هذا ما يجمع ترامب وبوتين والسيسي.. إغواءات "الرجل القوي"

تم النشر: تم التحديث:
BWTYN
social media

نشرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، الإثنين 16 مايو/ أيار 2016، مقالاً تحدثت فيه عن الصفات المشتركة للحكام الأقوياء الذين يتزعم حالياً بعضهم دولاً كبرى، فيما يسير المرشح الأميركي دونالد ترامب على ذات الطريق للوصول إلى سدة الحكم.

كاتب المقال جدعون راشمان الذي كان كبير المعلقين للشؤون الخارجية في فايننشال تايمز، أشار إلى أنه قبل وصول الزعماء الأقوياء لسدة الحكم، تجدهم يستخدمون قوة شخصياتهم واللعب على وتر بناء الأحلام الكبيرة للناخبين، والحديث عن إعادة إحياء البلاد ورفعها للقمة، حتى يصل الأمر بهم إلى إعلانهم الاستعداد للعنف من أجل حماية الدولة.

لكن الأمر لا يتوقف هنا، لدينا بوتين، السيسي، شي جين بينغ رئيس الصين، وغيرهم، جميعهم تصيّد الجانب الضعيف من شخصيات الشعوب، فلعبوا على مشاعر الخوف، والأمن، فبوتين رأى بلاده محاطة بالأعداء، والسيسي انطلق من إنقاذ مصر من مخاطر الإرهاب.

الزعماء الأقوياء من وجهة نظر الكاتب غالباً ما يتجاوز تأثيرهم حدود بلادهم، فينقلون على مهل أو عجل تيار العنف الذي يتسببون به في بلدهم، ليغرقوا السياسة الدولية بأكملها، حسبما يرى الكاتب.


نص المقال


إن الحقيقة هي أن تأثير القادة الأقوياء نادراً ما ينحصر ضمن أسوار وحدود بلادهم، بل كثيراً ما يمتد تيار العنف الجارف الذي يولدونه في بلدانهم ليغرق الساحة السياسية الدولية بأكملها.

تهامس الكثيرون بأن صعود نجم ترامب أعجوبة لا تحدث إلا في أميركا، لكن فهم ظاهرة ترامب يكون أفضل إن أخذناها في سياق ظاهرة عالمية: عودة مفهوم القائد "القوي" إلى معترك السياسة الدولية.

لم تكن أميركا السباقة إلى افتنان هذه الظاهرة، بل كانت من أواخر من وصلوا إلى هذه الحالة المزرية، وفق تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، الإثنين 16 مايو/أيار 2016.

ولعل المؤرخين يوماً ما سيذكرون أن عام 2012 كان نقطة التحول. ففي مايو/أيار 2012، عاد فلاديمير بوتين إلى الكرملين رئيساً لروسيا، ثم ما لبث أن جاء بعده ببضعة أشهر شي جين بينغ أميناً عاماً للحزب الشيوعي الصيني.

كلا الرجلين –بوتين وجين بينغ- جاء خلفاً لقائد تعوزه الكاريزما والجاذبية (ديميتري ميدفيديف وهو جينتاو) وسرعان ما بادر القائدان الجديدان إلى إرساء أسس أسلوب القيادة الجديدة، حيث شجعا وسائل الإعلام الموالية والمتعاونة على صنع ثقافة تقوم على شخصية كل من الرجلين، عمادها قوة القائد الجديد وحسه الوطني العالي.

وسرعان ما انتقلت الظاهرة التي بدأتها روسيا والصين إلى دول أخرى. ففي يوليو /تموز2013 حدث انقلاب عسكري في مصر أطاح بالإخوان المسلمين ونصّب القائد السابق للقوات المسلحة، عبد الفتاح السيسي، رئيساً ليحكم البلاد باعتباره القائد القوي الجديد.

وفي عام 2014 تلى ذلك انتخاب ناريندرا مودي رئيساً لوزراء الهند بعدما قاد حملة انتخابية قوامها قوته الشخصية وديناميته الحيوية ونشاطه، إذ وعد بتغييرٍ شامل واستعادة السيطرة على زمام الأمور بعد سنوات من التخبط على غير هدى تحت قيادة خجولة من مانموهان سينغ. كذلك في المجر ظهرت النزعة الانجذابية إلى سحر القائد مع انتخاب فيكتور أوربان رئيساً للوزراء.
ولم تتوقف حلقات هذه السلسة، ففي الأسبوع الماضي انتخبت الفلبين الرجل الشعوبي الصارخ رودريغو دوتيرتيه (المكنى بـ"دوتيرتيه هاري") خلفاً للتكنوقراطي الحذر بينينيو أكوينو، رئيساً للبلاد.

