أصولهم تركية وينتمي لهم الظاهر بيبرس.. فوز أغنية عن التهجير القسري لتتار القرم يزيح الستار عن الاضطهاد الروسي لهم

تم النشر: تم التحديث:
CRIMEAN TATARS
Stringer . / Reuters

تعرضت روسيا السبت لخسارة غير متوقعة في مسابقة "يوروفيشن" الغنائية، وذلك بعد حصول المتسابق الروسي على المركز الثالث، بينما حصلت المتسابقة الأوكرانية على المركز الأول بين جميع الدول المشاركة.

وما زاد الطين بلّة أن المغنية الأوكرانية تنحدر أصولها من تتار القرم، وأنها لم تغنِّ أي أغنية، بل غنت أغنية عن الترحيل القاسي لأهلها على يد الاتحاد السوفيتي في عام 1944، وذلك عندما طرد السوفيت أكثر من 230 ألف مواطن من تتار القرم من شبه جزيرة القرم، حيث كانوا يمثلون أغلبية سكان تلك المنطقة، وقد قضى ما يقرب من نصف ذلك العدد نتيجة للتطهير العرقي الذي ارتُكب ضدهم بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز".


حرب دعاية


مسؤولون روس انتقدوا فوز المغنية الأوكرانية، معتبرين إياه مثالاً آخر على "حرب المعلومات والدعاية" التي تسوقها أوروبا، التي تشعر بالنشوة بلا شك بعد إلقاء تلك القنبلة، التي تنحدر أصولها من شبه جزيرة القرم، في وجه الرئيس الروسي فلاديمر بوتين. فلا تزال أوروبا تشعر بالألم بعد صفعة روسيا حين ضمت شبه جزيرة القرم إليها.

ولا تشغل مسابقة "يوروفيشن" سوى حيزاً في فراغ عالم التسلية. أما في العالم الحقيقي، فإن روسيا تُصعّد من حملتها ضد تتار القرم الذين يمثلون الآن 12% من التعداد السكاني لتلك المنطقة، بعد أن سمح الاتحاد السوفيتي للناجين وأبنائهم بالعودة إلى أراضيهم في عام 1989.

وفي 26 أبريل/ نيسان الماضي، حظرت روسيا المجلس التشريعي لتتار القرم، والذي يعرف باسم "المجلس"، كما اعتبرته منظمة إرهابية. وفي 12 مايو/ أيار الجاري، ألقت السلطات القبض على عديد من تتار القرم بمن فيهم "إلمي أوميروف" نائب رئيس المجلس.

وقال نشطاء، إن مزيداً من عمليات الملاحقة والاعتقال ستحدث قريباً. ومع الأخذ في الحسبان أن الذكرى السنوية لعمليات الترحيل ضد تتار القرم التي حدثت عام 1944، ستحل هذا الأسبوع؛ فإن الخطوة التي تتبعها روسيا من خلال هذه التحركات ستكون غاشمة بحق.

ولكن إن كنا في الطريق إلى استخدام المعاملة التي تعرض لها تتار القرم لغرض دعائي، فعلى الأرجح أن روسيا لا تشعر بالقلق حيال ذلك.


ضحايا الروس


وبحسب الموسوعة الحرة "ويكيبيديا" فإن تتار القرم هم مجموعة عرقية تركية يقيمون أصلاً في شبه جزيرة القرم، ويعود تاريخ التتار المسلمون في جزيرة القرم للعصر العباسي، حيث استقر فيها عدد من القبائل من أصول تركية التي أطلق عليها الروس لاحقاً لقب التتار، وكانت الجزيرة تحوي سوقاً لتجارة العبيد ومنها ينحدر العديد من المماليك كالظاهر بيبرس.

ولطالما كان تتار القرم ضحايا سهلة لروسيا، حيث برر جوزيف ستالين ترحيله لهم بادعائه أنهم حاربوا إلى جانب ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية. وفي الحقيقة فعل بعضهم ذلك، لكن المؤرخين يقولون إنهم فعلوا ذلك لأنهم أرغموا على ذلك بواسطة الغزاة أو أنهم اعتقدوا أن الألمان سوف يحررونهم من الاتحاد السوفيتي. غير أن السجلات توضح أن كثيراً من تتار القرم، وربما أكثر مما ذكرته السجلات، لم ينشقوا خلال الحرب وأنهم حاربوا ببسالة مع الجيش الأحمر.

ويفترض "برايان جلين ويليامز"، المؤرخ بجامعة ماساتشوستس في دارتموث، أن دوافع ستالين الحقيقية لم تكن الانتقام، بل كانت خطة لشن حرب ضد تركيا بهدف استعادة الأراضي التي خسرتها روسيا خلال الحرب العالمية الأولى. حيث كان ستالين يحاول تحييد ومنع أي تعاون محتمل بين الأعداء المحتملين وهما تتار القرم، والأتراك المسلمون.

وقد بدأت معاناة تتار القرم في عام 1783، عندما غزت روسيا شبه جزيرة القرم وضمتها إليها وأجبرتهم على مغادرتها. فمنذ أربعة قرون، قبل أن تحكم روسيا تلك المنطقة، كان تتار القرم يمتلكون دولة خاصة بهم، وهي "خانية القرم".

ولا يزال تتار القرم يرفضون الخضوع للاحتلال الروسي، حيث رفض كثير منهم ضم شبه الجزيرة الذي حدث عام 2014، كما تستمر قياداتهم في المطالبة بإعادة الوحدة بين القرم وأوكرانيا.

ولا تقابل روسيا مثل تلك التحركات باللين، فقد أغلقت السلطات الروسية وسائل الإعلام بشبه جزيرة القرم، كما داهمت المنازل والمساجد واعتدت على نشطاء تتار القرم المعتقلين، حيث اختفى بعضهم وقُتل آخرون. فروسيا تحاول أن تمنع تتار القرم من إحياء ذكرى ترحيلهم، حتى أنهم نفوا الزعيم السياسي لتتار القرم "مصطفى جميلوف".


فرار جماعي


وصرحت وزارة الخارجية الأوكرانية، أن ما يقرب من 20 ألف من تتار القرم هربوا من شبه جزيرة القرم بعد ضمها، وهو أمر مدمر بالنسبة لمجموعة من البشر قضوا 45 سنة منفيين عن أراضيهم. حيث اعتقد بعضهم أن معاناتهم مع روسيا قد انتهت بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وضم شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا. كما تنبأ قليل منهم أن كابوسهم قد بدأ من جديد في عام 2014.

وينبغي على الحكومات الغربية تقديم يد العون لتتار القرم إن أرادوا لهم النجاة مما يعانونه.

وتكمن أولى الخطوات في الاعتراف بأن تتار القرم هم السكان الأصليون لشبه جزيرة القرم، حيث اعترفت أوكرانيا أخيراً بهذا الأمر منذ عامين وتبعها البرلمان الأوروبي فيما بعد. وبنفس الطريقة، ينبغي الاعتراف بان الترحيل الذي حدث عام 1944 كان جريمة إبادة جماعية، وقد اعترفت أوكرانيا رسمياً بذلك عام 2015، كما تطالب الحكومات والمنظمات الأخرى، مثل الأمم المتحدة، بالقيام بالأمر ذاته.

وعلى الرغم من شجب وزارة الخارجية الأميركية للمعاملة التي يتلقاها تتار القرم على يد روسيا في إحدى بياناتها الصحفية الدورية، إلا أن هذا ليس كافياً، خاصة بعد توقيع أوباما للأوامر التنفيذية الخاصة بالعقوبات التي ستفرض على روسيا بعد غزوها للقرم، ومبرراتها، إذ يجب تحديثها لتتضمن انتهاكات روسيا لحقوق الإنسان ضد التتار، كما يجب على الولايات المتحدة دفع مسؤولي الاتحاد الأوروبي لتجديد العقوبات المفروضة على روسيا بعد انتهائها في نهاية يوليو، أما عدم حدوث ذلك فسيعتبره بوتين إشارة لإمكانية هروبه من عواقب التعدي على السيادة الأوكرانية.

كما يجب على المسؤولين الأميركيين المنتخبين مساندة موقف أوكرانيا عبر القانون الذي ستتم مناقشته في الكونغرس في إبريل/ نيسان أيضاً. ويؤكد هذا القانون رفض الولايات المتحدة الاعتراف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم، والأهم أنه سيمنع الرئيس من رفع العقوبات التي تم إقرارها إلى أن يتم الوصول لحل لشبه جزيرة القرم بموافقة أوكرانيا.


احموا ثقافتهم من التدمير


في الوقت نفسه يحاول تتار القرم حماية ثقافتهم من التدمير، باذلين كل ما في وسعهم، حيث منع النشطاء العام الماضي دخول الطعام والكهرباء القادمين من أوكرانيا إلى شبه الجزيرة، وعلى الرغم من أن الحصار تسبب في انقطاع التيار الكهربائي عدة مرات، إلا أنه أظهر مدى اعتماد القرم على أوكرانيا. ويلتقي السيد ديزميليف وغيره من قادة تتار القرم بالعديد من القادة الأجانب، بالإضافة إلى ظهورهم في العديد من وسائل الإعلام، في محاولة لإيصال قضيتهم للأمم المتحدة.

هل يسمع أحد؟ في الحقيقة ليس لدى العالم ماضٍ جيد فيما يخص حماية السكان الأصليين، بل إنه عادة ما يتحمس للتضحية بهم مقابل تحقيق بعض المصالح السياسية.

وهناك من يعد القرم قضية خاسرة، إذ إن بوتين لن يسمح بإعادتها لأوكرانيا، خاصة أن الروابط الروسية مع القرم شديدة العمق، لكنهم نسوا أن شبه جزيرة القرم هي موطن تتار القرم أولاً، موطنهم منذ ما قبل الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفيتي وبوتين شخصياً.

-هذه المادة مترجمة عن صحيفة النيويورك تايمز، للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.