"لا حقوق لهم" في بلد أمهاتهم.. أبناء الليبيات المتزوجات من أجانب يعانون من التهميش

تم النشر: تم التحديث:
LYBYA
ليبيا | social media

يعاني أبناء الليبيات المتزوجات من أجانب، خاصة المقيمين منهم في ليبيا، من انعدام الحقوق التي من المفترض أن يتحصلوا عليها كونهم ولدوا في ليبيا.

ورغم صدور القوانين التي تُقِرُّ بحصولهم على حقوق المواطنة، إلا أن هذه القوانين لم تُفعَّل حتى الآن، والتي كان آخرها المادة (11) من القانون (24) التي أجازت منح الجنسية لهم.


معاناة حقيقية


حكمات الكميشي، مديرة الموارد البشرية في شركة الأجنحة للطيران وناشطة اجتماعية وعضو بارز في جمعيات مجتمع مدني ليبية، متزوجة من لبناني، وأم لثلاثة أولاد، تشتكي خلال حديثها مع "هافينغتون بوست عربي" من حرمان أولادها من أبسط الحقوق، المتمثلة في التعليم والعلاج، وعدم حصولهم على إقامة دائمة، وعدم السماح لأبنائها بالعمل في المصالح الحكومية.

واتهمت الكميشي مصلحة الأحوال الشخصية، ووزارة الداخلية، وإدارة الجوازات والجنسية، بحرمان أبنائها من الحد الأدنى من الحقوق الموجودة في أي مجتمع، حتى بعد صدور قرار من إدارة الجنسية سنة 2010 ينص على جملة من الحقوق لهم وصدور لائحة تنفيذية لهذا القرار.

وأوضحت الكميشي انزعاجها من نظرة المجتمع لأبنائها، وطريقة تعامل الجهات الرسمية في الدولة مع حقوقهم التي كان يجب أن يحصلوا عليها؛ لكون الأم تعد حاضنة أكثر من الأب، سواء في العادات أو التقاليد أو الدين أو التربية والأخلاق.


شكاوى متكررة


وذكر رئيس قسم التحقيقات بمكتب النائب العام "الصديق الصور" لـ"هافينغتون بوست عربي" أن مكاتبهم استقبلت العديد من الشكاوى حول المشاكل التي يعانيها أبناء الليبيات المتزوجات بأجانب من حرمان للحقوق.

وأوضح أن هذه المشاكل لن تنتهي إلا بعد صدور الدستور وإقراره، وبذلك تكون حقوقهم أمراً محسوماً وغير قابل للشكوى، وهذا ما سيجعل الأمور أقل تعقيداً بعد أن يعرف كل ماله وما عليه.


ولادة ميتة


وتأسفت الكميشي لصدور قرار محكمة مدينة البيضاء في التاسع من هذا الشهر، الذي يقضي بوقف تنفيذ قرارات هيئة صياغة مشروع الدستور، وبطلان التصويت حول المسودة التي صوت عليها أقل من ثلثي أعضاء هيئة الدستور؛ لأن المسودة تحوي حقوقاً متكاملة لأبناء الليبيات الأجانب، وهو ما سيؤخر حصولهم على هذه الحقوق.

وبرّر عضو هيئة صياغة الدستور والناطق الرسمي للهيئة، الصديق الدرسي، تأخر صدور مسودة الدستور بعدم صحة الجلسات الأخيرة التي وقع التصويت فيها عليها والتي أقر القضاء بعدم شرعيتها، ومن ثم بطلان جميع ما أُقر فيها.

lybya

وأضاف الدرسي خلال حديثه لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن مشروع الدستور أقر حقوقاً لأبناء الليبيات المتزوجات بالأجانب وأن هذه الحقوق تحتاج إلى كثير من الضبط.

وأضاف أنهم لا يعارضون أن يتمتع أبناء الليبيات المتزوجات بأجانب بحقوق مثل الجنسية، ولكن لا بد من وجود ضوابط وشروط تضمن عدم الإخلال بقوانين الدولة أو بالنسيج الاجتماعي الليبي، مثل: اشتراط مدة معينة لعقد الزواج، أو إقامة الزوج في ليبيا أكثر من 10 سنوات، أو إسلام الزوج، وعدم توفر مثل هذه الشروط يُضر بالخصوصية الليبية.


حبرٌ على ورق


ويرى الخبير القانوني محمد بارة، أن مسودة الدستور في حكم العدم؛ لأنها غير رسمية، حتى وإن ذكرت حقوقاً لأبناء الليبيات المتزوجات بالأجانب، إلى أن تعتمد اعتماداً كاملاً من جميع الجهات الرسمية، من هيئة دستور وبرلمان ورئاسة.

ونبه بارة خلال تصريح لـ"هافينغتون بوست عربي" إلى أن القوانين المعمول بها في الدولة الليبية هي القوانين واللوائح السابقة التي أقرها النظام السابق، وعدلها الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الانتقالي سنة 2011، والذي تنص المادة (6) منه على أن الليبيين سواء أمام القانون، ومتساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية، وفي تكافؤ الفرص، وفيما عليهم من الواجبات والمسؤوليات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدِّين أو المذهب أو اللغة أو الثروة أو الجنس أو النسب أو الآراء السياسية أو الوضع الاجتماعي أو الانتماء القبلي أو الجهوي أو الأسري.

وأوضح بارة، أن هذه المواد وغيرها منحتهم حقوقاً، كان آخرها التسوية بينهم وبين المواطنين في منحة الأولاد التي تمنحها الدولة، وإعفائهم من رسوم الدراسة والعلاج، وبعض الحقوق الأخرى، ولكن الذي يبدو أن الأزمة سببها عدم تطبيق هذه القوانين.


آراء مختلفة


في حين رأى رئيس محكمة غريان الابتدائية القاضي محمد عبد النور، أن أبناء الليبيات المتزوجات بأجانب يُعاملون معاملة الأجانب، من حيث الإجراءات والعقوبات والأحوال المدنية والشخصية وحرية التملك وكل ما يترتب على المواطنة، ولا توجد أي ميزة لهم.

وأضاف عبد النور أن هناك فريقاً من القانونيين ومنظمات حقوق الإنسان يتعاطف مع هذه الشريحة؛ بسبب ما يتعرضون له في ليبيا من تمييز، خاصة منهم أولئك الذين ولدوا في ليبيا وأمضوا أعمارهم فيها، وكذلك أبناء الطبقة الكادحة والفقيرة، متأسفاً على الحالة المعيشية التي يعيشونها كونهم يعاملون بالنظر إلى جنسية آبائهم لا إلى جنسية أمهاتهم ولا إلى إمضائهم سنين طويلة في ليبيا.

ويضيف عبد النور لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن الطرف الآخر وهو المعارض لمنح هذه الحقوق ويمثله قانونيون وإدارات في الدولة، يرون أنه في حال منح الحقوق لأبناء الليبيات المتزوجات بأجانب، فإن هذا سيزيد من زواج الأجانب بالليبيات، وهذا سيؤثر على تركيبة السكان في ليبيا.

كذلك يرى عبد النور، أن أغلب الحالات التي سجلت في المحاكم انتهت بطلاق، كون أغلب الأجانب يتزوجون الليبيات للحصول على مصالحهم الشخصية عند الزواج، وهو ما سبب أزمة حقيقية لكثير من الليبيات.

وطالب عبد النور السلطات الليبية بأن تنظر للأمر نظرة معتدلة، وذلك بأن تضع شروطاً وقيوداً على منح الحقوق حتى لا تستمر معاناة الأمهات وأبنائهن، وتعطى لهم حقوقهم دون إخلال بتركيبة المجتمع أو دينه أو عاداته وتقاليده.