وأخيراً يأتي ترامب. قد يحجم الأميركيون عن مقارنة السياسة الأميركية بالفلبينية أو الروسية وإيجاد أوجه التشابه بينها، لكن الواقع أن ترامب المرشح الأوفر الذي بات أقرب إلى ترشيح الحزب الجمهوري، تظهر فيه الكثير من سمات القادة الأقوياء الحاليين–مثل بوتين وجين بينغ والسيسي ومودي وأوربان ودوتيرتيه.

جميع هؤلاء وعدوا بقيادة حملات وطنية لإحياء بلادهم وبعثها من جديد عن طريق قوة شخصياتهم وقدرتهم على تجاهل التفصيلات الليبرالية. وفي حالات كثيرة كان القائد يقطع عهوده بالسيطرة مع إبداء استعداد –مبطّن تارة وعلني تارة أخرى- لاستعمال العنف والضرب بيدٍ من حديد ضد أعداء الدولة.

مثلاً "دوتيرتيه هاري" كانت له صلات بعصابات مسلحة، في حين استخدم بوتين تكتيكاته الوحشية في حرب الشيشان الثانية كما هو معروف عند الناخبين الروس. كذلك كان لناريندرا مودي يد في مذبحة 2002 في ولاية غوجارات التي ينحدر منها هو، والتي أدت إلى منعه من دخول الولايات المتحدة عدة سنوات. أما السيسي فلم يحكم سيطرته على البلاد إلا من بعد أن أراق الدماء في شوارع القاهرة، والآن يأتي ترامب الذي رغم كل قوانين بلاده قطع وعداً بتعذيب الإرهابيين وتقتيل أفراد عوائلهم.

تترافق عادة قيادة الرجل القوي القائد مع حساسية مفرطة للنقد. ففي الولايات الرئاسية لكل من بوتين وجين بينغ رأينا قمعاً لحرية الصحافة، وليس ترامب من ذلك ببعيد، فهو الآخر لا يفتأ يكيل الإهانات للإعلان والصحافة، كما قال أنه يود أن يغدو سهلاً على السياسيين أن يقوموا برفع الدعاوى القضائية على الصحافة.

وكذلك من سمات وصفات القادة الأقوياء اللعب على حبال الأمن الخوف والإحباط. فقد صور بوتين بلاده على أنها محاطة بالأعداء من كل جانب؛ السيسي بدوره تعهد بإنقاذ مصر من براثن الإرهاب، وأما جي بينغ و مودي فاستغلّا مشاعر الإحباط لدى المواطنين البسطاء من جراء الفساد والإحساس بالظلم وعدم المساواة. ترامب من جهته مزيج من كل هذا وذاك، بوعوده لقلب اقتصاد البلاد المتعثر وتوعّده المجرمين والأجانب بالوعيد.

وعلى عكس أوباما وأنغيلا ميركل اللذين يتحوطان الحذر وينتهجان المحادثات الدولية أسلوباً في السياسة، فإن روح المخاطرة والوطنية التي يتحلى بها بوتين قد نجحت في استمالة المعجبين سواء في الصين أو في العالم العربي أو حتى في الغرب نفسه.

ويبدو أن كلاً من بوتين وترامب قد نجحا في استهواء مجتمع الآخر وكسب إعجابه، وعادة ما تجمع القادة الأقوياء علاقات ودية طيبة –في البداية على الأقل. لكن تلك العلاقات الودية المبنية على لا شيء سوى تشابه الأسلوب والطريقة المتعجرفة إياها بدلاً من المبادئ – ما تلبث تلك العلاقات الهشة إلا أن تتداعى وتسقط سقوطاً مدوياً؛ وإن عدنا للتاريخ فسنجد أن معاهدة عام 1939 بين ستالين وهتلر لم تغن شيئاً عن حرب شعواء بين ألمانيا والاتحاد السوفييتي بعد عامين فقط.

إن الحقيقة هي أن تأثير القادة الأقوياء نادراً ما ينحصر ضمن أسوار وحدود بلادهم، بل كثيراً ما يمتد تيار العنف الجارف الذي يولدونه في بلدانهم ليغرق الساحة السياسية الدولية بأكملها.

- هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة Financial Times البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.