اختبؤوا 11 ساعة في صهريج ماء وغارة روسية أنقذتهم.. هكذا هربت عائلة سوريّة مع أطفالها من داعش!

تم النشر: تم التحديث:
KHALIL ASHAWI
A civil defence member walks near burning tyres as protesters block Damascus-Aleppo highway during a protest against rising oil prices in the rebel-controlled area of Maaret al-Numan town in Idlib province, Syria May 19, 2016. REUTERS/Khalil Ashawi | Khalil Ashawi / Reuters

"سبعة من أطفال أخي وضعتهم داخل صهريج للمياه حتى عبرنا من أمام آخر حاجز لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في ريف حلب الشرقي". هكذا استطاع حمزة (28) عاماً أن يهرّب ما تبقى من أفراد عائلته في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في سوريا.

"هافينغتون بوست عربي" تعتذر عن ذكر اسم الشخص كاملاً بناء على طلبه وحرصاً على سلامته وأمنه.

بدأت رحلة حمزة في النزوح من بلدة مهين في ريف حمص الجنوبي الشرقي مع سيطرة "داعش" على البلدة في أوائل شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، بعد معارك طاحنة بدأها التنظيم بعربتين مفخختين دخل بعدها البلدة وتراجعت قوات نظام الأسد إلى أطراف بلدة صدد والتي تبعد ما يقارب 15 كم عن طريق دمشق حلب الدولي.

تشير الإحصائيات الرسمية للنظام السوري أن عدد سكان مدينة مهين بلغ في العام 2011 قرابة 20 ألف شخص، لكن هؤلاء جميعم فروا بعد سيطرة التنظيم على البلدة. رغم استعادة النظام السيطرة عليها بعد شهر، ولكن لم يعد لها أحد.

حمزة وعائلته المؤلفة من أولاد أخوته وزوجاتهم وعددهم 9 أفراد، اتجهوا إلى القريتين في أطراف البادية حيث يسيطر التنظيم على البلدة منذ أغسطس/ آب/ من العام الماضي، لكن الإقامة لم تدم طويلاً حيث شنت الطائرات الروسية غارات على مركز لبيع الخبز راح ضحيتها العشرات من القتلى المدنيين في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني أي بعد عشرة أيام من سيطرة التنظيم على مهين، بحسب ما يقول حمزة: لم يعد بإمكاننا أن نبقى في القريتين فعدد الضحايا كان كبيراً والخوف سيطر علينا من هذا الهجوم الكبير.


خيمة من صنع أيدينا


فرّ الآلاف من البلدة بعد سيطرة التنظيم عليها وبدء الحملة الجوية على سوريا، حيث نفذت الطائرات الحربية الروسية عشرات الغارات عليها.

أغلبهم لم يكن لديهم أي مقومات للسفر حيث هاموا على وجوههم في الصحراء منهم من لم يستطع تحمل تكلفة النقل والتي تبلغ 200 ألف ليرة سورية، يقول حمزة: كان الأقرب لنا القريتين ولكن بعد مجزرة مركز الخبز توجهنا إلى مدينة المنصورة في ريف الرقة الغربي.

كانت المنصورة إحدى المحطات التي لجأ إليها حمزة حيث سكن هو وأفراد عائلته في بيت صغير ولكن أواخر العام 2015 اضطر أن يخرج من البيت لأسباب مادية وأمنية حيث الطائرات الحربية الروسية وطيران التحالف مازال يستهدف مناطق نفوذ تنظيم "داعش".

يقول: هذه الخيمة التي أسكنها الأن صنعناها بأيدينا من أكياس الخيش كانت العون لنا في رحلتنا التي استمرت ثلاثة أشهر، خيمة حمزة وأخوته عبارة عن أكياس "خيش" يملأها الفلاح بمحصوله من القمح أو الشعير، ولكن كانت لها فائدة أخرى حيث أصبحت خيمة حمزة المتنقلة التي يستر بها أفراد عائلته في البراري.

في تلك الخيمة يقطن الآن ما يقارب من عشرة أفراد، هم حمزة وأخوته وأبناؤهم بالإضافة إلى عدد من الخيام المشابهة لأولاد عمومته، الذين سبقوه في القدوم إلى قرية دير حسان في شمال محافظة إدلب، لم يكن القدوم إلى هنا أمراً سهلاً، فتنظيم داعش أصدر قراراً بمنع خروج العائلات من مناطق سيطرته تحت طائلة العقاب لمن يخالف القرار، أقلق القرار حمزة الذي كان ينوي أن يعبر مناطق داعش متجهاً إلى حلب وبعدها إدلب.


قوانين على الخيام


لم يكن العيش في مدينة المنصورة في ريف الرقة بالأمر السهل أيضاً، حيث عناصر التنظيم منتشرون بكثرة ويشددون الإجراءات التي فرضوها على السكان.

يجلس حمزة أمام خيمته يراقب القادمين باتجاهها، خوفاً من "الحسبة التي قد تأتي في أي لحظة، لأنهم قد يعاقبونه من عدم لبس نساء أخيه للنقاب داخل الخيمة كونها مكشوفة على الخارج كما أخبره أحد عناصر التنظيم في إحدى المرات.

"لم يعلموا أنهن نساء إخوتي، بل قلت لهم إنهن أخواتي، فلا يسمح لأخ الزوج أن يجلس مع زوجة أخيه في نفس الخيمة" بحسب حمزة. في إحدى المرات ذهب حمزة إلى أحد مقرات داعش والتي تعرف بدار الزكاة، وطلب منهم أن يساعدوه، كانت الإجابة أن عليه أن يبقي دفتر عائلته معهم لكنه رفض.

