هل من حل لأزمة شُحِّ السيولة في ليبيا؟!

تم النشر: تم التحديث:
LYBYA
huffpost arabi

بدأت المصارف في ليبيا إغلاق أبوابها أمام الزبائن، ليس لسوء الوضع الأمني، بل لنقص السيولة النقدية، وهذا ما أثر سلباً على حياة المواطنين الذين أصبحوا عاجزين عن توفير احتياجاتهم اليومية، ووضعت المصارف التجارية قيوداً على السحب إما بخفض قيمة السحب التي تراوحت بين 300 إلى 500 دينار للشخص الواحد، وإما بفتح السحب في أيام محددة من الأسبوع.


أسباب نقص السيولة




lybya

وفي تصريح لـ "هافينغتون بوست عربي"، عزا مدير مكتب الإعلام بمصرف ليبيا المركزي عصام العول، أسباب نقص السيولة النقدية، إلى تدهور الوضع السياسي في البلاد، وإغلاق مسلحين لحقول وموانئ نفطية منذ 2013، في وقت يعتمد المصرف فيه على إيرادات النفط بنسبة تصل إلى 97%.

وأضاف العول أن من رجال الأعمال والمواطنين من سحب أمواله من المصارف، في المدة الماضية، لغياب الثقة بينهم وبين المصارف، وخوفاً من نقص السيولة، بحسب العول.

في حين، نفى أحد كبار رجال الأعمال في ليبيا حسني بي لـ"هافينغتون بوست عربي" أن يكون لرجال الأعمال علاقة بأزمة السيولة، وأوضح بي أن المصرف لا يقدم في الوقت الحالي أي خدمات لرجال الأعمال؛ لذلك لا يحق للمصارف إلزام رجال الأعمال بإيداع أموالهم لديها إلا في حال تقديم الخدمات لهم، مبينا أن المصرف المركزي يعتمد على إيرادات رجال الأعمال بما نسبته 15% في الحد الأقصى.


تراكمات والتزامات


وفصّل حسني بي أسباب الأزمة قائلاً: "إن الدولة لديها التزام شهري بدفع مرتبات العاملين في القطاع العام "الجيش، والشرطة، والصحة، والتعليم، والمؤسسات، والهيئات"، وهذا لا يشمل الشركات العامة، وهذا الالتزام يقدر شهريا بـ 1.7 مليار دينار ليبي أي ما يعادل 21 مليار دينار سنويا، وهذه المبالغ تُدفع عن طريق البنوك بأمر من الخزانة العامة".

وأضاف حسني بي، أن الخلل يتمثل في إرسال المركزي الأوامر بالدفع دون طرح ما يقابل ذلك من خدمات، وهذا ما خلق أزمة عدم التوازن بين العرض والطلب؛ لأن المركزي لا يستطيع تغطية 1.7 مليار دون تقديم الخدمات للمصارف التجارية من "اعتمادات مصرفية، والتزامات خارجية"، وهذا ما أدى إلى تعذر ضخ الأموال التي تخرج من المصارف بنظام المرتبات؛ لأنه لا تدخل في مقابلها إيرادات.

وعدّ حسني بي إلزام المركزي المصارف التجارية بدفع 1.7 مليار دون أن يقدم خدمات لها ضرباً من الخيال؛ لأن المسؤول الوحيد عن تقديم الخدمات هو المصرف المركزي، الذي يجب عليه كذلك أن يقدم خدمات شهرية تغطي 1.7 مليار دينار لعدم خلق تراكمات مالية تعجز عنها المصارف.



lybya

صورة توضح اصطفاف الناس لسحب الأموال


قرارات غير مدروسة


ووفقاً للخبير الاقتصادي بشير الويفاتي، فإن السبب الرئيس لنقص السيولة واستمرار ذلك في المصارف التجارية في ليبيا، هو صدور قرارات غير مدروسة من المؤتمر الوطني سنة 2013 بإلغاء أسعار الفائدة المصرفية دون وجود حل بديل.

ويضيف الويفاتي أن صدور القرارات السابقة أفقد المصارف التجارية وكذالك المصرف المركزي دورهما بالتحكم في عرض النقود، ومن هنا توقفت عمليات الادخار وبدأت عمليات سحب الأرصدة المدخرة في الحسابات الجارية، فأصبحت بذلك المصارف أداة لصرف الرواتب والأجور دون غير ذلك من المهام، وهو ما أفضى إلى عجز المصارف عن أداء هذا الدور كذلك.

