مهرجان السجادة الحمراء للأفلام.. احتفال سينمائي يراعي ثقافة أهل غزة

تم النشر: تم التحديث:
GAZA
social

على الشاشة الكبيرة كان هناك فلسطيني يحاول تأدية اختبار لمسابقة للغناء على الإنترنت، وذلك لأنه لم يتمكن من مغادرة قطاع غزة، لكن الاتصال الضعيف ظل يتقطع طوال الوقت، حتى اختفى بطلنا في النهاية وتحولت صورته لسحابة ضبابية من الدخان، حيث إن مولّد الكهرباء الذي كان يستخدمه قد تعطّل.

الحياة تقلد الفن في غزة كما في أي مكان آخر، كان الصوت في ساحة عرض الأفلام ينقلب ما بين الصراخ والهمس، كما كانت الأجواء خانقة بالقاعة لعدم وجود تكييف بالمكان، حيث إن مصادر الطاقة قليلة ولا يُمكن الاعتماد عليها أبداً.

أظهر فيلم "آيدول" - المقتبس عن قصة حياة الفائز ببرنامج "عرب آيدول" محمد عسّاف - أحد مُسلحي حماس وهو يرفض السماح بسفر المُغني لأن موسيقاه "غير إسلامية". كما أن مُنظمي المهرجان لم يقوموا بدعوة عسّاف للحضور خوفاً من أن حماس لن تسمح بذلك.

أصر مسؤولو حماس على فرض رقابة على عروض المهرجان، فمنعوا عرض أية ألفاظ نابية، أو قُبَل، أو نساء في تنانير قصيرة. وفي ليلة الافتتاح أمروا بأن تُترك القاعة مُضاءة لمنع أي حركة غير أخلاقية بين المقاعد.

خليل مزين، مدير مهرجان السجادة الحمراء لأفلام حقوق الإنسان، قال: "أنت تعمل في الهوامش، وهذا هو الممكن بالنسبة لك، لقد كان شعار المهرجان هو نريد أن نتنفس".

المهرجان الذي يمتد لـ5 أيام وبدأ ليلة الخميس يتزامن مع مهرجان كان المنعقد في فرنسا، لكن لا يوجد أي شبه بين السجادة الحمراء في كلا المهرجانين، فالسجادة الحمراء في مهرجان غزة تمتد على دَرَج مركز رشاد الشوا الثقافي بغزة.

هذا هو المهرجان السينمائي الثاني في قطاع غزة، وعلى غرار العديد من النشاطات التي تُقام للمرة الثانية، كان من الصعب إقامته.

3

في العام الماضي، أقام مزين المهرجانَ الأول بطريقة عاطفية في حي الشجاعية بمدينة غزة، الذي كان قد تهدم خلال الحرب المُدمرة في صيف 2014 التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، حيث وَضعت السجادة الحمراء بين الأنقاض، ومشى فلسطينيون عاديون عليها، ما جذب موجة كبيرة من الاهتمام في وسائل الإعلام الدولية.

أقيم هذا الحدث بتشجيع من حركة حماس، ورغم الشك العام لدى الحركة من الفعاليات الثقافية على النمط الغربي، إلا أنها قبلت بإقامة المهرجان للفت الانتباه إلى محنة ما بعد الحرب في غزة.

هذا العام، غامر مزين بالخوض في منطقة أكثر حساسية، فكان المهرجان صرخة موجّهة إلى الدول المجاورة - إسرائيل ومصر - لتسمح بالمزيد من حرية التحرك للفلسطينيين عبر حدود قطاع غزة التي تخضع لرقابة مشددة، مثلما هي موجهة لحماس لتخفيف القيود المفروضة على الحريات الشخصية، بما في ذلك مشاهدة الأفلام.

1

وعلى الفور، واجه مزين العوائق على طريقه. (أو على السجادة الحمراء، إذا أردت القول).

تشمل الـ30 فيلماً المعروضة في المهرجان أفلاماً روائية وقصيرة ووثائقية، قام بإنتاجها فلسطينيون وكذلك أشخاص من الشرق الأوسط وأوروبا وأميركا.

لطالما تجنب مزين الأفلام ذات الموضوعات المثيرة للجدل، بما في ذلك فيلم "إذلال" الذي قام بصنعه أفضل السينمائيين وأشهرهم في قطاع غزة؛ الأخوان المعروفان باسم عرب وطرزان، اللذان يعيشان خارج القطاع، وتدور أحداث الفيلم حول صالون للنساء في غزة، وقد تم منعه على نطاق واسع حين عُرض لأول مرة في مهرجان كان العام الماضي.

حتى أن مزين قام مسبقاً بقطع مشاهد التقبيل في فيلمه الخاص "سارة"، وهو فيلم روائي طويل نادر إيجاد مثيل له في غزة. وتدور قصته حول طاقم فيلم يحاول أن يصنع فيلماً عن مقتل امرأة.

وتضمنت العروض الأخرى فيلم "ذيب"، وهو فيلم أردني تم ترشيحه لجائزة الأوسكار عام 2014. وفيلم "3000 ليلة"، وهو فيلم روائي أخرجته المخرجة الفلسطينية الأميركية ميّ مصري في عام 2015.

وقال عاطف عسقول - مسؤول وزارة الثقافة الذي وافق على الأفلام بعد بعض التعديلات - إن سكان غزة "يحبون مشاهدة الأفلام الأميركية،" ولكن "نحن مجتمع إسلامي".

"ستشاهد زوجتي وابنتي وأختي هذه الأفلام". وأوضح: "لا يمكننا أن نسمح بإظهار المشاهد السيئة".

الموقع كان إحدى النقاط الشائكة الأُخرى. فقد أراد فريق مزين أن يتم عرض المهرجان في ميناء غزة. لكن السيد عسقول رفض الفكرة، إذ ستكون هناك العديد من الفرص للرجال والنساء للاختلاط بطريقة غير مشروعة في الظلام بالخارج، وسيكون من الصعب السيطرة على الحشود.

لذلك اقترح مزين استخدام إحدى دور السينما القديمة بغزة، والمُغلقة جميعها الآن. معظمها كان قد احترق أو أُغلق في ثمانينيات القرن الماضي.

وافق السيد عسقول على فكرة السينما. ولكن كما قال مزين فأصحاب سينما "عامر" الموجودة بالهواء الطلق لا يتحدثون فيما بينهم الآن، ورفضوا السماح بإقامة أي حدث هناك.

في سينما "عامر" تتكدس أكوام من بكرات الأفلام القديمة ويعلوها التراب. وزجاجة بيرة قديمة مُلقاة على الأرض تذكرنا بأيام انتهت منذ فترة طويلة، انتهت حتى قبل سيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007، حينما كان يُمكن للسكان شرب الكحول علناً. ولا يزال بالإمكان رؤية إعلان الفيلم الهندي "راقص الديسكو" مرسوماً على الحائط بلون أزرق باهت.

2

اضطر مزين في النهاية إلى الاستقرار على استخدام المركز الثقافي – مُلتقى النُخب الثقافية بغزة - على الرغم من قناعته بأنه ليس المكان المُناسب لإقامة مهرجان للأفلام يحضره الجمهور.
بدلاً من ذلك، ومع السجادة الحمراء المنسدلة لأسفل الدرج في المركز، بدا الحدث بعيداً في بهرجته عن المجتمع الذي يُقام فيه.

استغرق الرجال المتأنقون والنساء بزينتهن الكاملة مع غطاء الرأس في التقاط صور "سيلفي"، كما قدمت اثنتان من الفتيات الصغيرات زهور القرنفل للضيوف. وحلقت طائرتان صغيرتان تحملان كاميرات لتصوير الحدث في الأعلى.

التف الصحفيون حول السجادة الحمراء، وقاموا بتصوير وإجراء مقابلات مع الفلسطينيين والأجانب العاملين في مجال الإغاثة داخل غزة.

أوقف حارس الأمن الخاص فتاة تبلغ من العمر 12 عاماً كانت تبيع بالونات على الباب. حيث إنها كانت تقف عند البوابة وتحجب مكان الدخول جزئياً بكراتها الملونة.

غادرت صباح حمد (30 عاماً) مع صديقاتها في الساعة 9:30 مساءً، رغم أن الفيلم لم يكد يبدأ بسبب تأخيره ساعة كاملة. وقالت بلا مبالاة: "لا يمكننا البقاء لوقت متأخر؛ لأننا فتيات"، في إشارة الى التقاليد المحافظة بغزة.

وقال أحمد غرباوي، أحد الضيوف الأستاذ الجامعي بإحدى الجامعات السعودية: "آخر مرة ذهبت فيها الى السينما في غزة كانت عام 1976"، وأوضح أنه عالق في غزة منذ عامين بسبب إغلاق الحدود من جانب مصر.

أصر وليد أبوجياب - المُمثل في مسلسل عن المقاتلين الفلسطينيين في قناة حماس "الأقصى" - على أن الأمر عكس ذلك. كان قد قدم لمشاهدة فيلم "آيدول" لكنه لم يتأثر به. وقال بدلاً من ذلك: "أتمنى أن يكون لدينا (سينما المقاومة)، التي تعزز ثقافة المقاومة ضد العدو".

في نهاية فيلم "آيدول" تُخطط الشخصية التي تُمثل محمد عسّاف في الفيلم للهرب إلى مصر، ويساعده في اللحظة الأخيرة أحد مُسلحي حماس الذي يحتضنه مُتمنياً له التوفيق.

وهو الأمر الذي دفع القاعة الخانقة للابتهاج والتصفيق. وتمكن مزين – مدير المهرجان - من إطفاء بعض أضواء القاعة ما أكسبه المزيد من التصفيق.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا