تأجيل اجتماع الصحفيين للمرة الثانية.. هل انهزمت الصحافة في مصر؟

تم النشر: تم التحديث:
EGYPT PROTEST
MOHAMED EL-SHAHED via Getty Images

أعلنت نقابة الصحفيين المصريين، السبت 14 مايو/أيار 2016، على لسان خالد البلشي، مقرر لجنة الحريات بالنقابة، تأجيل عمومية الصحفيين، الذي كان من المقرر أن يتم عقده الثلاثاء المقبل، لتعقد الأربعاء الذي يليه.


هل انهزمت الصحافة المصرية!


رغم مرور أكثر من 10 أيام على الجمعية العمومية التي عقدها مجلس نقابة الصحفيين المصرية في الرابع من مايو/أيار 2016، وما نتج عنها من قرارات وصفت بالتاريخية في أزمتهم مع وزارة الداخلية، في أعقاب اقتحام مقر النقابة والقبض على اثنين من الصحفيين من داخلها، إلا أن ما دار في الغرف المغلقة من ضغوط وصفقات، مارستها الأجهزة الأمنية بمساعدة أطراف لها داخل الجماعة الصحفية جعل المشهد يبدو متغيراً، وأصبح السؤال المطروح: "هل انهزمت الصحافة في مصر"؟

وبتحليل المشهد خلال الفترة الماضية نجد أن هناك عدداً من المحطات التي توضح مصير الأزمة، وما حدث من تطورات عقب المشهد المهيب لأكبر تجمع في تاريخ النقابة منذ 20 عاماً، تكشف عن الضغوط التي مُورست وما نتج عنها، وتعطي ملمحاً لمستقبل تلك الأزمة.


تراجع المؤسسات الصحفية في الالتزام بقرارات الجمعية


وتعد أولى المحطات التي كانت بداية مؤشر لتراجع قوة النقابة في تخلي عدد من المؤسسات الصحفية عن دعمها والالتزام بقرارات الجمعية العموية، وهي من الظواهر التي أعطت مؤشراً على ضعف موقف النقابة في أزمتها مع وزارة الداخلية، وكانت البداية من مؤسسة الأهرام القومية، التي أعلنت في عددها الأول عقب إصدار قرارات الجمعية العمومية عدم التزامها بتلك القرارات، وتلاها في ذلك باقي المؤسسات القومية، حتى انتقلت العدوى إلى المؤسسات الصحفية المستقلة.

وخلف تلك التراجعات ضغوط غير مسبوقة قام بها عدد من الأجهزة الأمنية والسيادية، وهو ما كشفته "هافينغتون بوست عربي" في تقريرها السابق عن الممارسات التي انتهجتها السلطات المصرية لكسر موقف الصحفيين، وإجبار المؤسسات الصحفية على التراجع عن طريق تهديدات واضحة لمُلاك الصحف الخاصة، بعد أن استجاب رؤساء تحرير الصحف القومية بمكالمات تلفونية تحمل أوامر مباشرة وإلا التغيير سيكون قريباً لمن يرفض الامتثال.

ويكفي أن نشير لما حدث مع آخر الصحف الخاصة التي قامت بتغيير موقفها من قرارات الجمعية العمومية، إذ أعلن رجل الأعمال المصري صلاح دياب، مؤسس جريدة "المصري اليوم"، أن ما قامت به الجريدة غير مقبول، ودخلت فى مواقف وتصرُّفات هي في جوهرها واجب الأحزاب السياسية، ومجلس النواب، والأجهزة القضائية في الدولة، مؤكداً أن مثل هذا الخلط بين أدوار الأجهزة والمؤسسات هو واحدٌ من الأمراض السائدة التي لم يكن واجباً على "المصرى اليوم" الوقوع فيها.

وربط عدد من المراقبين للمشهد الصحفي، بين موقف دياب الذي جاء في يوم 11 مايو/أيار، وبعد أقل من 24 ساعة من إعلان وزارة الداخلية تنفيذها قرار استرداد أراضٍ مساحتها 24 ألف مترمربع، قيمتها نحو 800 مليون جنيه من شركة "أواسيس" الترفيهية المملوكة لرجل الأعمال صلاح دياب، كانت ضمتها إلى مقرها المجاور لمنطقة "الشيراتون" منذ 2011 دون سداد قيمتها، وتم تسليمها إلى سلطات مطار القاهرة، وهو ما وصفه هؤلاء المحللون بأنها التهديات المبطنة التي وصلت إلى مُلاك الصحف الخاصة ولم يلتزم بها دياب إلا بعد تنفيذها.


انقسام مجلس النقابة


ومن أكثر المشاهد التي دللت على تراجع صلابة موقف الصحفيين في أزمتهم أمام الداخلية، هو الانقسام الذي حدث داخل مجلس النقابة، وذلك بمشاركة 5 من أعضاء المجلس فيما أطلق عليه اجتماع "تصحيح المسار"، أو اجتماع الأسرة الصحفية كما تم تغير اسمه لاحقاً، وتضمن اللقاء الدعوة لجمع توقيعات لسحب الثقة بمجلس النقابة.

