بعد ديميريل واوزال واربكان.. يلدريم رابع مهندس يرأس وزراء تركيا.. كيف كانت مسيرة سابقيه؟

تم النشر: تم التحديث:
TURKEY
SM

منذ إعلان مصطفى كمال اتاتورك قيام الجمهورية التركية في العام 1923، تبوأ رئاسة الحكومات المُتعاقبة 26 رجلاً حتى الآن، أولهم كان عصمت امينو وآخرهم أحمد داود اوغلو.

وبحكم خروج البلاد من الاستعمار وتداعيات الانهيار الذي شهدته الامبراطورية العثمانية، استحوذ على المنصب في السنوات الأولى أشخاص خلعوا لباسهم العسكري وارتدوا ربطات العنق ككل الساسة.

وإلى جانب رجال الجيش الذين انخرطوا في عالم السياسة، تمكن أكاديميون من مختلف الاختصاصات من الجلوس على مقعد رئاسة الوزراء بقصر “تشانكا” بأنقرة، وكان آخرهم مهندس السياسة الخارجية التركية في عهد حزب العدالة والتنمية أحمد داود اوغلو، وقبله عبد الله غول رفيقه تأسيس الحزب مع رئيس الجمهورية الحالي رجب طيب اردوغان وآخرين.

أمام تحكم العسكريين والأكاديميين في منصب رئيس الوزراء في تركيا، لم يتمكن من الظفر به في تاريخ البلاد الحديث سوى 3 مهندسين، أولهم سليمان ديميريل الذي رحل سنة 2015، وثانيهم تورغوت اوزال، وثالثهم نجم الدين اربكان “أستاذ” اردوغان.

ويُنتظر الآن أن يضاف إلى العدد شخصٌ آخر، وهو بن علي يلديريم الذي أُختير الخميس 19 مايو/أيار 2016 رئيساً لحزب العدالة والتنمية، بعد استقالة داود اوغلو، ما سيجعله أيضاً رئيساً للوزراء.

فكيف جاءت مسيرة المهندسين الذين شغلوا منصب رئيس الوزراء في الجمهورية التركية قبل يلديريم؟


1- سليمان ديميريل


أصبح ديميريل سنة 1965 رئيساً للوزراء، وهو القادم من الريف التركي، وقد كرر الأمر 4 مرات أخرى، لكن علاقته التي لم تكن جيدة مع الجيش أدت إلى الانقلاب عليه مرتين.

تخرج ديميريل الذي ولد في إحدى القرى القريبة من مدينة اسبرطة جنوب غرب البلاد سنة 1893، في كلية الهندسة المدنية بجامعة إسطنبول التقنية، إحدى أفضل الجامعات التركية في العام 1949، ليبدأ بعدها العمل كمهندس في مديرية الكهرباء، قبل أن يُسافر إلى أميركا للقيام بأبحاث في قضايا الري والكهرباء، وعند عودته إلى بلاده اشتغل كمهندس مدني مشارك في بناء أحد السدود المائية.

في هذه المرحلة أثار ديميريل بعمله الجاد انتباه عدنان مندريس - رئيس الوزراء بين عامي 1950 و1960 - الذي أعدمه الجيش بعد انقلاب عسكري، ليُقرر ترقيته سنة 1955 إلى منصب المدير العام لهيئة المشاريع المائية التركية، غير أنه قرر أن يترك وظيفته ويقوم بالخدمة العسكرية عقب الانقلاب على مندريس، قبل أن يعود من جديد إلى الحياة العامة ويتم انتخابه رئيساً للوزراء بدعم من الجيش سنة 1965.



fsdf

عاصر ديميريل عدة انقلابات، أولها في العام 1960 وثانيها حينما كان رئيساً للوزراء سنة 1980، حيث تم حل كل الأحزاب ومنع النشاط الحزبي في تركيا من طرف الجيش، وآخرها سنة 1997 حينما كان رئيساً للجمهورية ضد رئيس الوزراء نجم الدين اربكان.

ويُوصف ما حدث سنة 1993 بـ “الانقلاب الناعم”، حيث أقنع ديميريل اربكان بالتخلي عن منصبه بعد ضغوطات قوية من الجيش للتوقيع على مطالب أهمها “محاربة الرجعية في البلاد”، ليوقع استقالته بدلاً منها، مخافةً أن تتحول الأمور إلى انقلاب حقيقي.


2- تورغوت اوزال


تمكن تورغوت اوزال وهو ابن سيدة كردية، من رئاسة الوزراء التركية 13 سبتمبر/أيلول 1983، وهي الفترة التي عرفت توجه تركيا إلى الخصخصة كنظام اقتصادي.

ولد في 13 أكتوبر/تشرين الأول 1927 بمدينة مالاطيا وسط الأناضول، ودرس الهندسة الكهربائية في جامعة إسطنبول التقنية، ليتخرج مهندساً كهربائياً عام 1950 بعد سنة واحدة من تخرج سليمان ديميريل مهندساً مدنياً، حيث اشتغل معه بمديرية الكهرباء.

