لا سمك على موائد الجزائر رغم أن 14 من ولاياتها تطل على البحر!

تم النشر: تم التحديث:
ASSMK
هافينغتون بوست عربي

هجر السمك بمختلف أنواعه موائد الجزائريين منذ مدة ليست بالقصيرة، وذلك بسبب ارتفاع ثمنه تارة وندرته في السوق تارة أخرى، بل وبات حلماً بالنسبة لآلاف العائلات أن ترى سمكاً مقلياً أو مشوياً في وجبات الغداء والعشاء.

يحدث هذا في بلد يتوفر له شريط ساحلي يفوق طوله 1200 كلم، وبمجموع 14 ولاية مطلة على البحر الأبيض المتوسط، وبترسانة تزيد عن 50 ميناء للصيد بحسب أرقام لوزارة الفلاحة والصيد البحري.


سمك الفقراء عجز عنه الأغنياء


يعد "السردين" من أنواع الأسماك التي كانت في وقت سابق مقصد العائلات الفقيرة في الجزائر بسبب انخفاض أثمانه من جهة ووفرته في السوق من جهة ثانية.

اليوم وبعد جولة قادت "هافينغتون بوست عربي" إلى عدد من الأسواق والمحلات المتخصصة في بيع هذا النوع، تأكد بأن أسعار السردين بات لا يقدر عليها حتى الأغنياء بعدما وصل عتبة الـ800 دينار جزائري للكيلوغرام الواحد (7.5 دولار).

أما الحديث عن أسعار الأنواع الأخرى من الأسماك فبات ثقيلاً حتى على الألسن، بعدما وصل الجمبري (القريدس) إلى 3500 دينار جزائري للكيلوغرام الواحد (30 دولاراً)، و1800 دينار جزائري بالنسبة لسمك التونة (18 دولاراً)، و1200 دينار جزائري بالنسبة لأبو سيف (12 دولاراً).

ويؤكد الإعلامي والمحلل للشؤون الاقتصادية عبد النور جحنين لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن الجزائري "إن أراد استهلاك السمك بشكل أسبوعي، تضاف لها النفقات الأخرى، يستوجب أن يتقاضى منحة شهرية تزيد عن الـ50 ألف دينار جزائري (450 دولاراً)، وهي منحة يفتقدها السواد الأعظم من العمال.


ذكرى اسمها "سمك"


في جولة قادتنا إلى سوق طانجة الشهير في بيع السمك شرق العاصمة، التقينا عدداً من المتسوقين ومن الجنسين، كلمتهم الموحدة "ماقدرناش"، أي لم نستطع مقاومة أسعار السمك.
حسين بركات رب عائلة من 6 أفراد، لم يتذكر آخر مرة أكل فيها السمك برفقة عائلته، بعدما هجر السمك مائدتهم لأشهر عديدة.

حسين يتحدث لـ"هافينغتون بوست عربي": "أعمل حارساً بالبلدية، منحتي الشهرية لا تزيد عن 18 ألف دينار جزائري (105 دولارات)، طريقي نحو العمل دائماً عبر هذا السوق، أتأمل جيداً في الأسماك المعروضة دون شرائها بسبب أثمانها المرتفعة جداً".

أما سلاف عمران موظفة بإحدى الشركات المتخصصة في الاتصالات، فاعتبرت أن ارتفاع أسعار السمك مدهش، بالنظر إلى ما تمتلكه الجزائر من شريط بحري وثروة مائية.

وتردف قائلة: "أصبح حديثنا في البيت عن أكل السمك بمثابة الذكريات الجميلة التي قضيناها، وأصبحنا نادراً ما نقتني هذا الطعام بسبب غلاء الأسعار من جهة ومحدودية المنحة الشهرية من جهة أخرى".


"لا تتحدث عن الذاكرة"


مما لا يختلف عليه اثنان بأن كل الدراسات العلمية تنصح بتناول السمك لفوائده الكثيرة خاصة ما تعلق بالذاكرة.

اليوم وأمام اقتراب مواعيد الامتحانات الرسمية مع نهاية الموسم في الجزائر، خاصة شهادتي البكالوريا (التعليم المتوسط) والتعليم المتوسط (24،29 مايو/أيار 2016)، ازداد ضغط الأبناء على الآباء لاقتناء السمك.

محمد سايح أب لطالب وطالبة سيجتازان الامتحانات المصيرية، يؤكد في حديث لـ"هافينغتون بوست عربي"، بأنه يعيش بين سندان ضغط الأولاد وارتفاع أسعار الأسماك في الأسواق.

