متحف بلا تحف.. فلسطين تحتفي بتراثها بمبنى فارغ كُلّف 24 مليون دولار.. تعرف على الأسباب

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

يبرز المتحف الفلسطيني كالتاج الأبيض على تلال الضفة الغربية، حيث تلقي الشمس بأشعتها على أشجار الزيتون والشجيرات المزهرة وصولاً إلى مياه البحر المتوسط، وهو ما يجعل منه موقعاً يصعب الوصول له بالنسبة لأغلب الفلسطينيين.

بالنظر إلى المتحف من الأسفل، ربما يبدو للناظر كقلعة إسرائيلية جديدة تطل برأسها على القرى العربية من ذلك الزجاج الأسود الذي يبدو على واجهة المتحف، حسب تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، الأربعاء 18 مايو/أيار 2016.


مازال خاوياً


هذا البناء الجديد – المتحف الفلسطيني - بُني بتكلفة 24 مليون دولار، وقد أنشئ للاحتفاء بالتاريخ والثقافي والمجتمع الفلسطيني، تلك الأمة المضطهدة، وسيتم افتتاحه الأربعاء 18 مايو/أيار 2016، بعد إعداد دام 20 عاماً ولكن كان ومازال المتحف فيها خاوياً.

يقول عمر القطان، من مؤسسة التعاون الفلسطينية التي تضم عدداً من الفلسطينيين في الخارج وقامت بدعم مشروع إنشاء المتحف: "فكرنا أنه من الأفضل أن نحتفل بإنجاز انتهاء بناء المتحف بدلاً من تأخير الأمر!".

ويضيف: "الطاقة الإيجابية أمر هام للغاية في المناخ الحالي من التردد والحديث الساخر، في بلد يخضع للاحتلال، حيث تندر الثقة بالنفس والإحساس بالذات. أردنا أن نرسل رسالة أننا سنبقى هنا".

تصميم المتحف جاء على يد شركة هين غان بينغ ومقرها في دبلن (أيرلندا)، وقد فاز تصميم المشروع بجائزة دولية في 2011، حيث يبدو البناء كقبو مخفي يبرز قليلاً، وتعرجات حواف المبنى على موقع البناء الصخري استخدم فيها الحجر الجيري الأبيض القادم من مدينة بيت لحم الفلسطينية.

يقع المتحف على مساحة 4 هكتارات تبرعت بها جامعة بيرزيت الفلسطينية المجاورة، كما تتماشى زوايا المتحف لتظهر الأراضي المحيطة به، التي تضم الكثير من أنواع النباتات المحلية وتعد جزءاً من التاريخ الفلسطيني.

بساتين من أشجاز اللوز والمشمش والرمات والتوت، يعقبها الجوز والخروب والتين والبطم، وصولاً إلى حافة أخيرة من أشجار الصنوبر والبلوط، حيث تنتهي حدود الحديقة لتذوب في الوادي المجاور.

بالصعود في ذلك الطريق المتعرج، تشم نسمات من النعناع، بالإضافة إلى اللافندر وإكليل الجبل، قبل أن تصل إلى مدخل المتحف، حيث القاعات مكيفة الهواء تحت أسقف من الحجر.


متحف دفاعي


من النظرة الأولى، يملك المتحف إطلالة قوية، حيث يبدو منظره دفاعياً، إلا أنه يبدو ترحيبياً أيضاً، كما يبث شعوراً بطبيعة تلك المنطقة دون استعادة المذاق الإسلامي الذي يبدو واضحاً بشكل أكبر في الحرم الجامعي المجاور.

تسلسل المساحات المختلفة في المتحف يبدو كنظرة على الأشكال الحضرية الكثيفة في المدن الفلسطينية التي تأخذك وسط المرات الضيقة ودرجات السلم المستدقة، لينقلك بعد ذلك إلى الساحات الرفيعة ذات المساحة الواسعة التي تظهر فنون الهندسة والمساحة.

يقع المتحف على مساحة 3500 متر مربع، وهي مساحة صغير نسبياً، ويضم قاعة عرض رئيسية واحدة، بالإضافة إلى قاعتين تعليميتين، ومقهى صغير.

ربما مع افتتاح المقهى أمام الجمهور في الأول من يونيو/حزيران 2016 لن يكون هناك الكثير ليروه. مدير مؤسسي المتحف، جاك بيرسكيان، استقال في عام 2015 نتيجة لخلافات مع بقية الأعضاء، لذلك ألغي برنامجه الافتتاحي.


هل ستصادر إسرائيل محتوياته؟


المدير الجديد للمتحف هو الدكتور محمود هواري، من مركز الخليلي للأبحاث التابع لجامعة أوكسفورد، وقد ترك وظيفته في المتحف البريطاني لتطوير المزيد من البرامج البحثية هنا.

وعلى الرغم من أن فريقه سيسعى لجلب بعض القطع الأثرية، إلا أن هذا الأمر ليس أولوية حالياً، حيث يقول: "نحن لا نريد تجميع الأشياء الفلسطينية الأعلى قيمة في مكان واحد، لأننا بذلك يمكن أن نعرضها للمضايقات أو المصادرة من قبل الإسرائيليين".

ويضيف: "لن يكون المكان مستودعاً للتراث الوطني بالتأكيد".

في الوقت الحالي، ساحة العرض الرئيسية يظهر بها عدد من الأشياء المؤقتة التي تعتبر بمثابة احتفاء بتشييد المتحف، مثل عربات اليد وخلاطات الأسمنت، بالإضافة لعدد من الرسومات المعمارية الهندسية المكبرة التي تحتوي بعضاً من اللغة العربية، بالإضافة إلى بعض الإجابات عن سؤال: "ما هي فلسطين؟".

يجيب أحدهم: "إنها الأوكسجين"، بينما يجيب آخر: "حمل ثقيل"، ويقول ثالث: "مجموعات الماعز المنتشرة على التلال".

بدأت فكرة المؤسسة عام 1997، وكان بمثابة نصب تذكاري فقط في الذكرى الخمسين للنكبة (تأسيس إسرائيل ما أدى لنزوح 700 ألف فلسطيني من منازلهم عام 1948 )، إلا أن الأمر تطور فيما بعد ليصبح بعد ذلك أمراً أكثر رمزية للشتات الدولي، حيث يصل عدد اللاجئين الفلسطينيين حالياً إلى أكثر من 6 ملايين شخص حول العالم.


السفينة الأم


يقول القطان: "بالنظر إلى قيود السفر لن يقدر الكثيرون على القدوم إلى هنا".

إلا أنه كبديل، ينوى الفريق تعزيز المتحف بأرشيف إلكتروني مكثف على الموقع الإلكتروني للمتحف.

يضيف القطان: "نرى في هذا المكان السفينة الأم التي يتبعها عدد من الأقمار الصناعية"، حيث يخطط لإنشاء أجزاء تابعة في عمان، وسانتياغو (تشيلي)، وميتشغين بالولايات المتحدة، وبيروت، وذلك مع افتتاح أول معرض ينظمه المتحف الفلسطيني خارج فلسطين في يونيو/حزيران 2016 الذي يحمل عنوان: طراف الخيوط: التطريز الفلسطيني في سياقه السياسي.


تهريب المتحف


تعكس تركيبة المتحف مزيجاً دولياً واضحاً، حيث جاء الجدار الزجاجي عبر صحاري السعودية ودبي، في موكب يذكرنا بالقوافل القديمة، في حين أنه تم استيراد أشياء أخرى من أوروبا، كانت عرضة لتأخير كبير ورفض لدخولها من الحدود نتيجة للتضييق الإسرائيلي.

يقول فراس طبيلة، وهو أحد المتعاقدين الأساسيين الذين يسعون لبناء أول مبنى أخضر بالكامل في فلسطين يحصل على شهادة LEED الدولية: "لقد كان لدينا الكثير من العقبات".

تم رفض دخول علامات تحذيرية عن وجود حريق قادمة من النمسا بسبب السلطات الإسرائيلية، وهو ما حدث أيضاً مع أنظمة للعزل المائي قادمة من بريطانيا التي رُفِض دخولها مرتين، في الوقت الذي ساعدهم أحد الموردين الإسرائيليين على تهريب باب جرار لموقع البناء سراً.

ولم يحصل أحد المهندسين الأردنيين أيضاً على تأشيرة للدخول حتى الآن ليستطيع استكمال عمله.

يقول المعماري روازين هينغان: "المحادثات الإلكترونية كانت أمراً عظيماً، نحمد الله على أن الإنترنت يعمل في حديقة المتحف".

الشركة الأيرلندية أيضاً لم تكن حديثة العهد على العمل في مثل تلك المتاحف وفي الظروف الصعبة، فقد فازوا سابقاً بمسابقة تطوير المتحف المصري بالقرب من أهرامات الجيزة في 2003، وهو مشروع عملاق بدأ قبل فترة وجيزة من الثورة المصرية.

وفازت الشركة أيضاً بعقد لتصميم مركز وطني جديد للفن المعاصر في موسكو تماماً قبل الأزمة الأوكرانية، في حين أن أحدث أعمالها هو التخطيط لبناء متحف قارب الكانو في أونتاريو الكندية.

في الضفة الغربية، تعمل الشركة بكثير من التفاؤل. وبلا جدار محيط وأجهزة للكشف عن المعادن، يبدو المتحف الجديد كساحة مفتوحة للجمهور للاحتفاء بالثقافة الفلسطينية، وهي واقع إيجابي موجود على الأرض حالياً، بغض النظر عما سيحتويه ذلك المتحف مستقبلاً.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.