إلى ذلك، قال المدير العام لمصرف الجمهورية مصباح العكاري: إن العبث السياسي الموجود في ليبيا، واختلاف أطراف الصراع، واستمرار الحرب في مدن ليبية عدة، وإغلاق حقول وموانئ النفط، كل ذلك أدى إلى تفاقم أزمة نقص السيولة في المصارف، مضيفاً أنه يجب على المصرف المركزي أن يبحث عن حلول وبدائل لأزمة السيولة بدلاً من تضخيمها.


حلول


وقد اتخذ المصرف المركزي، في الآونة الأخيرة، تدابير من شأنها أن تساعد المواطنين في التغلب على أزمة نقص السيولة، من بينها: تفعيل خدمة نقاط البيع "POS" لأول مرة في ليبيا عبر مصرف الجمهورية والمصرف التجاري الوطني في خطوة أولى.

وكذلك أن يفتح المصرف الاعتمادات المستندية بسعر الصرف الرسمي، ويُميّز التجار والموردين الذين يحتفظون بأرصدتهم في حساباتهم المصرفية بعدم تحديد سقف مالي لهم عند سحبهم من المصارف، ويُسرّع عملية المقاصة بين فروع المصارف التجارية.


بدائل مستعجلة


فيما ذكر المدير العام لمصرف الجمهورية مصباح العكاري، أن من أفضل الحلول لأزمة نقص السيولة، هو توعية المواطن بقبول خدمة البطاقات الإلكترونية للحد من الأزمة في الوقت الراهن، ومستقبلاً.

وأضاف العكاري أنهم سيوفرون خدمة بطاقات السحب الإلكترونية "البطاقة الصديقة" في جميع المدن والمناطق التي تتوفر فيها خدمات الإنترنت، بمعدل 80% من فروع المصرف في جميع أنحاء ليبيا.


إعادة الفائدة


وقد بيّن الخبير الاقتصادي بشير الويفاتي، خلال حديثه مع "هافينغتون بوست عربي"، أن المصرف المركزي لن يتمكن من التغلب على أزمة نقص السيولة إلا بإلغاء قرار المؤتمر الوطني إلغاء الفائدة المصرفية، إلى حين إيجاد حل بديل، وبيع سندات خزانة للمواطنين بغرض امتصاص السيولة المخزنة لديهم، وتقييد صرف العملة الصعبة للمواطنين.

وعلى المصرف المركزي إقامة حملات دعائية عبر وسائل الإعلام لاسترجاع ثقة المواطنين في المصارف التجارية، وحثهم على إعادة أموالهم إلى حساباتهم في المصارف، للحد من نقص السيولة، بحسب الويفاتي.


إيقاف الدعم


وطالب رجل الأعمال المعروف حسني بي بضرورة إيقاف الدعم الذي تقدمه الدولة للمحروقات الذي تبلغ قيمته 6 مليارات دولار أي ما يعادل بالدينار الليبي حوالي 8.5 مليارات دينار، دون الخدمات، ويدخل من هذه القيمة للمصارف ما قيمته 1.5 مليار دينار فقط، أما 7 مليارات فهي قيمة مفقودة، بحسب حسني بي.


ضخ النفط


في حين يرى أستاذ الاقتصاد يوسف بوراس، أن الحل يتمثل في رجوع عمل المؤسسات النفطية بطاقتها الكاملة، والتي تنتج حوالي مليون و700 ألف برميل يوميا.

ويضيف بوراس أن دخول قيمة مالية يومياً من صادرات النفط سيساهم في ضخ العملة الأجنبية في المصارف التجارية وتوفر السيولة في المصارف التجارية.


وعود حكومة الوفاق


ويعقد المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الناتجة عن الاتفاق السياسي الليبي، لقاءات متكررة مع محافظ مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير، ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك، ومديري المصارف التجارية، وقد وعد المجلس بمعالجة أزمة نقص السيولة، وإعادة إنتاج النفط والغاز وتصديره في أقرب وقت.

يُذكر أن المصارف التجارية في ليبيا، تعاني منذ أشهر من نقص السيولة النقدية، الأمر الذي أدى إلى ازدحام المواطنين أمام المصارف، قبل أن تغلق معظمها أبوابها في الآونة الأخيرة.

وتعتبر هذه الأزمة هي الثانية من نوعها في ليبيا بعد أزمة 2011 التي شحّت فيها السيولة أكثر من ستة أشهر متواصلة، غير أن بوادر انفراج هذه الأزمة تُعدّ ضئيلة على المدى القريب؛ إلا إذا اتفقت أطراف النزاع السياسي على حلها.