يحتفظ عناصر التنظيم بثبوتيات العائلات التي يقدم لها المساعدة كي تبقى في مناطقه ولايسمحون لها بالمغادرة أبداً، إلا في حالة الضرورة القصوى كعارض صحي لايوجد له علاج على "أراض التنظيم".

قرر حمزة المغادرة إلى ريف إدلب بعد أن استطاع التواصل مع أحد أبناء عمومته وعرف أن مخيماً لأبناء مهين قد بني في دير حسان وأن الأوضاع هنا أفضل بكثير من مناطق تنظيم الدولة.


الحاجز الأخير


يقف حمزة مع سائق السيارة عند حاجز داعش الأخير شمال مدينة الباب، حيث بنى التنظيم هذا الحاجز لمعرفة القادمين والخارجين إلى مناطقه، يقول الكثيرون عن هذا الحاجز إنه الأخطر بين الحواجز فهو يفتش الجميع، وقد يقتل أي شخص مباشرة على الشبهة.

ما إن اقترب دور حمزة للعبور من الحاجز حتى سأله العنصر: أين أنتم ذاهبون، فأجابه حمزة "إلى أقاربنا في إدلب"، ولكن العنصر منعه ووجه تهمة إلى السائق بتهريب العائلات، واحتجز السيارة وصادرها وسجن السائق.

يقول حمزة: لقد شعرنا بخوف لا يوصف هناك، تهمة الهروب قد تستوجب القتل، ولكنهم قالوا لي لديك ربع ساعة لتلملم أغراضك قبل أن نحجزك أنت والأولاد والنساء، عاد حمزة إلى الباب ليفكر بطريقة أخرى.

هناك عدة طرق قد يسلكها الفارّ من التنظيم، لكن هذه الطرق لا يعرفها إلا أشخاصٌ معينون، بدأوا يعملون بتهريب العائلات ويتقاضون 500 دولار على العائلة الواحدة، لكن أيضاً التنظيم عرف ذلك وزرع الألغام على تلك الطرق، كي يجبر الجميع على العبور من هذا الحاجز.

يصمت حمزة قليلاً عن الكلام ويعود ليدخن بعد أن قدموا لنا الشاي في خيمتهم المتواضعة، كان مشهداً رهيباً ما رأيناه على الحاجز أكثر من 50 جثة فوق بعضها تنتظر "التركس" ليحفر لها ويردم فوقها التراب.

بدأت مئات العائلات بالفرار من المناطق التي يسيطر عليها التنظيم بعد بدء الحملة الروسية على سوريا، حيث شنت الطائرات الروسية غارات عديدة على ريف حلب الشرقي واستهدفت أسواقاً في مدينة الباب ومنبج وقتلت العشرات من المدنيين بحسب نشطاء محليين، بالإضافة إلى تقدم النظام من اتجاه مطار كويرس الذي استطاع فك الحصار عنه أواخر العام الفائت بمساعدة الطائرات الروسية.

أحضر حمزة معه صهريج المياه ووضع أولاد أخوته وزوجاتهم في قلب الصهريج وانتظر دوره ليعبر بعد خمسة أيام من الانتظار في مدينة الباب شرق حلب، "لقد كانت لحظات خانقة، الكثير من السيارات أمامنا، وعناصر الحاجز يفتشون الجميع ويقلبون السيارات رأساً على عقب خشية أن يكون فيها عائلات، يبتسم حمزة ويقول خشيت أن يفتحوا الصهريج بحثاً عن الدخان".

11 ساعة قضاها حمزة منتظراً على الحاجز ليأتي دوره في العبور وكان صفٌ طويل أمامه يقدره بـ(4) كلم، لكن حدث وأن أغارت الطائرات الروسية أمامنا على السيارات ودمرت أكثر من مئة سيارة، ففر عناصر الحاجز وبدأ الناس بالعبور وعبرت معهم، لم نعلم كم قتل في هذه الغارة ولكن كان هناك الكثير من السيارات المدمرة على حد تعبير حمزة.


مخيم أبناء مهين


يقطن الآن حمزة وعائلته في مخيم بالقرب من قرية دير حسان شمال مدينة إدلب وسمي المخيم بـ"بأبناء مهين"، كون جميع العائلات البالغ عددها 450 عائلة من بلدة مهين في ريف حمص الشرقي بحسب سعد الدين أبو عدي مدير المخيم.

تعيش هذه العائلات وسط ظروف معيشية صعبة، حيث لا يتوافر لديها البنية التحتية اللازمة وخاصة في موضوع الصرف الصحي والمياه الصالحة للشرب، ويشير أبو عدي أن بعض المنظمات بدأت بدعم المخيم بموضوع المياه، ولكن بحجم قليل حيث تبلغ حصة الفرد كل يوم15 لتراً، وهذه كمية قليلة جداً، كما أن عدد النازحين ازداد في الشهر الماضي بعد سيطرة النظام على القريتين وتدمر، وهذا جعلنا أيضاً أمام أزمة خيام لم يتأمن منها شيء.

يضحك حمزة يقول لم يتغير علينا شيء الخيمة مازالت نفسها التي رافقتني لثلاثة أشهر مدة رحلتي، ولكن الفارق هنا أنني لست وحيداً، أبناء بلدتي حولي.