اللاجئون السوريّون ينقذون مدينة سويدية من الموت.. كيف هزمت الفلافل النقانق؟

تم النشر: تم التحديث:
SWRYA
social media

المهاجرون الفارّون من الحرب في الشرق الأوسط، يمنحون مالمو، ثالث أكبر مدينة سويدية، ثقافةً نابضةً بالحياة وينعشون تجارتها بعد أن كادت تموت اقتصاديا.

حين صعد فيصل أبو قرى إلى متن قطار مدينة مالمو السويدية عام 2015، كان شديد الإنهاك من أثر رحلته الطويلة بالقارب والقطار، مثل أي لاجئ آخر فرّ من الحرب الأهلية الفظيعة في سوريا.. وفقاً لتقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية.

لم تمضِ سوى بضعة أشهر، حتى امتلأ شارع التسوق الرئيسي لمدينة مالمو بأصوات مزمار القربة السورية، والطبول والرقص، وهي مظاهر جلبها فيصل معه. كان افتتاح مطعمه الجديد "ياسمين الشام"، هو العلامة الأكثر بروزاً على التدفق غير المتوقع للمال السوري إلى مدينة مالمو.

لقد قام أبو قرى وشركاؤه باستثمار خمسة ملايين كرون سويدي، لتحويل ما كان فيما مضى محل بيتزا صغير، إلى محل مماثل كبير باسم المنزل الدمشقي. إنّه أحد خمسة مطاعم سوريّة تمّ افتتاحها في أقلّ من عام.


يشترون كل شيء


وفقا لإبراهيم، وهو حلّاق ويعمل في نادي نهاوند لتدخين الشيشة، وهو ملتقى رجال الأعمال العرب الذي تمّ إنشاؤه في المدينة "يقول بعض النّاس بأنّ السوريّين قد جاءوا إلى هنا ويرغبون في شراء كل شيء".

أما ماهر الخطيب فيقول "يرغب الكثير من السوريين في نقل أموالهم إلى السويد، إنني على صلة بأشخاصٍ في دولة الإمارات، طلبوا مني إيجاد مشروعٍ مناسبٍ لهم يمكننا من استثمار المال"، فـ ماهر من دمشق وقام بافتتاح مطعم عام 2015.

لقد كانت عائلة أبو قرى تمتلك أربعة مصانع في حمص، وتقوم بتصدير المناديل الورقية إلى جميع أنحاء العالم العربي. يقول محمد وهو أحد أفراد العائلة "لقد خسرنا ملايين الدولارات والعديد من الممتلكات في سوريا".

في نادي نهاوند لتدخين الشيشة، يجلس رجال الأعمال مع أصدقائهم وزوجاتهم وعائلاتهم، تحت زخارف ولوحات زيتية لملوك العصر العثماني، يحتسون العصير الطازج، ويستمعون إلى مغنية الملهى التي تتنقل بين الأغاني العاطفية والحزينة والصاخبة.

من بين أعضائها بعض أكبر قصص النجاح للعرب المهاجرين إلى المدينة. يمتلك الآن نحو 43% من سكّان مالمو البالغ عددهم 317,000 نسمة أصولاً أجنبية، مع وجود 40,000 مواطن عراقيّ المولد وأحفادهم الذين يشكّلون أكبر كتلة من المهاجرين في المدينة.

لقد ساهموا معاً في تحوّل المدينة التي أصابها ركودٌ عميق إثر انهيار صناعة بناء السفن في أوائل ثمانينات القرن العشرين، حين حزم واحد من كلّ سبعة أشخاص من السكّان حقائبهم مغادرين البلاد، لينخفض عدد السكّان حينها إلى 230,000 نسمة.

يقول كريستر هافانج صاحب المقهى الذي يقع بجوار صالون إبراهيم "لقد كانت مدينة مالمو في التسعينات مدينةً بائسة، وكان الجميع محبطاً".

