نكسة قبل أن تتعافى.. كارثة الطائرة تخرج قادة مصر عن عادتهم في "التعتيم" لحل الأزمات

تم النشر: تم التحديث:
EGYPT
ASSOCIATED PRESS

كادت مصر أن تتعافى نوعاً ما في الآونة الأخيرة من أزماتها الاقتصادية التي توالت على رأسها تباعاً كشلال في السنوات الأخيرة حتى أصبح اقتصادها متهالكاً لا حياة فيه، لكن بوادر تحسّن طفيف كانت قد بدأت في الظهور في الأيام الأخيرة.

فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين قال لنظيره المصري عبدالفتاح السيسي إنه قد يسمح قريباً للطائرات الروسية بأن تستكمل رحلاتها إلى منتجع شرم الشيخ على البحر الأحمر بعد انقطاع دام 6 أشهر إثر انفجار طائرة أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.

كذلك اختارت منظمة السياحة العالمية الأممية مدينة الأقصر الأثرية التي تضم وادي الملوك الشهير لتكون عاصمة السياحة العالمية لعام 2016.


استيقاظ على الأزمة


لكن مصر استيقظت يوم الخميس 19 مايو/أيار 2016 لتجد نفسها في ظلام دامس ألِفته على مدار السنوات العجاف السابقة، حين تصدرت العناوين أخبار طائرة الركاب المصرية المنكوبة التي اختفت بصورة غامضة عن شاشات الرادار فجر أمس لتهوي وتغرق في مياه المتوسط هي وركابها الـ66.

سنواتٌ مضت ومصر تتخبط في نفق طويل مظلم، ما إن تتعافى من ضربة حتى تتعرض لضربة أخرى، اقتصاد متعثر، عملة متهاوية، رئيس قمعي وحركة عنف تشنها مجموعة إرهابية تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية.

لكن صحيفة نيويورك تايمز كتبت، الخميس 19 مايو/أيار 2016، أن هذه الضربة الأخيرة كانت صاعقة لكل مصر، فمن هولها نسي قادة مصر أسلوبهم المعتاد في حل الأزمات – التشويش.

فبدلاً منه قدّم القادة ما يبدو أنه تقييم صريح للوضع يقرّ ويعترف بأن الإرهاب قد يكون له يدٌ في الحادثة، وهذا قبل أن تظهر أدلة قاطعة بضلوع الإرهاب في المسألة.

بدا وزير الطيران المدني المصري شريف فتحي متوتراً، لكنه اعترف بأن بعض المسؤولين المصريين ارتكبوا أخطاء في التعامل مع فقدان طائرة الرحلة 804، وسلّم بأنه قد يكون للمسلحين الإسلاميين يدٌ في الحادثة، حيث قال الوزير إن احتمال هجوم إرهابي أكبر من احتمال خطأ أو عطل فني.

وعلق مايكل وحيد حنا زميل مؤسسة Century Foundation بنيويورك قائلاً: "لقد اختلفت الاستجابة الأولية هذه المرة فلم نشهد التشويش والتعتيم الذي عهدناه في مصر من قبل".

فقد تناقضت كلياً استجابة الوزير حين سلّم بإمكانية هجوم إرهابي مع استجابة حكومته لسقوط الطائرة الروسية في شبه جزيرة سيناء أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي عندما رفضت وأبت الحكومة مراراً وتكراراً أن تسلّم بأي إمكانية لوجود خيط بين الحادثة والإرهاب، ثم عادت لتغير موقفها بعد أشهر.

لطالما أثارت مصر حفيظة حلفائها واستفزتهم بردات فعلها المائعة غير القاطعة والمتقوقعة كأنما دفاعاً عن النفس، ما جعلهم يتشككون بقدرة مصر على إجراء أي تحقيقات شفافة.

تلك الاستراتيجية في الردود غير الواضحة فاقمت الوضع في العلاقات بين السيسي وأقرب حلفائه إليه، فقد احتدم الخلاف على الملأ بين مصر وإيطاليا على خلفية مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني الذي وجدت جثته مرمية على أحد أرصفة القاهرة في فبراير/شباط الماضي، حيث دارت مشادة حادة بين المسؤولين المصريين والإيطاليين الذين اتهموا مصر بالمسؤولية عن مقتل الإيطالي وحمّلوا الذنب لقوات الأمن المصرية.

لكن مصر ردّت بتقديم روايات غير معقولة عن مقتل ريجيني.

كذلك سعت مصر للتملّص من اللوم وتبرئة ساحتها من دم 8 سياح مكسيكيين لقوا حتفهم في غارة جوية مصرية في سبتمبر/أيلول الماضي. فبعد أشهر من التقاعس عن التحقيق في الحادثة التي جرت في صحراء غرب البلاد، التي كانت جميع ملابساتها تشي بأنها غلطة عسكرية، أصدرت وزارة الخارجية المكسيكية بياناً هذا الشهر تتهم فيه مصر بالفشل في التحقيق في الملابسات كما ينبغي، وبعدم تعويض عائلات السائحين الضحايا كما يجب.


