هل يزيد حادث الطائرة من عمق الأزمة المصرية؟.. كارثة ضربت أسراً فرَّقها الوضع الاقتصادي

تم النشر: تم التحديث:
MSR
SOCIAL MEDIA

مرت 4 سنوات مذ ودع فرج دياب عائلته ليذهب للعمل في المملكة العربية السعودية، وكان يتطلع إلى زفاف يعود ليشهده مع العائلة هذا الشهر. ولكن ابنه محمد كان قد وجد وظيفة أقرب للأسرة، فقد عُين حارس أمن على خطوط الطيران المصرية "مصر للطيران"، وأُسندت إليه مسؤولية الأمن في الرحلة رقم MS804 من باريس مساء الأربعاء 18 مايو/أيار 2016 .

هرع دياب إلى مصر الأسبوع الماضي، ولكن ليس ليحتفل بالزفاف كما كان مقرراً، ولكن ليترقب أي أنباء عن الطائرة المفقودة التي كان محمد على متنها، ثم ليبدأ رحلة الحزن على ابنه. أما عن والدة محمد دياب، فهي ترفض الاعتراف بوفاته قبل العثور على جثته.

يقول وائل دياب، ابن عم محمد "والده انهار في المطار. العائلة كلها في حالة صدمة. الأب لا يتوقف عن البكاء والأم تجلس بجوار سرير محمد تنتظر عودته”.

لقد تفرقت العائلة بسبب الأزمة الاقتصادية التي تسببت بها الاضطرابات التي تشهدها مصر. بالرغم من عمل والد محمد وأخيه في السعودية، إلا أنهم لم يتمكنوا من ادخار ما يكفي حتى لتكاليف الزيارة، والده فقط تمكن من السفر إلى مصر لتلقي العزاء بحسب تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية.


حكايات الهجرة


نصف من قتلوا في الطائرة تقريباً كانوا من المصريين، معظمهم من الشباب الذين اضطرتهم الظروف للسفر للبحث عن عمل في الخارج، وتفرق أفراد أسرهم بسبب تلك الهجرة.
تخبرنا حكاياتهم عن الاقتصاد الذي تدهور بسبب عقود من الفساد وسوء الإدارة، وكذلك اضطرابات ما بعد الثورة التي أنهت حكم مبارك، بعد 30 عاماً قضاها على رأس السلطة، وذلك في يناير/كانون الثاني 2011.

كانت السياحة، مصدر رزق الملايين، وهي الخاسر الأكبر في هذه المرحلة، ويخشى المصريون أن تزداد الأزمة جراء هذه الحادثة، حتى قبل أن تسفر التحقيقات عن سببها. يقول إبراهيم الغيطاني، الباحث في المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة، "حادث الطائرة سيزيد الوضع سوءاً، فهو يثير الكثير من الشكوك حول الوضع الأمني في مصر، مما سيؤثر على السياحة”.

لكن مهنة محمد دياب، حارس الأمن، تظل من المهن القليلة المزدهرة في دولة تملأها الاضطرابات. فرحت أسرته حين حصل محمد على الوظيفة منذ أربع سنوات، فقد عنى ذلك بقائه معهم في القاهرة.

بينما يستمر عدد السياح الوافدين إلى مصر في الانخفاض، وسط توقعات الخبراء بصعوبة عودة السياحة لوضعها قبل عام 2010 لسنوات عديدة.

يقول محمد، بائع سابق بمركز بلو واتر في كنت، "عدد السياح قل كثيراً بعد الثورة”. بالكاد يكسب محمد عيشه الآن من العمل كمرشد سياحي بجوار الأهرام.

تتسبب عدة مخاوف في إحجام السياح عن زيارة مصر، منها حوادث الطائرات، وأعمال الشغب وقتل عدة سياح من المكسيك على يد أفراد من الجيش المصري، وكذلك مقتل الطالب الإيطالي ريجيني بعد أن احتجزته الشرطة.


300 مليون دولار خسائر


كل هذا يمثل تهديداً للاقتصاد المصري، كما يقول الخبراء. وقد انعكست تلك المخاوف فوراً على البورصة المصرية، التي خسرت 300 مليون دولار من قيمتها في انخفاض حاد يوم الخميس، آخر يوم في الأسبوع للتعامل في البورصة المصرية.

وقد حذر المسلحون المتطرفون الذين أعلنوا الحرب على الدولة المصرية، أنهم يعتزمون تدمير الاقتصاد وكذلك نشر الرعب بهجماتهم، التي كان آخرها اسقاط الطائرة الروسية في أكتوبر/تشرين الأول 2015، عن طريق تهريب جهاز صغير داخل علبة معدنية.

ويقول زاك غولد، الخبير في شؤون المجموعات المسلحة، وزميل مركز رفيق الحريري التابع للمجلس الأطلسي في الشرق الأوسط، "لقد أعلنت داعش والجماعات التي سبقتها الحرب الاقتصادية على الدولة المصرية منذ 2013”.

ولم يكن تعامل أجهزة الدولة مع الأزمات السابقة مطمئناً للمصريين، ولا لمن يفكر في زيارة مصر، فلم يشعروا بأن الحكومة تكثف جهودها لحمايتهم.

لقد استغرق إعلان الحكومة عن سبب إسقاط الطائرة الروسية أربعة أشهر. أما بالنسبة لحادث الخميس19 مايو/أيار 2016، فقد سارعت الحكومة باعتباره عملاً إرهابياً.

يقول إيهاب الهواري، أحد أقارب ناصر حمدي حماد، 45 عاماً، ووالد لخمسة أطفال كان على متن الطائرة المنكوبة، "كل أفراد عائلتنا ذهبوا إلى المطار ولم يطلعنا أي من المسؤولين على أي شيء. لم نحصل على أي تفسير ولم نعلم ماذا حدث له. نحن نطالب فقط بمعرفة حقيقة ما حدث، ما سبب سقوط الطائرة؟".

وقد أكد هذا الأمر أقارب الضحايا الآخرين الذين يعانون من الألم والحزن، ولم يتمكنوا حتى من دفن جثامين ذويهم.

لا يوجد تفسير للحادث حتى الآن. تشير بيانات الرحلة إلى أن بعض أجزاء الطائرة المنكوبة كانت تمتلئ بالدخان قبل اختفائها من شاشات الرادار، ولم يسفر العثور على بعض قطع الطائرة والأمتعة التي وجدت في مكان الحادث عن أي معلومات.

ربما يستغرق الأمر أسابيع أو حتى أشهراً، قبل أن يحصل المحققون على بيانات الصندوق الأسود التي تمكنهم من توضيح ما حدث. فموقع سقوط الطائرة يذكر برحلة البحث عن بقايا طائرة إيرفرانس التي سقطت في الأطلنطي في 2009، والتي استغرقت عامين.

ويقول الخبراء إن عدم إعلان أي من الجماعات الإرهابية مسؤوليتها عن الحادث يعتبر تحولاً في أسلوبها.

ويرى زاك غولد "إن كان هذا حادثاً إرهابياً، فمن الغريب أن أحداً لم يعلن مسؤوليته عنه "مذكراً بأن داعش أعلنت مسؤوليتها عن سقوط الطائرة الروسية بعد الحادث بساعات.


مطار شارل ديغول


وإذا ما كان حادثاً إرهابياً بالفعل، فيجب أن تتم مساءلة أمن مطار شارل دي غول في باريس، الذي انطلقت منه الطائرة المصرية.

يقول زاك غولد، "إذا اعتقد السياح أن الطائرات المتجهة إلى مصر مستهدفة، فسوف يختارون وجهات أخرى لقضاء عطلاتهم".

ويعتبر الحادث ضربة قاصمة للعاملين في مجال السياحة، الذين عانوا في السنوات القليلة الماضية، والذين استشرفوا بصيصاً من الأمل بعد حديث روسيا عن استئناف رحلاتها إلى شرم الشيخ، الذي انطلقت منه الطائرة الروسية المنكوبة Metrojet 9268 التي انفجرت في أكتوبر/تشرين الأول 2015، وذلك بعد تطوير نظام الأمن في مطار شرم الشيخ.

ويضيف غولد، "بعد هذا الحادث سيتردد الناس في قرار السفر إلى مصر، وذلك لارتباط السياحة بالطيران".

كانت حادثة الطائرة الروسية Metrojet 9268 قد دفعت بريطانيا وروسيا على إيقاف رحلاتها إلى شبه جزيرة سيناء بسبب المخاوف الأمنية. وقد أصاب هذا القرار السياحة في سيناء في مقتل، لاعتمادها أساساً على سياح هاتين الدولتين.

يقول رامي يسري، مالك مركز غوص في شرم الشيخ، "لا يمكن أن يزداد الأمر سوءاً. فقد فقدنا نحو 80% من دخلنا. ونحن نعاني بشدة”.

وتعتبر نسبة البطالة في مصر مرتفعة أصلاً، خاصة بين الشباب، وكل كارثة جديدة تزيد من عمق الأزمة. يتفرق شمل الأسر بسبب رحلة البحث عن العمل التي تأخذ المصريين إلى الخارج، ويبقى الذين يعانون من البطالة أكثر عرضة لانتهاج التطرف.


رحيل الأحفاد


في قرية بالقرب من دلتا النيل، تسكب أمٌ دموع الحزن على ولدها هيثم وحفيدتها اللذين كانا على متن الطائرة المنكوبة. كما يحزنها أيضاً أن حفيدتها الأخرى وحفيدها الذي لم يولد بعد ستنقطع صلتها بهما، فهما يعيشان في فرنسا مع أمهم المغربية التي لا توجد بينها وبينهم أي صلة، فسيصبح أحفادها الباقون مواطنين فرنسيين.

يقول حسن ديدح، أحد أقارب المتوفى، "لا نتوقع منهم القدوم للعيش في مصر، ولكن نرجو أن يُسمح لجدهم وجدتهم بزيارتهم في فرنسا"

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، يرجى الضغط هنا.