قبائل الجانجاويد.. سلاح الحكومة السودانية المشهور دائماً في وجه المعارضين

تم النشر: تم التحديث:

إلى كهف في جبال النوبة في السودان هربت كوثر علي عديلان فراراً بحياتها مع كل أهالي قريتها الذين تعرضوا لغارة عسكرية سودانية في مارس/آذار الماضي. "لقد حاصرونا وقتلوا أطفالنا ونساءنا وأحرقوا القرية. انتظرنا حتى منتصف الليل ثم تسللنا هرباً إلى الجبال. ليس بوسعنا الذهاب لإحضار الماء لأننا مازلنا نسمع أصوات القصف ونرى الطائرات تحلق في الأجواء".

هكذا تكلمت الأم ذات الـ25 عاماً من مخبئها الصخري في كهف جالسة أمام معدات الطبخ لديها. تقول: "أينما ذهبنا يجد الرصاص وشظاياه طريقه إلينا"، حسب ما نشرت مجلة فورين بوليسي الأميركية، الخميس 19 مايو/أيار 2016.

تشهد قرية عديلان "الأزرق" وجبال النوبة في السودان هجمات عسكرية وقصفاً جوياً يومياً من قوات الرئيس عمر البشير بشكل صار مألوفاً، فمنذ 5 سنوات والحكومة تسعى لهزيمة المقاتلين المتمردين الذين سبق وقاتلوا في صفوف الانفصاليين الجنوبيين ليطالبوا الآن بمزيد من الاستقلال والحكم الذاتي في مناطقهم الجنوبية النائية. لم ترجح كفة أي من الطرفين على ساحة المعركة طوال السنوات الماضية، ما زاد الحرب ضراوة والصراع اشتعالاً، والثمن يدفعه مدنيو القرى والبلدات الواقعة في المنطقة المتمردة.


خطوط النار على حالها منذ 5 سنوات


ss

خطوط النار الأمامية على حالها منذ اندلاع الحرب عام 2011 لم يتغير بها شيء سوى أعداد المقاتلين الآخذة في التزايد والاحتشاد. بيد أن معاناة حكومة البشير من الأزمة الاقتصادية الناجمة عن هبوط عائدات النفط وتكلفة الحرب ليس في النوبة وحسب، بل في مناطق دارفور والنيل الأزرق كذلك، جميعها عوامل تدفع الحكومة للبحث عن طرق لخفض التكاليف العسكرية. لهذا السبب أعادت الحكومة تسليح ميليشيات الجنجاويد ذات الصيت الذائع واستجلبتها من دارفور إلى جبال النوبة لتكون بديلاً أرخص وأقل تكلفة على جيب الدولة من الجنود والعتاد التقليديين. مجموعة الجنجاويد هذه، التي باتت تعرف باسم قوات الدعم السريع، تخضع مباشرة لسيطرة الاستخبارات والأمن الوطني السوداني، وتقود المجموعة العمليات ضد المسلحين المتمردين.

لكن الهجمة الموسمية هذا العام تأخرت أشهراً عن موعدها المعهود في كل عام، حيث تتزامن الهجمة سنوياً مع بدء موسم الجفاف الذي تتمكن فيه العربات والمركبات من القيادة وعبور أراضي المنطقة ووحول مستنقعاتها. وعندما بدأ الجيش بشن هجمته رافقه عدد هائل من قوات الدعم السريع المدججة بالسلاح التي لا تعد مسؤولة بالدرجة نفسها عن إيقاعها لأي ضحايا أو إصابات وسط صفوف المدنيين. وشن مقاتلو هذه القوات حملة هجومية كبيرة في أواخر مارس/آذار الماضي على عدة جبهات متمردة منها بلدات الأزرق وأم سردبة وأنجارتو حيث الصراع على أشده.

عم إبراهيم جندي متمرد قدّر أعداد الجنود الموالين للحكومة في الأزرق بـ6000 وقال: "عندما أتوا إلى الأزرق أحرقوا المنازل ومخازن طعام المدنيين كما قتلوا كبار السن الذين لم يلوذوا بالفرار بالخناجر والمناجل".