بعد فترة من العمل كمهندس، قرر اوزال السفر إلى أميركا للتخصص والتعمق في المجال داخل جامعة تكساس للتكنولوجيا، لكنه عوض أن يستمر في مجال الكهرباء قرر أن يُغير الشعبة إلى الاقتصاد.

بعد سنتين من الانقلاب العسكري الذي شهدته تركيا، أسس اوزال الذي كان يحمل داخله مبادئ إسلامية ويؤدي الصلاة وحج 3 مرات حزب “الوطن الأم Anavatan” في العام 1983، وتمكن في نهاية السنة من الفوز بالانتخابات وبأن يُصبح رئيساً للوزراء.



cwxw

كان اوزال أول رئيس للوزراء في تركيا يؤدي صلاة الجمعة رفقة وزرائه، مانحاً الفرصة في البلاد للحركات الإسلامية بأن تتحرك وتشتغل بحرية أكثر بعد أن عانت لسنين، وهو الأمر الذي ساعده في الفوز من جديد بالمنصب سنة 1987.

في حوار صحفي لم يُنشر إلا سنة 2016 رغم أنه أُجري قبل 25 عاماً، قال اوزال جواباً على سؤال بخصوص سبب سوء العلاقات التركية - العربية بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، إن الإنكليز تمكنوا من تجنيد مسؤولين عثمانيين كبار؛ للعمل ضد دولتهم ولصالح تشويهها، ومن بينهم حاكم الشام الشهير جمال باشا الذي “طعن الخلافة العثمانية في ظهرها، وأساء لعلاقاتنا مع العرب بتصرفاته” على حد قوله.


3- نجم الدين اربكان


كان حدثاً كبيراً حينما تمكن التيار الإسلامي في تركيا أخيراً من بلوغ سدة الحكم، ولم يتأتَّ له ذلك إلا مع المهندس نجم الدين اربكان، حيث أصبح رئيساً للوزراء في العام 1997، لكنه لم يدم في المنصب طويلاً، إذ أُجبر على تقديم استقالته بعد ضغوطات من الجيش ورئيس الجمهورية حينها سليمان ديميريل.

درس اربكان هندسة المحركات في شبابه، حيث تخرج في كلية الهندسة الميكانيكية بجامعة إسطنبول التقنية سنة قبل تخرج سليمان ديميريل الذي سيصبح بعدها رئيساً للجمهورية في مرحلة ترأس اربكان للوزراء.

في سنة 1951 أرسلت جامعة إسطنبول التقنية اربكان إلى ألمانيا لإتمام دراسته، وهناك حصل على الدكتوراه، واشتغل لفترة في الأبحاث المتعلقة بصناعة المحركات داخل مركز تابع للجيش الألماني، قبل أن يعود إلى تركيا ويؤسس شركة متخصصة في ذلك.

يُعتبر اربكان الأب الروحي للإسلام السياسي في تركيا، حيث أسس سنة 1970 حزب “النظام الوطني”، وهو أول حزب يُعلن هويته الإسلامية، قبل أن يتم حلُّه بقرار قضائي، فأسس اربكان من جديد حزباً آخر سماه “السلامة الوطني” في العام 1972 شارك من خلاله في انتخابات تشريعية أوصلته إلى الحكومة من خلال التحالف مع حزب الشعب الجمهوري العلماني.



qd

كانت سنة 1996 سنة استثنائية أخرى في تاريخ الحركات الإسلامية في تركيا، حيث تمكن حزب “الرفاه” الإسلامي من الفوز في الانتخابات، وهو الحزب الذي أسسه اربكان بعد انتهاء حظر النشاط السياسي الذي فرضه الانقلاب العسكري سنة 1980، بعد أن تقدم اربكان بمشروع قانون إلى مجلس النواب ونظم مظاهرات حاشدة في البلاد طالب فيها بقطع العلاقات مع إسرائيل.

ورغم فوز حزب “الرفاه” بالانتخابات وتنصيب اربكان رئيساً للوزراء سنة 1996، إلا أنه لم يعمر إلا سنة في المنصب، ليستقيل سنة 1997 بضغوط من الجيش، فتم حظر حزبه مجدداً واقتيد هو للقضاء بتهمة انتهاك مواثيق علمانية الدولة.

لم ييأس اربكان من العملية السياسية في بلاده، حيث أسس بعد حزب الرفاه حزباً آخر سماه “الفضيلة”، لكنه تعرض هو الآخر للحظر، ليقوم سنة 2003 بتأسيس حزب “السعادة” الذي ما زال إلى الآن فعالاً رغم وفاة قائده اربكان سنة 2011، ورغم أنه اعتقل سنة 2003 بتهمة اختلاس أموال من حزب “الرفاه” والحكم عليه بالسجن عامين وهو في الـ 77 من عمره.



s

وبعد 20 عاماً من مرور آخر مهندس من رئاسة الوزراء التركية، يقترب اليوم بن علي يلديريم، وزير المواصلات في حكومتي رجب طيب اردوغان وأحمد داود اوغلو من المنصب بعد أن اختير الخميس 19 مايو/أيار 2016 رئيساً لحزب العدالة والتنمية، ليكون رابع مهندس يتقلده في تاريخ تركيا الحديثة، فهل سيحقق النجاح أم أنه سيعيش أزمات كسابقيه؟