ويقول سايح: "دائماً يذكرني أبنائي بفائدة استهلاك السمك، للمراجعة وحفظ الذاكرة، ويلمحون من أجل اقتناء السمك، لكن ذلك لم أستطع تحقيقه، لان راتبي متواضع، وأستغله في ضروريات الحياة، لأن السمك بالنسبة لنا بات من الأمور الثانوية التي لا نفكر بها مع ارتفاع أسعارها".


تراجع الاستهلاك بأكثر من 30%


يؤكد الإعلامي والمحلل للشؤون الاقتصادية عبد النور جحنين، من أن نسبة استهلاك السمك بالجزائر، عرفت في الفترة الأخيرة تراجعاً كبيراً، حيث تراجعت أكثر من 30 بالمائة؛ نظراً للغلاء، وتراجع القدرة الشرائية للمواطن. لاسيما في ظل سياسة التقشف التي تتبعها الدولة جراء تراجع أسعار النفط.

ويضيف جحنين: "أسعار السمك عرفت ارتفاعاً ملحوظاً منذ 5 سنوات، ولم تستقر حتى الآن، فالأسعار تتراوح بين 400 إلى 700 دينار جزائري للكليوغرام الواحد بالنسبة للسردين، وتفوق 2000 دينار بالنسبة للأنواع الملكية "الفاخرة".

الأسعار حسب جحنين دائماً قد تتعدى هذه الأسقف بسبب المضاربات وسوء التوزيع على مستوى الموانئ، أضف إلى ذلك عامل فترة الراحة البيولوجية هذه الأشهر، يقلص من حجم العرض على حساب الطلب.


السبب.. بارنوات ومافيا السوق


حسين بلوط رئيس اللجنة الوطنية للصيد البحري، يؤكد أن هناك عصابات وبارونات في سوق الصيد هم من ألهبوا الأسعار، وتسببوا في خلق أزمة كبيرة في مجال الصيد البحري عبر 14 ولاية ساحلية بالجزائر.

هذه المافيا حسب بلوط كانت السبب الأول في طلب اللجنة مقابلة وزير الصيد البحري سابقاً، حيث طالبت بخلق شرطة خاصة بالبحار، وإصدار قانون أساسي للبحارين، والأهم وضع قانون يردع ويحارب الصيد الفوضوي المستفحل بشكل كبير.

هذه العصابات كما سماها حسين كانت سبباً في ارتفاع الأسعار بشكل عشوائي، مما خلق أزمة كبيرة بين الصيادين، وأدى إلى هجر كبير لهذه المهنة من طرف الكثيرين منهم، خاصة في ظل الخسائر المتكررة.

أما المحلل عبد النور جحنين، فيرجع السبب بالإضافة إلى ما قيل إلى عدم صيد كل الكمية المخصصة للجزائر في المياه الإقليمية، لاسيما سمك التونة، ما يمنح الفرصة لاستغلال الأجانب، ليرفع حتماً الأسعار في السوق.

هذه الأسباب أدت إلى انخفاض خطير في إنتاج السمك من 387 ألف إلى 73 ألف طن سنوياً، لتصبح الجزائر في ذيل الترتيب مغاربياً مقارنة بتونس، المغرب وموريتانيا.


حلم الـ200 ألف طن سنويا


سيد أحمد فروخي وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، أكد في جلسة للأسئلة الشفوية بالمجلس الشعبي الوطني، أن الوزارة عمدت إلى انتهاج سياسة شاملة على المدى المتوسط وذلك من خلال مخطط AQUAPECHE الرامي إلى تحسين الصيد، وذلك عبر مضاعفة الإنتاج لبلوغ مستوى 200 ألف طن سنوياً.

وأرجع الوزير أسباب غلاء السمك في الأسواق الجزائرية إلى قانون العرض والطلب موضحاً أن الفارق بين معدل الإنتاج السنوي من هذا المنتوج البحري وبين معدل الطلب عليه يقارب 80 ألف طن.

وشدد الوزير على أن مستوى إنتاج السمك في الجزائر يجب أن يراعى فيه الحفاظ على الثروة السمكية في حوض البحر المتوسط التي تعرف تراجعاً في السنوات الأخيرة.
وفي شرحه لمستويات الإنتاج أفاد فروخي، أن الكميات تختلف حسب الفترات الزمنية في السنة الواحدة بالنظر إلى العوامل البيولوجية، حيث ترتفع بين شهر مايو/آيار، وأكتوبر/تشرين الأول وتنخفض بعدها، وهو ما ألزم القطاع بوضع مخطط لترقية شعب الصيد البحري إلى غاية 2020.