المهاجرون وفساد النخبة يقودان بلدة نمساوية صغيرة لليمين المتطرف.. فهل يحكم "ترامب الصغير" النمسا؟

تم النشر: تم التحديث:
ANNMSA
SOCIAL MEDIA

بإمكان من يرغب في معرفة لمحة سريعة عما يمكن أن يؤول إليه بلد مثل النمسا، بعد الانتخابات الرئاسية التي ستعقد في ختام هذا الأسبوع، فقط أن يزور مدينة فيلس في النمسا العليا.

فتصويت الأغلبية لصالح نوربرت هوفر، المُرشح عن حزب الحرية (FPO) يوم السبت 21 مايو/آذار، لا يواجه فقط الاتحاد الأوروبي لأول مرّة برئيس يميني متطرف، بل بإمكانه أيضاً أن يقود النمسا إلى مسار تصبح فيه دولة ديكتاتورية غير ليبرالية، أقرب للشبه بالمجر في ظل فيكتور أوربان مما عليه الحال بألمانيا في ظل المستشارة أنغيلا ميركل.

وبحسب صحيفة الغارديان البريطانية؛ فإنه بفتح صناديق الاقتراع في النمسا صباح الأحد 22 مايو/أيار 2016، كانت هُناك مخاوف من استخدام هوفر لصلاحيات الرئاسة، وهو المنصب الشرفي بالنسبة لجميع من سبقوه من الوسطيين، للقيام بحل الحكومة وتعيين مستشارٍ من حزبه الذي يتصدر التصويت حالياً، فقد قال هوفر في مناظرة تلفزيونية على نحو يدعو للتشاؤم "ستتفاجأون بما يمكن للرئيس القيام به".

في مدينة فيلس؛ ذات التعداد السكاني الذي يبلغ 60 ألف نسمة، والتي كانت عاصمة البلاد إبان أيام الإمبراطورية الرومانية، أصبح الكابوس الذي يتخوف منه الليبراليون النمساويون، حقيقة واقعة بالفعل.

فالمدينة التي كانت معقلاً للحزب الديمقراطي الاجتماعي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قد انتخبت أول عمدة لها من اليمين هو أندريس ربل، عام2015.

وفي الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي انعقدت في شهر إبريل/نيسان 2016، صوّت نحو 39٪ من سكان المدينة لصالح المُرشح اليميني هوفر، وهو ما يزيد عن النسبة التي أحرزها اليمين من الأصوت على مستوى البلاد ككل بواقع 4%.

رئيس البلدية الجديد للمدينة، أندريس ربل، لديه جاذبية مماثلة لتلك التي عليها المرشح الرئاسي: فهو مفعم بالشباب، ومحام يبلغ من العمر 44 عاماً، ولا يبدو ولا يتحدث مثل مثيري القلاقل الذين سيطروا على الحزب سابقاً بتلك المنطقة، كما أن لديه مجموعة من لوحات الرسام النمساوي هيرمان نيتش، وهو فنان يحاول حزب الحرية اليميني في النمسا السفلى، إغلاق متحف مخصص لعمله.

عندما صعد حزب الحرية أخيراً إلى الساحة، ودخل الحكومة في ظل الزعيم الراحل، يورغ هايدر، عام 2000، كان نفوذه يتأصل في منطقة كارينثيا، في عمق جنوب الريف النمساوي، والآن تحت قيادة الزعيم الحالي، هينز كريستيان شتراخه، وهوفر الذي يعد أحد حلفاء شتراخه المقربين، امتد نفوذ حزب الحرية ليتمكن من الفوز بأصوات الناخبين في أحياء الطبقة العاملة في فيينا، والمناطق البرجوازية مثل وسط مدينة فيلس على حد سواء.


إسرائيل


حاول الحزب التخلص من تاريخه المعادي للسامية، فقام كل من شتراخه وهوفر برحلات متكررة إلى إسرائيل، ليركز على رسالة العداء للإسلام واللاجئين، فيقول شتراخه "الإسلام هو الفاشية الجديدة".

لكن الحزب، حين يكون في السلطة، يتبع قواعد كتاب الإرشادات اليميني التقليدي، ففي مدينة فيلس، حيث تعداد المهاجرين عالٍ مقارنة بأجزاء أخرى من النمسا، طرح ربل "كتاب القيم" لدور الحضانات، وهو قانون ينص على أنه ينبغي على الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 إلى 6 سنوات، أن يستطيعوا إلقاء خمس قصائد باللغة الألمانية وترديد خمس أغنيات ألمانية عن ظهر قلب، على أن يتم تقليص حجم المساعدات الحكومية التي تُقدم للمهاجرين إن رفضوا إرسال أبنائهم إلى هذه الحضانات.

