هل يفقد داروين صوابه في شوارع نيويورك؟ العلم يقلب طاولة اللعب!

تم النشر: تم التحديث:
SCIENTIST LAB
AzmanL via Getty Images

لو وجد العالم البريطاني تشارلز داروين نفسه فجأة في منتصف شوارع نيويورك، لأصيب بالدهشة وهو يراقب الهيئة التي أصبح عليها البشر الغادين والرائحين، كثيرٌ من الأشخاص المتكورين السمان، في ظل عالم أصبح يضم حوالي 1.5 مليار شخصاً مصاباً بالبدانة، كثيرٌ من الأشخاص الكبار في السن، كما إنه سيصدم عندما يشاهد أشخاصاً يخطون على أقدام ملونة مطبوعة بالطابعات ثلاثية الأبعاد أو لهم أذرع غريبة روبوتية، ربما سيتلفت حوله ويظن أنه بصدد نوع جديد من البشر، لكن الدهشة الحقيقية ستكون مخبأة له عندما يزور مختبرات الجينات المنتشرة في البلاد!

السيناريو الفائت تخيله الباحث جوان انريكيز - المفكر المستقبلي، عما إذا نهض داروين من قبره ليشاهد البشر حالياً، في عالم آني يوقف فيه البشر ارتجال الطبيعة، عن عمد أو بدون قصد، لكن ذلك يقلب الطاولة رأسا على عقب.


هل تستطيع كتابة جينات ابنك بنفسك؟




dna map

في العام 2015، ثارت معركة أخلاقية في أوساط العلماء بين مؤيد ومعارض بعد أن أعلن فريق من العلماء الصينيين أنهم نجحوا في تعديل جينات أجنة بشرية لأول مرة في التاريخ، حيث قاموا بتعديل جينات مسؤولة عن مرض في الدم.

ومع أن الفريق لم يزرعها في رحم امرأة، لكن الوثبة كانت ضخمة للدرجة التي دفعت العلماء للتساؤل بقلق وترقب: هل يشهد العام 2016 ولادة أول طفل تم تحرير جيناته؟ الأمر ممكن نظرياً، خاصة بعد تكنولوجيا “كريسبر” الرخيصة والسهلة لتحرير الجينات لدرجة تسمح للعلماء بكتابة جين واحد أو اثنين، إلا إنه ما يزال أبعد ما يكون عن الأمان.

منذ أن ظهرت تكنولوجيا “كريسبر” في المختبرات في 2012، استخدمت في قص ولصق الجينات والتلاعب في الطفرات، بداية من الطفرة المسؤولة عن فقر الدم المنجلي ووصولاً إلى فيروس نقص المناعة، وقد فازت بالضربة القاضية على كل تقنيات تحرير الحمض النووي القديمة، حتى إنها أصبحت ممكنة الأداء في أي مختبر أبحاث للجينات، كما إن الجينات المعدلة تمرر إلى الجيل التالي، لكن أحداً لم يتجرأ على القيام بها على الأجنة البشرية الحية، حتى عبر الفريق الصيني الخط الأحمر لأول مرة.

في هذا العام، أعلن علماء صينيون أيضاً أنهم نجحوا في إجراء تغيير جيني في أربعة أجنة من أصل 26، ليصبحوا مقاومين لفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، كما أعطت المملكة المتحدة لأول مرة الضوء الأخضر لإجراء هذا النوع من البحوث في مختبراتها، متعهدين بالقضاء على الأجنة موضع الاختبار بمجرد أن تبلغ يومها الرابع عشر، لمواصلة أبحاثهم حول إمكانية إيقاف الجين المسؤول عن إجهاض الأطفال وعلاج العقم، ومع ذلك، عارضتها الهيئات الدينية بالإضافة إلى هيئات علمانية، لأنهم يرون أن ذلك خطوة نحو “تصميم الأطفال”.


ما بعد الداروينية: كتاب مثير للجدل.. هل يكون أحفادك نوعاً مختلفاً من البشر؟




evolving ourselves book

الباحثان جوان إنريكيز وستيف جولان، المحاضر في كلية الطب في جامعة هارفارد، قاما بتأليف كتاب مثير للجدل أسمياه Evolving Ourselves، طارحين عدة أسئلة متتابعة عاصفة على قارئهم: لماذا تفجرت مستويات التوحد، والربو، والحساسية بوتيرة عالمية غير مسبوقة أبداً؟ لماذا أصبح البشر أطول عمراً، وأذكى، وذوي أطفال أقل؟ كيف يمكن أن تمسك تكنولوجيا “كريسبر” بالدفة لتغير من وجهة التطور البشري بشكل كلي؟ وكيف كان داروين سيفسر هذا العالم الجديد لو ظهر إلى الحياة؟

الكتاب استند إلى إحصاءات، مثل قفزة مستوى البدانة بين 1980 و2014، لدرجة وصلت إلى الضعف، كما إن هناك أدلة على أن الأنواع الأخرى قد حدث لها نفس الشيء، بدايةً من الخيول التي تتغذى على المراعي، ووصولاً إلى الحيوانات في المختبر والقطط والكلاب الأليفة، أما بالنسبة لمرضى الحساسية، فمنذ 300 سنة، لم يكن هناك أشخاص ذوي حساسية بندق خطيرة يستطيعون أن يعيشوا حياة طويلة، لكننا نشهد الآن عصراً زاد فيه مرضى الحساسية بمعدل 50 بالمئة في عشر سنوات فقط؛ 17 مليون أمريكي يعانون الحساسية يعيشون بشكل طبيعي، يأكلون ويمشون في الشوارع، وينجبون أطفالاً يمررون لهم هذه الجينات.

معدلات التوحد أيضاً قفزت بنسبة مهولة، وصلت الزيادة فيها إلى 131 بالمئة في أقل من 10 أعوام فقط من العام 2001 إلى 2010، أكد الكتاب أنها لا تعزى إلى زيادة معدلات التشخيص، وإنما هي زيادة حقيقية.

الباحثان تحدثا كذلك عن التلاعب الذي سببه الإنسان في البكتيريا، في عصر ما بعد المضادات الحيوية، التنوع البكتيري في أفواه البشر وداخل أجسادهم أصبح بالغ الفقر، قائلين إن الأثر الذي سيحدثه ذلك سوف يمتد ليشمل الأجساد والدماغ أيضاً، ولن يقتصر على الفم فقط.

تحت عنوان الكتاب الذي يتحدث عن تطوّرية الإنسان لنفسه، الجملة التوضيحية هي “كيف سيغير الانتخاب الغير طبيعي والطفرات غير العشوائية، الحياة على كوكب الأرض”، الباحثان يعتقدان أن “الانتخاب الطبيعي والطفرات العشوائية” التي تحدث عنها داروين لم تعد المحرك الأساسي لبقاء الكائنات الحية، وأن التطور أصبح الآن بيد الإنسان عن عمد أو بلا عمد، في إعادة تصميم البكتيريا والنباتات والحيوانات والإنسان ذاته، وهذا مقلق، لكنه يمثل فرصة كبيرة، فالتطورات الحالية في مجال التكنولوجيا الحيوية سوف تساعد في حل مشاكل الانتخاب الطبيعي، بداية من إنقاذ الأطفال المولودين قبل الأوان ووصولاً إلى العلاج الجيني لأمراض فقر الدم المنجلي، وأمراض الميتوكوندريا الوراثية الخطيرة.

الكتاب أضاف أن القادم ربما يكون أكثر مفاجئة لنا عما نتخيل، فقد يقوم العلماء مستقبلاً بعمل تغييرات أساسية ومحورية في جسد الإنسان كي يصبح مناسباً لاستعمار الفضاء والسكن فيه، ليكون هناك نوع بشري مختلف تماماً عنا.


النقاد يشهرون السكاكين على الكتاب: هل كان يستحق ذلك؟


جيري كوين، العالِم في أبحاث التطور في جامعة شيكاغو، قال إنه يوافق فكرة حدوث تطورية في جينات الإنسان، لكنها أكثر ضآلة من أن نتحدث عن “تطور في الجيل البشري بأكمله”، قائلاً إن هناك أمثلة تطورية جينية شهدها الجينوم البشري، وتم اكتشافها بعد دراسة تطور الحمض النووي في العشرة آلاف سنة الأخيرة في الأجيال البشرية، مثل “تسامح الجسد مع اللاكتوز” الموجود في الحليب، وهي الجينات التي مكنت طائفة البشر الرعويين، أي الذين يقومون بتربية الأغنام والماشية، من هضم منتجات الألبان بدون مشاكل صحية، لكن هذا لم يحدث في طوائف أخرى من البشر لم يكونوا بحاجة للتعامل مع الحليب بعد الفطام، أيضاً لدينا التطور الجيني الذي حدث في سكان المرتفعات، ومكنهم من التعايش مع قلة الأوكسجين.

