اللاجئون في النمسا يتنفسون الصعداء بعد هزيمة مرشح اليمين المُعادي للمهاجرين

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

عندما وصل مهند محمد إلى النمسا، بعد أن كلفته رحلته 8000 يورو، التي عبر خلالها من تركيا متجهاً نحو اليونان ثم عبر البلقان، ليصل في نهاية المطاف إلى النمسا، لم يكن لديه أدنى معرفة بأي من أسماء الشخصيات الفاعلة بالساحة السياسية النمساوية.

غير أنه بعد عام ونصف من وصوله إلى النمسا، وجد طالب الأدب الفرنسي نفسه ملتصقاً بالموقع الإلكتروني لهيئة الإذاعة والتلفزيون النمساوية يوم الاثنين، حيث ساعده على ذلك إتقانه المعقول للغة الألمانية، كي يتابع حالة الدراما السياسية التي عاشتها البلاد والتي تعد الأكثر اجتياحاً خلال عقود من الزمن.

تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية نقل عن محمد قوله: "إن فان دير بيلين يعمل من أجل أوروبا التي أعرفها، وهو لا يريد أن تغلق النمسا حدودها". وأوضح أن الرسالة التي استوعبها من هوفر "أنه لا يحب المسلمين، فهو يعتقد أننا جميعاً إرهابيون، وهو يحمل سلاحاً كي يحمي نفسه من اللاجئين"، حسب قوله.


مخاوف اللاجئين


وكان صاحب الـ20 عاماً حريصاً على إخفاء مخاوفه أمام زيادة حدة نبرة العداء ضد المهاجرين التي حملها حزب الحرية النمساوي خلال الأيام الماضية. فهو في نهاية الأمر ضيف على البلد، على حد تعبيره. إلا أنه أراد أن يؤكد على أن "ثمة كثيراً من النمساويين الصالحين"، حيث ذكر أن الصحفي الذي أسكنه في تلك الشقة بالمنطقة الخامسة في العاصمة النمساوية فيينا، " أبدى لي حماسة شديدة في مساعدتي، وهو ليس وحده في ذلك. أنا أشعر بشديد الامتنان للنمسا".

وقد سافر مئات الآلاف من اللاجئين إلى النمسا خلال العام الماضي، كما تقدم 100 ألف منهم بطلب للجوء. وكانت تلك هي القضية التي استفاد منها حزب الحرية النمساوي، ما يعزز حقيقة أنه لا يزال يعمل على الحشد من أجل سياساته المعادية المهاجرين، التي تحظى بالفعل بتأييد كبير.

وفي الوقت الذي ينتظر فيه إحصاء الأصوات الانتخابية الحاسمة التي تُرسل عن طريق البريد، اعترف محمد بمخاوفه من احتمالية فوز هوفر، حيث قال: "أكثر الأشياء التي تخيفني هو أن يقول إنه ينبغي على اللاجئين العودة مرة أخرى". وأضاف: "لا يمكننا العودة بكل تأكيد. ولكن لأنه وصفنا بالفعل بأننا مقاتلون نتبع للدولة الإسلامية، فأنا أشعر بالقلق من أن الضغط الذي سيمارسه عليه مؤيدوه بسبب وعوده التي تعهد بها أمامهم، ستجعله غير قادر على تجنب القيام بذلك".

يقول السائق الإيراني نسيم، الذي وصل إلى النمسا منذ 41 عاماً حينما كان يبلغ من العمر 19 عاماً، إنه صوّت لفان دير بيلين "ليس لأنه المفضل بالنسبة إلي، ولكن لأنني كنت حريصاً على أن يخسر الآخر"، حيث أوضح أنه لم يكن قلقاً من الخطى المعادية للمهاجرين التي يسير عليها حزب الحرية النمساوي، لكنه كان يخشى التبعات الاقتصادية من فوز الحزب اليميني المتطرف.

وأضاف: "أذكر فقط عهد فالدهايم جيداً"، حيث تذكر أكثر السباقات الرئاسية نزاعاً في النمسا فضلاً عن السباق الرئاسي الحالي، الذي جرى في عام 1986 عندما انتخبت البلاد كورت فالدهايم، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، الذي عُرف عنه أنه كان يعمل في "الفيرماخت"، وهو اسم القوات المسلحة في عهد هتلر، وأنه كان قريباً من جرائم النازية.

يقول نسيم: "العقوبات التي فُرضت علينا كانت لها آثاراً سلبية على الاقتصاد، وقد تأثرنا نحن البسطاء من تبعات ذلك".


إشارة واضحة


وفي بيان نشره مؤتمر حاخامات أوروبا لتهنئة فان دير بيلين على الفوز، قال الحاخام غولدشميت: "تلك النتيجة تُعد إشارة واضحة على أن أوروبا بدأت في استيعاب حقيقة أن الكراهية والخوف ليسا الحل أمام التحديات التي تواجه القارة".

وقال فلورين كلينك، أحد أهم المعلقين على الشأن النمساوي والمحرر بمجلة "فالتر" الإخبارية الأسبوعية، إن البلاد استُقطبت جرّاء الانتخابات التي سيطرت عليها شؤون المهاجرين والأمور الأخرى المرتبطة بها.

وأضاف كلينك: "لكن المدهش أن المناطق الريفية التي لا يسكن بها سوى قليل من اللاجئين، يزيد الخوف منها لأنهم يميلون نحو التصويت لصالح المرشح المناهض للمهاجرين، أما الآخرون الذين تحتوي مناطقهم على عدد أكبر من اللاجئين فصوّتوا لصالح المرشح الذي سيُبقي الحدود مفتوحة".

وأوضح قائلاً: "في حالة القرية التي أنحدر منها في ولاية النمسا السفلى، حيث استقبل الأهالي أعداداً كبيرة من اللاجئين، صوّتوا لصالح فان دير بيلين، بينما القرية المجاورة التي لم تستقبل أي لاجئ صوّتت لصالح هوفر".

ففي أحد أحياء الطبقة العاملة شمال فيينا، الذي شهد ميلاً كبيراً نحو حزب الحرية النمساوي خلال الشهور الأخيرة، على الرغم من كونه معقلاً للحزب الديمقراطي الاجتماعي لعقود طويلة، حيث كان أهل المنطقة يستمتعون بشمس الربيع الدافئة، وبعضهم كان يحظى بحمام شمس على الشاطئ الذي يحمل اسم "شاطئ العمال"، الذي أنشأه الحزب الديمقراطي الاجتماعي منذ زمن، وذلك في "ألتي دوناو" أحد فروع نهر الدانوب.

وقال سابيدين (22 عاماً)، طالب علم النفس الذي جاء من كوسوفو إلى فيينا وعمره 6 أعوام، إن تلك الانتخابات هي أول انتخابات يحظى بفرصة التصويت فيها، وأوضح قائلاً: "لم أعتقد أن الأمر سيكون هاماً، لكني سعيد أنني حظيت بتلك الفرصة"، حيث أضاف بينما كان يقف في أحد أكشاك المثلجات: "لقد أعطتني تلك البلاد كثيراً من الأشياء، وإنه لأمر محزن ومثير للقلق أن أرى كثيراً من الناس يشعرون بالخوف الشديد".

وكان سابيدين في صحبة صديقه أليكس (22 عاماً) وهو من الهند. حيث قال أليكس، مالك أحد محال البقالة ومديره: "يزداد عدد الناس الذين يظنون أن التصويت لصالح مرشح اليمين المتطرف سوف يغير تلك الأمور التي تخيفهم، مثل جعل وظائفهم أكثر أماناً، وإعطائهم مزيداً من الأموال، وتجنيبهم تهديدات العولمة، لكن التصويت لصالحه لن يغير شيئاً".

وكان مصطفى، سائق سيارة الأجرة المصري الذي وصل إلى فيينا منذ 16 عاماً، يحمل ضيوفاً لحزب الحرية النمساوي في سيارته لينقلهم إلى منتزه "براتر" مساء الأحد، حيث قال إن كل فوز يصنعه حزب الحرية خلال الانتخابات يجعل الحياة تزداد صعوبة على الأجانب الذي يعيشون في النمسا، وعلى وجه الخصوص هؤلاء الذين جاءوا من بلاد عربية مثله.

وأضاف: "ثمة أجانب عاشوا هنا فترة تبلغ ضعف عمر هوفر نفسه، وقد جاءوا من أجل بناء البلد مرة أخرى بعد الحرب. لكنه وحزبه جعلا المُناخ العام تجاههم خطيراً، في الوقت الذي كان أجدر لهؤلاء الأجانب أن يحظوا بالحفاوة لما قدموه".

- هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة The Guardian البريطانية، للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.