وفي الوقت نفسه، تعهد ربل بتخفيض العجز التشغيلي الذي شهده حكم من سبقوه بالحزب الديمقراطي الاشتراكي، واعداً بتوفير 40 مليون يورو سنوياً، كما شهد مركز Alter Schlachthof -وهو مركز ثقافي مرفق بنادي للشباب وورش عمل للنساء، وتستخدمه الأقليات في المدينة- تخفيضاً لميزانيته بنحو 10%، ما يعني تقليص العمالة بواقع واحد من كل ثمانية عمال.

كما يصعب تفويت إنجازه الداعي الذي يفخر به، فقد تم نقل مهرجان مايو/أيار السنوي من موقعه السابق بركن يقع جانب قاعة البلدة ليصير في وسط ساحتها الرئيسية. وشهد تنصيبه احتفالاً شمل عروضاً للرقص قدمها فنانون بالأزياء التقليدية.


صبي ترامب الصغير


ويُعزى صعود اليمين الشعبوي عالمياً –من دونالد ترامب بأميركا، مروراً بمارين لوبان بفرنسا، وصولاً إلى حملة بريكست ببريطانيا- إلى الخوف من العولمة وتجلياتها من حراك المهاجرين وصولاً إلى زيادة الافتقار إلى الأمان الوظيفي.

ففي المناظرة السياسية التي أقيمت في مسرح بورغ في فيينا، الثلاثاء 17 مايو/أيار2016، قالت الصحفية باربرا كودينهوف كاليرجي "نحن الفنانين فقط استفدنا من العولمة، أما الكهربائي الذي يقلق بأن يستولي أفغاني أو سوري على وظيفته، فقد يكون محقاً في وجهة نظر".

لكن زيارة إلى فيلس تكشف أن الإحباط إزاء النظام السياسي المتحجر والفاسد، قد يكون أيضاً عاملاً هاماً؛ ففي فبراير/شباط 2015، تبين أن أمين الصندوق في ويلدورادو، وهو مقر حوض سباحة وساونا تابع للبلدية، كان يختلس أموالاً لمدة ثماني سنوات، وفي غضون بضعة أشهر؛ ارتفعت الخسائر المادية من 10 آلاف يورو، إلى أكثر من 370 ألف يورو.

وفي بلدة صغيرة مثل فيلس، لم يستغرق الأمر طويلاً لتتبع امتداد جذور الفضيحة إلى الحزب الحاكم؛ فقد تبين أن مدير أمين الصندوق هو شقيق هيرمان فيمر، مرشح الحزب الاشتراكي الديمقراطي بانتخابات البلدية لعام 2015، وهو الحزب الذي كان قد فاز بنسبة 60٪ من الأصوات في عام 2003، انخفضت شعبيته إلى 27٪ من الأصوات في الانتخابات الأخيرة.

وانعكس الإحساس بالركود على المستوى الوطني، حيث حكم الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الذي يمثل يسار الوسط) وحزب الشعب النمساوي (الذي يمثل يمين الوسط) في تحالف كبير حكم 24 عاماً من أصل الثلاثين عاماً الماضية.

فإذا كان معدل عضوية الحزب في النمسا ما يقرب من أربعة أضعاف المعدل الأوروبي، فالسبب في ذلك يرجع جزئياً إلى أن معظم وظائف القطاع العام لا تبدو مُتاحة لأي شخص لا يملك بطاقة عضوية في إحدى المجموعات السياسية الكبيرة.

والمستشار الجديد كريستيان كيرن، الذي تولى منصبه بعدما أجبر الأداء الكارثي للحزب الديمقراطي الاجتماعي في ​​الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية فيرنر فايمان على الاستقالة، يهب العديد من لليبراليين الأمل في إمكانية أن تستعيد الحركة الديمقراطية الاجتماعية حيويتها. ومع ذلك فإن كيرن، الذي تولى إدارة شركة السكك الحديدية الاتحادية، ولم يكن قد شغل في السابق منصباً وزارياً، يوفر هدفاً سهلاً لهؤلاء الذين يعتقدون أن السياسة النمساوية باقية في حالة اضطراب.


عاقبوا النخبة


خلال الاستمتاع بضوء الشمس بحديقة فندق جوسر بمدينة فيلس، يقول المتقاعد أنطون روزينجر، إنه كان دائماً مُناصراً للحزب الاشتراكي الديمقراطي، ولكنه شعر أن الحزب يجب أن يُعاقب على عدم كفاءته، وتقول زوجته إنها صوتت لصالح حزب الحرية لأنها تريد أن ترى الأمور تسير على نحو مغاير.

وأضافت "أعرف أنها من المحتمل ألا تؤول إلى ذلك، ولكن عليّ المحاولة".

ويقول روزينجر "إن تولي هوفر وشتراخه للمناصب لن يكون نهاية العالم؛ ففي أميركا، لا يتم حظر النازيين الحقيقيين الذين بإمكانك إيجادهم في هذه الأيام. وهنا، يُعد ذلك المشهد محدوداً جداً فربما يتواجد الصليب المعقوف هنا وهناك. ولكن النمسا هو بلد صغير، وبالمقارنة مع ترامب، يُعد شتراخه صبياً صغيراً".


بريطانيا تأخذ كل الامتيازات


وهو لا يتفق مع أولئك المعادين للاجئين، لكنه يشكو من بلدان مثل بريطانيا أو بولندا، ويقول عنها إنها "ترغب في الحصول على جميع الامتيازات من الاتحاد الأوروبي، ولكنها لا ترغب في فعل أي شيء بشأن أعبائه الثقيلة".

ففي الفترة بين سبتمبر/أيلول 2015، ويناير/كانون الثاني 2016، مر حوالي 40 ألف لاجئ بالمدينة، ومع ذلك تم إيواء 450 شخصاً فقط من طالبي اللجوء بأنحاء المدينة وما حولها.

وعلى الرغم من أن الأعداد قد انخفضت عما كانت عليه منذ إغلاق طريق البلقان بناءً على مبادرة من وزير الخارجية النمساوي، سيباستيان كورتس، إلا أن هناك خططاً لبناء مجمع جديد يضم نحو 300 طالب لجوء في موقع ثكنة عسكرية قديمة على مشارف البلدة.

كان ربل قد هدد بمسيرة احتجاجية على الطريق السريع لمنع وصولهم. الأمر الذي يعقب عليه روزينجر قائلاً "كثير من الناس في النمسا نسوا أن أجدادهم كانوا لاجئين أيضاً ذات يوم".


الأتراك احتلوا النمسا


المزاج العام أقل تسامحاً على بعد بضعة شوارع. فقد كانت هُناك مجموعة من الرجال في الأربعينات من أعمارهم يجتمعون بالهواء الطلق في وسط المدينة يتناولون النبيذ الأبيض، ويدينون الحكومة التي قالوا إنها "تستخف بنا جميعاً"، فالضرائب وأسعار الوقود وأجور القطاع العام والهجرة كلها مرتفعة للغاية.

وأضافوا "يتوافد كل هؤلاء الفئران إلى بلادنا، هم لا يرغبون في العمل؛ هم فقط يرغبون في الاغتصاب، البعض منهم يريد الاندماج ولكنهم أقلية، وتلك هي المشكلة".

ويروق لهم ما يفعله ربل رئيس البلدية اليميني منذ توليه منصبه، كما يعلقون آمالاً مرتفعة على هوفر، الذي وضعه أحدث استطلاعات الرأي في مكانة أعلى بفارق ضئيل من منافسه الكسندر فان دير بيلين، وهو أكاديمي ومتحدث سابق باسم حزب الخضر ويخوض الانتخابات كمستقل.

وخوفهم الوحيد هو أن النمساويين قد لا يكونون بالقدر الكافي من الشجاعة للتنفيس عن غضبهم بصناديق الاقتراع. فقالوا "نحن بلد الجبناء؛ فالإنجليز على الأقل يعرفون كيف يدافعون عن أنفسهم باستفتائهم، أما نحن فليس لدينا تلك القوة. في فيينا، نحن النمساويين هزمنا الأتراك عام 1683، ولكن الأتراك الآن يحكمون فيينا كما لو كانت ملكهم".

ورفض جميع هؤلاء الرجال ذكر أسمائهم، حرصاً على أعمالهم. ومع ذلك، قال واحد منهم إنه منذ أن تولى حزب الحرية للإدارة في فيلس، صار من الأسهل قول مثل هذه الأشياء بصوت عال.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، يرجى الضغط هنا.