صورة الشرق في الأدب الفرنسي.. من الأسطورة إلى الدونية!

تم النشر: تم التحديث:
CITADEL MOSQUE OF MOHAMMED ALI
Louis Comfort Tiffany

تُشير النظريات المعاصرة إلى ضرورة تناول التاريخ كحكاية بوصفه متخيّلاً، لأنه يحوي ضمن بنيته عناصر السرد والتدوين، فمحددات الخيال موجودة دائماً، وينسحب هذا الحضور للخيال على العمل الأدبي.

لكن بوصف الأخير يحوي عناصر تاريخيّة، مثلاً تَحضر الشخصيات العربيّة في النصوص الأدبيّة بأشكال مختلفة، بالاعتماد على مرجعية تاريخيّة ونظرة سياسية واجتماعيّة وثقافية مرتبطة بطبيعة العلاقات التي تجمع الشرق مع الغرب.

فالكاتب التشيكي فرانز كافكا تناول العرب في أحد قصصه بعنوان “بنات آوى وعرب”، كما نرى شخصية “جُمعة” ذات الأصول العربيّة في رواية الكاتب الإنكليزي “روبينسون كروزو” لدانييل ديفو، أو الحضور الأشهر، المتمثّل بالتخيل الذي قدّمه دانتي الالغيري للنبي محمد وعلي بن أبي طالب في “الكوميديا الإلهية”، والذي تم حذفه في الترجمة العربيّة.

أمّا فرنسا، ونتيجة الاتصال الذي حصل بينها وبين الشرق - مصر وبلاد الشام - إبان حملة نابليون بونابارت (1798-1802)، فبدأت تتعرف على الشرق وسحره وقتها، واستمر هذ التأثير وتعمّق بعد حملاتها على الجزائر وشمال أفريقيا (1830-1962)، ليُظهر صورةً جديدةً للعرب وحضورهم ضمن الأدب، تختلف باختلاف الحقبة والكاتب ومواقفه، والأمثلة التالية توضح طبيعة هذه الصورة المتخيّلة للعربي في الأدب الفرنسي وتطورها.


فولتير - “زاديك”




voltaire

في الرواية التي كتبها فولتير في العام 1784 بعنوان “زاديك”، نرى فيلسوف عصر الأنوار يقدم صورةً أسطوريّةً عن الشرق.

فأحداث الرواية تدور في مدينة بابل، وتحكي عن القدر والتسليم بالمشيئة الكبرى، عبر وصف الصِعاب التي تمر بزاديك، وانتقاله من حبّ النساء إلى السجن، ثم كيف أًصبح وزيراً، والتحديات التي واجهها ليتزوج محبوبته، ثم تعيينه ملكاً.

فولتير في هذه الرواية يقارب الشرق بوصفه موطناً للحكمة، مع إسقاطات سياسية على واقعه في تلك الفترة، فتقنيات الاستشراق والنظرة الدونية لم تكن واضحة، إذ كانت العلاقة مع الشرق أقرب للأسطورة ومرتبطة بتأثيرات “ألف ليلة وليلة”.


تيوفيل غوتيه - “رواية المومياء”




tywfylghwtyh

جاء هذا العمل بعد رحيل نابليون عن مصر، والخيبة التي أصابت المجتمع الفرنسي إثر فَشل الأخير، فنشر تيوفيل غوتيه رواية “المومياء” في العام 1858.

وفيها يحكي الأخير قصة عالم ألماني مختص بالمصريات وأرستقراطي إنكليزي يكتشفان في وادي الملوك مومياءً لفتاة شابة باسم “تاهوسير”. تحكي الرواية قصة هذه المومياء، التي تصبح نهايةً ملكة مصر.

ويشير الفصل الأخير في الرواية إلى أن اللورد الإنكليزي يقع في حبها، وهو أشبه بدلالة مجازية على عشق الغرب للشرق، وما يحمله الأخير من سحر وأُبّهة ضاربة في التاريخ أغرت المخيلة الغربيّة.


شارل جانيل - “جان الصغير”


نُشرت هذه الروية في العام 1879، وفيها يقدم الكاتب الفرنسي شارل جانيل العرب، وخصوصاً الجزائريين، بوصفهم برابرة ومتوحشين، بل يعمل على توصيفهم بـ “المسلمين”، الذين يعتدون على المسيحيين بصورة جائرة.

هذه الصورة السيئة، التي يقدمها جانيل عن “دول المستعمرات الفرنسية”، تشكّل مثالاً عن الصور الاستشراقية الفرنسية لمستعمراتها، وهذا ما سعت الدراسات ما بعد الكولونيالية إلى تفكيكه، بوصفه محاولةً من الغرب (المركز) لبسط سيطرته على الشرق (الهامش) وتشكيله ضمن المخيّلة، بوصف الغربي متفوق والشرقي أدنى منه.


البير كامو - “الغريب” و“الزانيّة”




camo

يعتبر البير كامو الحائز على جائزة نوبل من أهم كتّاب فرنسا في القرن الـ 20، فالأخير روائي وصحافي ومسرحي وناشط سياسي، كامو المولود في الجزائر كان معارضاً للاحتلال الفرنسي لها، وكتب الكثير من المقالات النقدية ضد سياسة الحكومة الفرنسية.

كان للعرب حضور كبير في أعماله الأدبيّة، وخصوصاً الأشهر منها كـ “الغريب”، التي نشرت في العام 1942. يقتل مورسو بطل الرواية عربياً على الشاطئ، ليدخل بعدها في رحلة عبثيّة لاكتشاف الذات، وطبيعة العلاقات العبثية التي أدت به إلى السجن. فالعربي في الغريب هو ضحية، مات مصادفةً لأن الشمس لمعت بعين البطل مورسو، فضغط على الزناد وقتله.

كذلك هناك حضور للشخصية العربيّة في قصته القصيرة “الزانيّة”، المنشورة في العام 1957، إذ يحضر فيها العرب بوصفهم جزء من فضاء الأحداث، حيث لا يحمل أي منهم صفة محددة سوى أسمائهم وأشكالهم، وكأنّ انتماءهم ضائع في ظل الاستعمار الفرنسي.


جان جينيه - “أربع ساعات في شاتيلا”




janjynh

“القديس جينيه: ممثلاً وشهيداً” هكذا عَنون الفيلسوف والكاتب الفرنسي جان بول سارتر مُؤلفه عن جان جينيه، المسرحي والشاعر والمخرج بل والثائر، الذي زار دمشق والتقى فيها سعد الله ونوس.

زار أيضاً بيروت ومخيم شاتيلا في العام 1982، ليكون نصه “أربع ساعات في شاتيلا” شهادةً حيةً على وحشية المجزرة. موقف جينية وما دوّنه إثر ما رآه يحمل في طياته نظرة ثورية للعالم، وانتصاراً للإنسان والحرية.

وبالرغم من حياة جينه الماجنة، إلا أن نتاجه الأدبي يقف شامخاً في تاريخ فرنسا الأدبي، وخصوصاً انتصاره لقضايا الشرق والمظلومين، ومعاينته لها شخصياً، وهذا ما لم يفعله إلا القليلون من الكتاب في الغرب، وإن فعلوا فلم يكن ذلك دائماً لدواع إنسانية أو ثورية، بل لمطامع استشراقية.