الكاتب الذي نشر مقاله في عمود الرأي في صحيفة Washington Post الأميركية، انتقد ما زعمه الباحثان، فهم لم يكتفيا بالقول أننا “نتطور بسرعة خيالية لم نرها من قبل”، بل قالا إننا “من يفعل ذلك بأنفسنا”، وأننا في “مرحلة مختلفة تماماً من التطور، المستقبل بأيدينا الآن”، قائلاً إن الأدلة التي ساقوها محدودة للغاية، أحد الأمثلة التي ضربوها على استبدال الانتخاب الطبيعي، كان مثال “الصيد الزائد عن الحد”، فقد قالوا إن هذا قلل الحجم المتوسط للكثير من أنواع وفصائل الأسماك، فانتقاء الإنسان للأسماك الكبيرة، جعل الأسماك الصغيرة هي التي تتكاثر، وتسود الآن، وبالتأكيد فإن أفعال الإنسان الأخرى، مثل حرق الغابات المطيرة، وتلويث المحيطات واحترار الأرض، سوف يكون لها أثر على الأنواع الأخرى، جيري كوين قال إنه لا شك بالطبع في أننا نغير الكوكب، لكن الزعم بأننا نقود “كل” التطور النوعي على وجه الأرض، هو اعتقاد ساذج، فالمثال الذي تم ضربه مجرد جزء بالغ الضآلة من 30 ألف نوع معروف من الأسماك.

كما إن اعتقادهم بشأن تطورنا النوعي كبشر، والذي أصبحنا نسوقه بأنفسنا “كلياً”، مضحك أيضاً، والأدلة أقل إقناعاً، فبالنسبة لزيادة معدلات تشخيص التوحد والحساسية والسمنة، فإنها حقيقية بالطبع، النقاد العديدين لم ينكروا ذلك، لكن، لا يوجد رابط منطقي واضح نستدل به على “تطورنا” من هذا، وإنما هي نتيجة طبيعية لتواجد “ماكدونالدز” ومطاعم الوجبات السريعة على ناصية كل شارع، هذا ليس تغييراً وراثياً، وإنما بيئي. صحيح أن تجنب الحلويات والسكريات، الذي تسببه الضغوط الصحية والمرضية للسمنة، قد تمرر بشكل وراثي إلى الأطفال، لكن هذا احتمال ضعيف، لأن هذا التجنب يحدث غالباً في أواخر العمر، بعد إنجاب الأطفال، كما إن العملية وإن حدثت، فسوف تكون بطيئة.

الكتاب تناول أيضاً الاستخدام المتزايد والمنتشر للأدوية المضادة للاكتئاب بوصفها جزء من “التطورية”، لكن ما العلاقة؟ وجهة نظرهم تعتمد على كون ذلك يسبب تأثيرات على الجينوم البشري، لكن هذا شيء لا نعرفه بعد، لأن مفهوم “التطور” قائم على كون هذا الثقافة تؤثر على الإنجاب، ويتم تمريرها بشكل مختلف إلى الأجيال القادمة، ومع كل هذه المجاهيل الموجودة والأدلة غير المثبتة، نجد المؤلفين يتحدثان بثقة غير مبررة عن كون الأدوية النفسية تترك “ذكريات طويلة الأمد على الحمض النووي، يحدد هويتنا، وما الذي سنكونه، وكيف سيكون أطفالنا في المستقبل”، نفس الأمر يفعلانه عندما يضربان أمثلة أخرى كالكيماويات والأدوية وعلاقتها بتطور الجنس البشري، صحيح أن أدمغة أطفالنا تتغير مع البيئة الدوائية الجديدة، لكن التغير لوحده ليس “تطوراً”.

نقاد آخرون يتفقون مع كون المؤلفين يسيئان استخدام كلمة “التطور”، وعن كون تعريفها بالنسبة لهم، مبهم وغير واضح، وأنهما يحمّلانها معنى غير علمي، ويروجان لهذه الخدعة في وسائل الإعلام بنشاط، فهل هذا مجرد تجدد للجدل الذي أحدثه داروين؟ هل كان الرجل ليغير في نظريته وتصوره فعلاً بناء على العصر الحالي؟ هل نشهد الآن حقاً مفصلاً تاريخياً في حركة التطور النوعي للبشر، أم أنها مجرد خدعة؟ وهل قد يكون أحفادك فعلاً، نوعاً مختلفاً تماماً من البشر لم تره من قبل؟