع مماثل على بعد كيلو مترات قليلة عن تلك التوسعات.

فهل اختفت المخاطر البيئية الناجمة عن المصنع مثلاً؟ أم أن الدولة اتخذت إجراءات جادة لحماية الحياة في تلك المنطقة؟ أسئلة كثيرة يمكن طرحها هنا، لكن قبل طرح تلك الأسئلة، لابد من فهم ما حدث في تلك المنطقة منذ حوالي 8 سنوات.


المصنع الذي تراجع مبارك عن إنشائه


الحكاية بدأت تقريبا في 2008 مع تشكيل اللجنة الشعبية للدفاع عن البيئة بدمياط، والتي استهدفت مواجهة التلوث بشكل عام، وبشكل خاص منع إنشاء مصنع للبتروكيماويات لشركة أجريوم الكندية في جنوب جزيرة رأس البر التي تأخذ شكل مثلث عند مصب نهر النيل في البحر المتوسط.

في قاعدة المثلث توجد قناة ملاحية تربط بين النيل والبحر الأبيض المتوسط وتفصل منتجع رأس البر عن حرم المنطقة الصناعية لميناء دمياط حيث يوجد المصنع المثير للجدل.

موقع هذه المنطقة المميزة سياحياً، كان سبباً في دفع عدد من رجال الأعمال، للوقوف مع أهالي المناطق القريبة ضد إنشاء المصنع، غير أن الدوافع كانت مختلفة، فرجال الأعمال يرفضون إنشاء المصنع لأنه سيؤثر على الاستثمارات السياحية والعقارية في المنطقة، بينما كان الأهالي يخافون من التأثيرات البيئية والصحية للمصنع على أسرهم.

في تلك الفترة كانت حملات معارضة إنشاء المصنع، تكتسب تعاطفاً كبيراً، سواء من كتّاب الرأي والأعمدة في الصحف، أو حتى النقابات المهنية التي نظمت لهم مؤتمرات دعم وتضامن.

استمر هذا الحراك حتى أصدرت حكومة أحمد نظيف قراراً في 2008 بوقف إنشاء المصنع، لكنها تحايلت وأبرمت في أغسطس 2008 اتفاقاً يقضي باستحواذ شركة "موبكو" التابعة للحكومة على مشروع شركة "أجريوم" المصرية الكندية في جزيرة رأس البر، على أن تصل حصة "أجريوم" إلى 26% من المشروع، وأصبحت حصة المال العام (الحكومة) 71%، وقررت الحكومة وقتها الاستفادة باستثمارات أجريوم الكندية في توسعة مصنع موبكو للبتروكيماويات، والموجود أصلاً منذ 1998، لكن ضعف الاستثمارات كان عائقاً أمام توسعه.

وبالتالي بدلاً من إنشاء المصنع الجديد المثير للجدل، أدخلت الحكومة الشريك الكندي في مصنع حكومي قديم يمارس نفس النشاط مع توسيعه.

وكان الأمل في أن تؤدي استثمارات أجريوم لتحقيق أرباح تسمح بالتوسع وفي الوقت نفسه يسهم غياب اسم أجريوم في تهدئة الحملة الشعبية الرافضة لإنشاء المصنع لأنه ارتبط بالشركة الكندية.


التوسع من جديد


هدأت الأوضاع بالفعل قليلًا في دمياط، حتى عام 2009، حتى تم الإعلان عن موافقة الحكومة على توسعات يطالب بها مصنع موبكو غرب الموقع الأصلي لمصنع أجريوم، غير أن المعارضة كانت ضعيفة هذه المرة رغم أن المشروع تقريباً هو المشروع نفسه الذي اعترض عليه الأهالي من قبل.


بعد الثورة


وبعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011 نشطت الحملات الرافضة للمشروع مرة أخرى، واتخذت هذه المرة شكلاً عنيفاً نوعاً ما، إذ قطع المحتجون الطريق أكثر من مرة، وهو الطريق المؤدي إلى ميناء دمياط الاستراتيجي، وتعاملت الحكومة التي نصبها المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة وزير الدفاع محمد حسين طنطاوي مع الموقف بحذر وقتها، وفي يونيو/حزيران 2011، قرر وزير البيئة تشكيل لجنة علمية لمعرفة الأثر البيئي للمشروع، يكون من بين أعضائها أعضاء من المجتمع المدني المحلي بالمحافظة.

