هل باتت أيام أنغيلا ميركل في الحكم معدودة؟

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
Social Media

تلقت أنغيلا ميركل، أهم السياسيين في أوروبا، ضربةً قوية هذا الأسبوع من معسكر "بركسيت"، المدافع عن فكرة انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، لمحاولتها فرض سيطرتها في حضرة ديفيد كاميرون. إنها تمرّ بمرحلةٍ صعبة منذ اندلاع أزمة اللاجئين السوريين في ألمانيا، ويبدو أن أيامها في الحكم باتت معدودة. ولكن هل تستحق ميركل ذلك؟

ربما، وربما لا. في مثل هذه الأوقات الصعبة، ربما نفتقد ثقة ميركل وثباتها بعد أن تنسحب من الحياة السياسية.

لقد تأثرت حياة ميركل الشخصية بمجرى التاريخ بشكل مباشر. فقد ولدت في هامبورج لأسرة من اللاجئين الذين نزحوا من الشرق بعد الحرب. تحوّل والدها من الكاثوليكية إلى البروتستانتية اللوثرية، فعاد بأسرته إلى ألمانيا الشرقية ليتسلم وظيفة قس بالكنيسة اللوثرية.

نشأت أنغيلا الصغيرة في ألمانيا الشرقية التي اختفت مع انهيار جدار برلين عام 1989، مما ساعدها على أن تصبح المستشارة الألمانية الأقوى منذ عام 2005 وحتى الآن.

ولكن إلى متى؟ كانت قد خططت أن تعتزل بعد 10 سنوات، كما يقول مقرّبون، وكانت ترى أن هيلموت كول ومارجريت تاتشر قد بقيا في الحكم أكثر من اللازم.
لقد أصبح زملاؤها في الاتحاد المسيحي الديمقراطي CDU وكذلك في الحزب الديمقراطي الحر FDP يشعرون بعدم الارتياح، بالإضافة إلى أن الأحزاب المنافسة بدأت تكتسب شعبية. وهي شارفت على الثانية والستين من العمر.

ولكن من يمكنه أن يخلف ميركل؟ تقول دير شبيجل إنها ستخوض الانتخابات للمرة الرابعة في عام 2017. سيحتاج ديفيد كاميرون أو من يخلفه إلى حليف ناضج في برلين للتباحث معه حول المستقبل. وسيصاب سياسيو أوروبا من أمثال نيجيل فراج بالقلق.

منذ عدة أيام استمعت إلى نيل ماكجريجور، المدير السابق للمتحف البريطاني، يلقي محاضرةً عن ألمانيا ما بعد الحرب، تحدّث فيها عن استعداد ألمانيا لمواجهة الجانب المظلم من تاريخها أكثر من جيرانها.

سيتوجه إلى برلين لتحويل مبنى "قصر برلين"، والذي تم تجديده مؤخراً بعدما دمّرته الحرب، إلى مركز لكنوز ألمانيا التاريخية في "جزيرة المتاحف”.


استقبال اللاجئين لم يكن عملاً خيرياً


ولكن ماكجريجور أوضح في محاضرته أن تعامل ميركل مع اللاجئين السوريين وغيرهم ممّن تدفقوا على ألمانيا العام الماضي لم يكن عملاً خيرياً. فمعظم العائلات الألمانية تنتمي لآباء من اللاجئين الذين نزحوا بعد هزيمة 1945 وترسيم الحدود الشرقية. لقد كان الأمر أشبه بنزوح جميع سكان كندا إلى المملكة المتحدة!

وأضاف ماكجريجور أن ميركل لديها حاسة قوية للتوافق، فهي التي كانت تدافع يوماً عن الطاقة النووية، اضطرتها المعارضة الشديدة للتراجع. يرجع هذا إلى تاريخ ألمانيا المجزّأة، فألمانيا تألفت من 360 إمارة صغيرة كانت تتمتع بنوع من الاستقلال تحت حكم الإمبراطورية الرومانية.

كان الأمراء يقومون بانتخاب الإمبراطور، كما يشير ماكجريجور. كان النظام أن يتم انتخاب البابا ليكون حاكماً مطلقاً من قبل الكرادلة. في ألمانيا خلقت الحاجة إلى حلٍّ وسط على مدى 1000 سنة حتى قام نابليون في 1806 بالقضاء على إمبراطورية هابسبورج في جنوب شرق أوروبا. الإمبراطور لم يستطع أن يفرض إرادته.

وبعبارة أخرى، كما قال ماكجريجور، لو كان مارتن لوثر قد ولد في إنجلترا أو فرنسا لكان أُحرِقَ. ولكن في الإمارات التي تألفت منها دولة ألمانيا في ما بعد، قام الأمراء البروتستانت بحماية طليعة الإصلاح الأوروبي من انتقام الكنيسة الكاثوليكية.

ربما يدلّكم هذا على ما أعنيه في موضوع انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي. إن الذين يعيشون على جزيرةٍ لها ماضٍ إمبريالي ودولة مركزية لديهم قدرٌ أكبر من الاستقلالية من أولئك الذين طالما تقلبت بهم الأحوال عبر القرون.


لم يتخلصوا من كل النازيين


لم تقم ألمانيا بعد عام 1945 بالتخلّص من جميع المسئولين النازيين كما يدّعي الألمان أحياناً. لقد كانوا من الأهمية بمكان، كما يرى البريطانيون والأميركان أيضاً.

لقد انتظرت أن يعترف ماكجريجور في محاضرته أن القوى المركزية نشأت كرد فعل على فوضى العصور الوسطى في ألمانيا. وقد وحّد بيسمارك البروسي ألمانيا في الإمبراطورية الثانية عام 1871 "بالحديد والدم”.

وقد سبقه في ذلك تشارلمان في الأولى، ولحقه هتلر في الثالثة. هذا وقد تحوّل بيسمارك من داعية حرب إلى داعية سلام بعد فوات الأوان، وانهار النظام بالكامل بعد وفاته عام 1918.

إن ميركل شخصية ألمانية من نوع مختلف. ولكنها أساءت التقدير في مسألة اللاجئين، مما تسبّب في انخفاض شعبيتها. كما تسبّبت اتفاقيتها مع تركيا التي تقضي بغلق الحدود لمنع تدفق المزيد من اللاجئين في المزيد من القلق.

هل ستتمكن ميركل من الحفاظ على موقعها حتى عام 2020؟ ربما تضطر إلى ذلك، إذا لم تقع أوروبا فريسةً في أيدي قيادات من أشباه دونالد ترامب. يقول إينوك باول إن كل المسارات السياسية تنتهي بالفشل. لكن السعي وراء التوافق له أخطاره أيضاً ويتسبّب في ردود فعل خاصة، كما نرى الآن جميعاً.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.