الحكومة السودانية تعتمد عليهم


ss

يقول أليكس ديفال، الخبير في شؤون السودان المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمي بجامعة تافتس الأميركية، إن الحكومة السودانية تعتمد بشكل متزايد على قوات الميليشيات المسلحة غير الرسمية إلى جانب الجنود التقليديين، سببها في ذلك ليس كونهم أكفأ على ساحة المعركة، بل لأنهم أرخص تكلفة ولأن فظائعهم المرتكبة لا تلام الحكومة عليها بشكل مباشر. وقال ديفال: "تاريخياً ارتُكِبت أعنف الفظائع في حروب السودان الأهلية على يد الميليشيات غير الرسمية التي تعمل دونما حسيب أو رقيب. سيجر ذلك نتائج وعواقب وخيمة على سكان تلك المناطق؛ لأن هذه الظاهرة معناها أن الحرب ستطول أمداً وتأخذ بُعداً تجارياً مرتزقاً".

على مر القرون عاش شعب النوبة في عزلة نسبية نظراً لطبيعة أرضهم الجغرافية ذات الجبال الوعرة. لكن عزلتهم تلك غدت سلاحاً ضدهم في الثمانينيات الماضية عندما تعرضت المنطقة لتهميش سياسي واقتصادي من حكومة الخرطوم دفع كثيراً من أهالي النوبة إلى الانضمام إلى حركة الجيش الشعبي لتحرير السودان التي تمخضت عن انفصال جنوب السودان واستقلاله عام 2011.

وضعت حرب جنوب السودان أوزارها، لكن بعد ترسيم الحدود عاش النوبيون حالة من الضياع والعزلة في السودان. كان يحدوهم الأمل في التوصل إلى اتفاق بشأن حكم ذاتي لهم، لكن عندما نكثت الحكومة وعداً غير صريح أو واضح بعقد "استفتاء شعبي" كانت قد عشّمت شعب النوبة به لإشراكهم في حكم وإدارة أنفسهم، ثم مضت نحو نزع السلاح قبل أن يكون المتمردون جاهزين لذلك، عندها اندلعت الحرب من جديد لكن في سبيل استقلال النوبة هذه المرة.

وفي منطقة مجاورة هي ولاية النيل الأزرق كذلك اندلعت مواجهات بعدما فشلت الحكومة في عقد عملية استفتاء شعبي، والآن يسمّي الثوار في كلتي المنطقتين أنفسهم بالحركة الشعبية لتحرير السودان في الشمال.

سرعان ما استقرت المواجهات على حرب استنزاف، فعندما عجزت الدولة عسكرياً عن الفتّ من عضد الحركة الشعبية لتحرير السودان في الشمال، لجأت الحكومة إلى حملة قصف عنيفة استهدفت المزارع والمناطق المدنية بهدف إجبار المدنيين للجوء إلى مناطق خاضعة لسيطرة الدولة إما فراراً من القصف نفسه وإما هرباً من الجوع الذي سيليه.


قصف عشوائي


ss

يقول عمدة مقاطعة ديلامي في جبال النوبة، كومني فريد، الذي قصفت بلدته مؤخراً في فبراير/شباط: "إنهم مستمرون في استهداف المناطق الآهلة بالسكان كالمزارع والمدارس والكنائس والمساجد ويظنون أن قوة الحركة الشعبية لتحرير السودان في الشمال هي من المواطنين، لذلك يقصفوننا مع مزارعنا وماشيتنا".

على مدار 5 سنوات متواصلة من الحرب في النيل الأزرق وجنوب كردفان التي تقع فيها جبال النوبة لقي الآلاف مقتلهم وتشرد حوالي 400 ألف شخص، لكن الصراع الدائر هناك ظل يدور في معزل عن أعين العالم نظراً لحظر الحكومة السودانية دخول المساعدات الإنسانية وعدم تمكن الصحفيين من دخول المنطقة الوعرة.

بداية هذا العام كانت هادئة تماماً لم تشهد أي قصف بالمقارنة مع يناير العام الماضي حين ألقي في ذلك الشهر وحده 816 صاروخاً ضمن القصف الدائر. لكن الحملة الهجومية منذ بدأت أواخر مارس/آذار هذا العام ووتيرة القصف ترتفع، ما منع المزارعين من حرث أراضيهم وبذرها.

يقول محمد نالتين، عمدة ناحية كاو المتمردة في جبال النوبة: "يقصفوننا كل يوم ولذلك يومياً لا نتمكن من حرث أراضينا"، مضيفاً أن المنطقة نظرياً تعاني شح الطعام منذ يونيو/حزيران العام الماضي.

شبكة الأنظمة التحذيرية المبكرة من المجاعات، التي هي منظمة تراقب الأمن الغذائي في العالم، أصدرت مؤخراً تقريراً تحذر فيه من أن جنوب كردفان والنيل الأزرق تواجهان نقصاً في الغذاء خاصة وسط النازحين في الداخل، كما قالت في التقرير إن إنتاج الطعام هذا العام سيقل عن العام الماضي بنسبة 55% والسبب جزئياً مردّه إلى سوء الطقس والجو.

وبالفعل تعاني بعض المناطق التي تدور فيها الحرب من المجاعة. وحدة رقابة الأمن الغذائي في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، التي هي منظمة مستقلة تستخدم مراقبين محليين لتقييم مستويات الأمن الغذائي، أصدرت تقريراً قالت فيه إن 242 شخصاً، منهم 24 طفلاً قد قضوا مرضاً بسبب المجاعة في النصف الثاني من عام 2015 في مناطق وارني وكاو-نيارو المتمردتين الواقعتين جنوب كردفان.


استراتيجية غير مجدية


ss

الاستراتيجية الحربية الجديدة التي تتبعها الحكومة لم تعد عليها بأي نفع أو مكاسب عسكرية، فمصادر كل من طرفي النزاع تقول إن الحركة الشعبية لتحرير السودان في الشمال قد صدت كل هجمات الدولة تقريباً ومنعتها من إحراز أي تقدم أرضي أو السيطرة على أراضٍ. كذلك غنم جيش التمرد أسلحة وعتاداً عسكرياً كثيراً، بيد أن الصراع مازال عالقاً يراوح مكانه ولا نصر عسكرياً يلوح في سماء أي من الطرفين.

حتى الدبلوماسية أثبتت عدم نجاعتها لبطئها الشديد كالحلزون، ففي مارس/آذار أخفقت محادثات السلام للمرة الـ11، إذ لا يعترف أي من الطرفين بمصداقية الآخر عراباً للسلام، فالدولة خرقت 5 هدنات سلمية مع مجمعات ثائرة عديدة منذ عام 2005، وكذلك يعاني تحالف المتمردين من عصبيات قبلية وتضاربٍ في محل ولائهم، ما يعسّر كثيراً مصداقيتهم في مفاوضات ومحادثات السلام.

ومع استمرار هذا الطريق السياسي المسدود تبقى المعاناة الكبرى من نصيب أهالي النيل الأزرق وجنوب كردفان. جيمس محمد، تلميذ في مدرسة تونغولي الابتدائية بمقاطعة ديلامي المتمردة، وقد سئم الطلعات الجوية التي ينفذها طيران الحكومة الحربي في سماء بلدته التي تقطع عليهم دروسهم، فكلما سمعوا صوت طائرة الآنتونوف تحلق مقتربة يهرع الجميع إلى الخنادق وحفر الاختباء التي حفروها قرب المدرسة.

يقول محمد: "الحرب دائماً ضد التعليم، وعلى الحكومة والمتمردين الجلوس والتحدث كثيراً مثلما تقصفنا الحكومة كثيراً. جميعنا سودانيون ولا شيء ينبغي أن يدفعنا لحروب كهذه".

وبعدما أدلى بأقواله هذه إلى الفورين بوليسي بأسابيع قليلة قصف طائرة آنتونوف مدرسته من جديد وقتلت معلماً فيها.

- هذا الموضوع مترجم عن مجلة Foreign Policy الأميركية.