وأوصت اللجنة بعدد من التدابير لتقليل الأثر البيئي الضار للمصنع، ووافق عليها رئيس الوزراء وقتها المهندس عصام شرف.

غير أن حالة من عدم الثقة بين الحكومة والمواطنين، جعلت الأهالي يواصلون احتجاجاتهم، وحدثت اشتباكات بين قوات الأمن والأهالي في نوفمبر/تشرين الثاني 2011، نجم عنها مقتل أحد المحتجين، وهو ما أدى إلى تصاعد الأحداث، وزيادة الغضب بين الأهالي، ما اضطر رئيس الحكومة آنذاك لإصدار قرار بإغلاق مصنع "موبكو"، ووقف أعمال التوسعات.

الحل الوحيد أمام الشركة وقتها كان اللجوء إلى القضاء، وقررت محكمة القضاء الإداري بمدينة المنصورة، تشكيل لجنة من أساتذة جامعة المنصورة لوضع تقرير عن الأثر البيئي للمصنع، وانتهت اللجنة في تقريرها، إلى أن المصنع ليست له آثار جانبية ضارة، فأمرت المحكمة بإعادة فتحه، وأشارت إلى ضرورة الالتزام بالتوصيات السابقة التي وردت بتقرير وزير البيئة، والتأكيد على تلك التدابير حفاظاً على حياة المواطنين.


هل التزم الاشتراطات البيئية؟


السيسي في افتتاحه لتوسعات مصنع موبكو الأخيرة، شدد على أن جميع الاشتراطات البيئية بالمصنع قد تم تنفيذها، بل ولمزيد من التأكيد على ذلك اقترح تشكيل لجنة من أهالي دمياط لزيارة المصنع كل 15 يوماً ليطمئنوا على آثاره البيئية.

وقال بكل حسم إنه لن يتم الحصول علي أي موافقات لمصانع القطاع العام أو الخاص إلا بعد استيفاء جميع الاشتراطات البيئية.

كما قال خالد فهمي، وزير البيئة في الحفل نفسه أن "شركة موبكو تلتزم بتطبيق معايير البيئة وإنها آمنة على البيئة المحيطة، مؤكداً أن سجل موبكو البيئي مكتمل وهي من المؤسسات المصرية الملتزمة بيئياً وأنها الشركة الوحيدة التى قامت بإنشاء محطة معالجة الصرف الصناعي.

ورغم ذلك اقترح الوزير عدداً من الإجراءات الأخرى، من بينها تركيب حساسات بيئية على مخارج الشركة لقياس الانبعاثات الخارجة من المصنع، وتحديد نسبتها وأنواعها.


في طريقها للتنفيذ


"هافينغتون بوست عربي" تواصلت مع الدكتور هشام ربيع رئيس الإدارة المركزية لإقليم شرق الدلتا بجهاز شئون البيئة، الذي رفض إجراء أي حديث عبر الهاتف، وطالبنا بالحضور إلى مكتبه، ثم قال كلاماً مقتضباً، مفاده أن الشركة ملتزمة بكل ما نوصيها به. وعند سؤاله بشكل مباشر: هل نفذت موبكو كل التوصيات البيئية التي طلبت منها؟

قال ربيع: إن الشركة لديها خطة لتنفيذ تلك الاشتراطات، وتسير في إطار تنفيذها حالياً.. "هم بدأوا ونحن (يقصد البيئة) لن نوافق على أي تجاوز للانبعاثات المضرة، والجهاز في حالة متابعة مستمرة".

عاودنا طرح السؤال بشكل واضح: هل تم بالفعل الانتهاء من كل الاشتراطات التي تم وضعها لإنشاء التوسعات الجديدة؟، لم يقدم الرجل إجابة حاسمة وقال: "نحن نتابعهم ولن نسمح بأي تجاوز للاشتراطات البيئية".