خلق الوافدون الجدد مركزاً جديداً للمدينة حول ساحة موليفانج، مع سوق الخضار المزدحم، ومحلّات بيع البضائع الإيرانية والعراقية واللبنانية. يقول جاسم المضفر وهو مواطنٌ عراقيّ عمل لـ14 عاماً في أحد البنوك المملوكة للدولة، التي تعطي القروض للمهاجرين لبدء أعمالهم التجاريّة، يقول "لقد تغيّرت مالمو كلياً. حين جئتُ إلى السويد، لم يكن ثمّة أحدٌ يبيع الفلافل، لم يكن يوجد سوى النقانق والهامبرغر. أمّا الآن فبالكاد تجد من يبيع النقانق، بينما يوجد 50 أو 60 مطعماً للفلافل".


إحصاءات مروعة


لكن الإحصائيات مروعة. إذ يشكل معدل البطالة في مالمو، بين الرجال المولودين في الخارج ممن تتراوح أعمارهم بين الـ16 والـ64 عامًا، 30 في المائة مقارنةً بـ8% من السكان الأصليين. أمّا المولودون بالخارج الذين تتراوح أعمارهم بين الـ18 والـ24 فنسبتهم 41 بالمائة. كما كان متوسط الدخل السنوي في عام 2014 للمواطنين الذين ولدوا في العراق 53,000 كرون سويدي، مقارنةً بـ285،000 كرون لمواطني السويد الأصليين، وذلك طبقاً لإحصائيات السويد.

أمّا جاسم المضفر فيشكك في هذه الإحصائية، ويشير إلى أنّ معظم الذين قام بدعمهم على مدى 14 عام امتلكوا شركات كبرى من لا شيء.

جريغ دينجيزيان، وهو مطوّر عقاري من أغنى الرجال في مالمو، انتقل منذ طفولته من بغداد إلى السويد يرى أن المسجلين رسمياً كعاطلين، لديهم وظائف في السوق السوداء، بينما العديد من أصحاب الأعمال يعطون تقارير خاطئة عن حجم مكاسبهم لتجنب الضرائب السويدية العقابية.

ويؤكد المضفر أن النمو الاقتصادي للمهاجرين يزداد، وهو متفائلٌ خاصة بالنسبة لأولئك الجدد القادمين حديثًا من سوريا. يقول: إنهم مختلفون قليلاً ولديهم الكثير من الطموح. إنّهم يريدون فعل شيء ذي قيمة في السويد، في غضون بضعة أشهرٍ فقط.

لقد قام بتمويل أكثر من 50 شركة سورية جديدة، ويجري المحادثات لتمويل مئاتٍ آخرين. هناك امرأة ترغب في إنشاء مصنع لصنع الجبن السوري. كما أنّ هناك الخبّازين وصنّاع الحلوى وأطباء الأسنان والاستشاريين وشركات البناء وبستاني السوق الذي يخطط لزراعة الخضراوات السورية تحت الزجاج، حتى أنّ هناك محلًّا لبيع العود وهو من أجود أنواع العطور العربية.


الشيشة


مهيمن سليم، وهو عراقي يبلغ من العمر 22 عاماً، أطلق محل "مرحبا" بالشيشة في أكتوبر/تشرين الأول 2015، المحل الذي تتنقل عرباته المعبأة التي تفوح منها عبق التبغ في جميع أرجاء المدينة. كما أنّ لديه صفحة مزدهرة على فيسبوك يدير عمله من خلالها.

صباح أكّو إحدى عميلات المضفر بالبنك، التي افتتحت مع ابنتها سلمى مطعماً صغيراً بالقرب من موليفانج، تقول ضاحكة: لقد شاهدتُ من قبل ازدهار المطاعم في مصر، فبمجرد وصول السوريين إلى مصر بدأت المطاعم والمخابز بالازدهار.

لقد كانت أكّو مديرة تسويق لواحدة من أكبر شركات الغزل والنسيج في حلب حتى وقت اندلاع الحرب، لكنّها فرّت هاربة إلى مصر تاركةً وراءها كل شيء. لقد حصلت على المال الذي افتتحت به المطعم من ابنها، وهو عالم في جامعة ماينز في ألمانيا.

تقول صباح: ستلاحظ أنّ الشعب السوري يختلف كثيراً عن باقي الشعوب، لأنّه يحبّ العمل، ولا يحب أخذ شيء من الحكومة.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، يرجى الضغط هنا.