وحاول أعضاء النقابة الخمسة تبرير موقفهم في اليوم التالي عقب الهجوم الحاد الذي تعرضوا له من شباب الصحفيين، إلا أن موقفهم أحدث هزة داخل الجماعة الصحفية، وكان مادة خصبة لداعمي الدولة من الهجوم على موقف الصحفيين، والمطالبة بالتراجع عن مطالبهم، وهو ما حدث جزئياً بإعلان يحيى قلاش، نقيب الصحفيين، أنه ليس مع طلب اعتذار من الرئاسة، رغم أنه أحد قرارات الجمعية العمومية.


وساطة البرلمان ليس في صالح النقابة


ومن الأمور التي أضعفت موقف النقابة أيضاً، موقف مجلس النواب، الذي ظهر في مشهدين أساسيين: الأول هو الجلسة النقاشية التي عقدها المجلس الأحد الماضي، والتي حملت انتقادات واسعة للصحفيين ومجلس نقابتهم، وتضمنت كلمات هجومية للنواب العاملين بالصحافة، وهم من ذكرهم بالتحديد مجلس النقابة في قراءته لقرارات الجمعية العمومية يوم 4 مايو/أيار، ومطالبتهم بتبني موقف النقابة.

والمشهد الثاني، هو التقرير الذي انتهت إليه لجنة الثقافة والإعلام التي فوضها المجلس لمتابعة الأزمة، حيث تغاضى التقرير عن تحديد موقف محدد بشأن الواقعة، وتجنب الحديث عن واقعة الاقتحام مبرراً ذلك بأننا أمام واقعة قانونية، ولم يقدم إلينا مجلس النقابة أي أدلة على تلك الواقعة حتى نتعامل معها.

وأكد النائب البرلماني تامر عبدالقادر، وكيل لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، "إننا وجدنا أنفسنا في اللجنة أمام أمر قانوني وليس واقعة اقتحام لأننا لا نملك دليلاً، وكنت سأتقدم بطلب إحاطة ضد وزارة الداخلية في بداية الأمر، ولكن حينما طلبت تفريغ الكاميرات، أو الصور الفوتوغرافية لم أجد ما تمنحه لي النقابة، وحينما طلبت أيضاً فردي الأمن لسماع شهادتهما خرجا على الهواء وأكدا أنه لم يحدث شيء، وكذلك بيان النائب العام خرج ليؤكد أن الواقعة قانونية، وبالتالي إذا كان لدينا حق كصحفيين ولكن لا يوجد دليل فإننا أمام واقعة قانونية".

وعن تفاصيل التقرير النهائي الذي تقدمت به اللجنة إلى هيئة مكتب المجلس، قال عبدالقادر في تصريحات صحفية إن التقرير النهائي تضمن كافة الشهادات والأقوال والوقائع المرتبطة بتلك الأزمة، دون إدانة أو تبرئة وزارة الداخلية من واقعة الاقتحام، حيث تضمن التقرير رصداً واستعراضاً لكافة الوقائع المتعلقة بالأزمة، في 3 محاور: الأول منها إرفاق شهادات نقابة الصحفيين بشأن الأزمة، وكافة البيانات الصادرة عن المجلس والوقائع والقرارات التي اتخذها، ونتائج الاجتماعات التي عقدها المجلس مع نواب من أجل الوساطة لحل الأزمة.

وتابع: "المحور الثاني للتقرير تم خلاله إرفاق كافة البيانات الصادرة عن وزارة الداخلية ورؤية المسؤولين بالوزارة لتلك الأزمة والدوافع الخاصة بهم للقبض على عمرو بدر ومحمود السقا من داخل النقابة، وفي الثالث تم إرفاق البيان الصادر من قبل النائب العام المستشار نبيل صادق، حول الوضع القانوني لتلك الواقعة، دون التطرق لكتابة الرأي الخاص باللجنة في التقرير".


الفرصة الأخيرة تتبخر.. وغضب مكتوم


وعن الفرصة الأخيرة لمجلس النقابة من أجل التصعيد، وهو عقد الجمعية العمومية المنتظرة الأربعاء القادم، بعد أن تم تأجيلها للمرة الثانية، قد تبخرت، فيما يؤكد المراقبون أنه رغم هشاشة الموقف الحالي إلا أن هناك مكاسب تحققت للصحفيين في تلك الأزمة، أهمها صحوة شباب الصحفيين، وهنا نرصد كيف تعامل هؤلاء الشباب مع إحدى النائبات بمجلس النواب، التي قالت: "الصحفيين عاوزين الدبح"، حيث قاموا بحملة ضدها على الشبكات الاجتماعية سرعان ما انتقلت إلى أخبار على المواقع، وهو ما اضطرها للاعتذار والتراجع.

وتبقى كل الاحتمالات مطروحة لنهاية تلك الأزمة، في ظل مؤشرات عن تنازل النقابة أمام صفقة تحفظ ماء الوجه أمام شباب الصحفيين.