تعهد السيسي يكفي


النائب ضياء داود، عضو مجلس النواب عن محافظة دمياط، وكان عضواً باللجنة العلمية التي شكلها وزير البيئة لدراسة الأثر البيئي لمجمع البتروكيماويات للأسمدة (موبكو) رفض الحديث عن وجود الاشتراطات من عدمه، لكنه استشهد بتعهد السيسي بأن تكون هناك معاينة دورية لمراجعة الاشتراطات البيئية في المنطقة الصناعية، وأن يكون هناك ممثلون للمجتمع المدني في تلك الدوريات.

وأضاف "لا نريد الحفر في القبور، أو استباق الأزمات، لدينا تعهد من الرئاسة بمراجعة تلك الاشتراطات" .

ولفت عضو مجلس النواب، إلى أن المصنع قد يكون آمناً اليوم، لكننا لا نعرف ما الذي سيحدث غداً.

وكان داود استقال من اللجنة العلمية التي شكلها وزير البيئة لدراسة الأثر البيئي للمنطقة الصناعية، بعد فوزه في البرلمان، وقال مبرراً ذلك "كيف أستمر في لجنة وزارية وأنا من المفترض أن أراقب عمل هذا الوزير".

وقال عضو حالي باللجنة - طلب عدم ذكر اسمه - لـ"هافينغتون بوست عربي" إن اللجنة لم تنعقد منذ فترة طويلة، ولا نعرف إن كانت الشركة التزمت فعلاً بتنفيذ الاشتراطات التي وضعتها اللجنة العلمية المشكلة من جامعة المنصورة أم لا، وأضاف "لا طريق أمامنا سوى أن نصدق ما قاله السيسي".


أين اختفى المعارضون للمشروع؟


ثلاثة أسباب تقف وراء اختفاء معارضة التوسعات التي افتتحها السيسي مؤخراً، منها ما ذكره عضو سابق باللجنة الشعبية للدفاع عن البيئة، الذي رفض ذكر اسمه، بأن الأهالي أصبحوا منقسمين بعدما كانوا متفقين من قبل.

"في الماضي كان رجال أعمال وفقراء وأعضاء في حركة كفاية المعارضة لحسني مبارك، وأعضاء في الحزب الوطني – الحاكم في عهد مبارك - كنا جميعاً في صف واحد معارضين للمشروع الآن لا يوجد ذلك".

ويضيف بأن الأعضاء الأساسين في اللجنة الشعبية مشتتون الآن، فمن بينهم أعضاء بجماعة الإخوان المسلمين وهم هاربون الآن، أو محبوسون، ومن بين أعضاء اللجنة عضوان محكوم عليهما بالحبس سنتين لمشاركتهما في مظاهرات معارضة سابقة لموبكو، وهما هاربان أيضاً من تنفيذ هذا الحكم، ويتابع بأن أعضاء آخرين كانوا في حملة دعم ترشح السيسي لرئاسة الجمهورية، ولا يستطيعون الحديث عن هذا المشروع الآن، خوفاً على مصالحهم مع النظام.

السبب الثاني في غياب المعارضة، وفقاً لأحد المواطنين من قرية السنانية بدمياط - فضل عدم نشر اسمه - هو إغداق مصنع موبكو على عدد كبير من جمعيات المجتمع المدني بالقرية التي كانت تمثل رأس الحربة في الاحتجاجات، حيث قام المصنع بتخصيص أموال لتلك الجميعات على شكل تبرعات مادية، بالإضافة إلى تبرعات عينية أخرى كسيارة إسعاف أهداها المصنع لإحدى الجمعيات بالإضافة إلى تجهيز حضانة للأطفال تابعة لجمعية أخرى.

السبب الثالث والأخير، هو القبضة الأمنية التي زادت في الفترة الأخيرة وترفض أي تحرك احتجاجي، وهو ما لم يكن يحدث بهذا الشكل في الماضي.