ضبابية الموقف المصري


أقارب الركاب الضحايا الذين قضوا البارحة لم تخلُ تصرفاتهم وردودهم من تهكّم مُرٍّ على التعتيم وضبابية الموقف الرسمي المصري. فبعد مرور ساعات طوالٍ على تجمع الأقرباء في مطار القاهرة ينتظرون خبراً عن مصير ذويهم قالت ميرفت مؤمن، التي حضرت لاستقبال صديقتها المضيفة سمر عز الدين المتزوجة حديثاً: "لا نعرف شيئاً".

وضاقت ذرعاً بالتفسيرات الرسمية التي قيلت عن مصير الطائرة، فاستخفت بها وقد نفد صبرها فقالت إنها "مجرد روايات زائفة دعائية".

وانتشرت على وسائل الإعلام الإخبارية نظريات المؤامرة، منها مقابلة أجرتها صحيفة "الأهرام" الحكومية مع خبير زعم أن موجة كهرومغناطيسية أسقطت الطائرة.

ويعمل المسؤولون البريطانيون مع مصر على تحسين الوضع الأمني في مطار شرم الشيخ، إلا أنهم يقولون إن حظر الطيران البريطاني إلى هناك لن يُرفع قريباً على الأرجح.

وانخفضت أعداد السياح الآتين إلى مصر بنسبة أكثر من 40% هذا العام، ويرجح أن المزيد من الانخفاض من شأنه أن يضعف قوة العملة المصرية أكثر فأكثر، ما سيفاقم التضخم في البلاد ويضغط على السيسي الذي كان قد رد بالضرب بيد من حديد على ضغوط وانتقادات سابقة طالته هذا العام، حين أسكت المنتقدين وشن حملة اعتقالات ومداهمات ضد المحتجين في الشوارع.

والأسبوع الماضي صدرت أحكام بالسجن تراوحت بين 2 و5 أعوام بحق 152 شخصاً معظمهم في العشرينات من العمر بتهم المشاركة في احتجاجات الشوارع على نقل ملكية جزيرتي تيران وصنافير في البحر الأحمر من مصر إلى السعودية. فقد أثارت صفقة الجزيرتين موجة غضب عارمة في البلاد أخذت السيسي على حين غرة وفاجأته حين وجد شعبيته آخذة في التدهور إلى الحضيض.


قد تكسب تعاطفاً دولياً.. بشرط


egypt

ومع ذلك يقول المحللون إن حادثة سقوط الطائرة المصرية قد تُكسِب مصر تعاطفاً دولياً شريطة ألا تتصرف تصرفاتها الضبابية الدفاعية المعهودة التي أوغرت صدور حلفائها في الماضي. فبينما جهود البحث عن الحطام جارية ليلة الخميس صدرت عن مكتب الرئاسة بيانات بتلقي اتصالات التعازي من قادة إيطاليا واليونان والسعودية وفرنسا.

أما الخبير والمحلل حنا فيقول إن هنالك تفسيراً ذا أبعاد ساخرة في طياته دفع مسؤولي مصر هذه المرة إلى التعامل بشكل أكثر شفافية ووضوحاً وهو أن الفرصة سانحة هذه المرة لإلقاء الذنب واللوم على دولة أخرى، فرنسا، على تقصيرها في الجانب الأمني الذي أدى إلى الحادثة. فالخميس وعلى الشبكات الاجتماعية تعالت أصوات بعض المصريين منادية بإغلاق مطار باريس شارل ديغول لدواعٍ أمنية لأنهم رجحوا أن سبب الكارثة كان إرهابياً مصدره غياب أمن المطار الفرنسي، تماماً مثلما غاب الأمن عن مطار شرم الشيخ.

لكن مصر إن أنحت باللائمة على فرنسا فقد تخسر حليفاً أوروبياً آخر من قائمة حلفائها المتضائلة تدريجياً، خاصة أن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند كان قد زار مصر الشهر الماضي للتوقيع على صفقة أسلحة بمليار دولار وعلى صفقات استثمارية عديدة مع السيسي.

لكن المفارقة الغريبة - حسب رأي حنا - تكمن في أن تزايد المصاعب التي تواجهها مصر قد يزيد من دعم الدول الغربية للسيسي ورئاسته رغم كل سياساته القمعية وقسوتها. سببه في هذا الاعتقاد أن الدعم "سيعزز ويقوّي الوضع الراهن، فالبلاد تواجه تحديات أمنية جمّة قد تتسرب إلى بقية دول العالم، ولهذا فإن الدول الأخرى تخشى التغيير والتركيز على قضايا كحقوق الإنسان والسياسة والحريات".

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية.