بلا أحكام ضدهم ...تونسيون تحولت بيوتهم لسجن قسري وخروجهم خط أحمر

تم النشر: تم التحديث:
WZARTADDAKHLYTATTWNSYH
سوشال ميديا

عشرات التونسيين أصبحوا سجناء في بيوتهم بدون أحكامٍ قضائية أو بسبب أحكام قضائية عوقبوا عليها بالفعل.

بدأت قصتهم في السادس والعشرين من شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2015 وبعد يومين من هجوم انتحاري تبناه تنظيم "داعش" الإرهابي واستهدف حافلة للأمن الرئاسي في شارع محمد الخامس بقلب العاصمة تونس، أعلن وزير الداخلية السابق ناجم الغرسلي على إثرها عن الشروع في وضع التونسيين العائدين من بؤر التوتر قيد "الإقامة الجبرية" في تفعيلٍ لأمر رئاسي يتعلق بتنظيم حالة الطوارئ أصدره الرئيس السابق الحبيب بورقيبة سنة 1978.

و ينصّ هذا الأمر في فصله الخامس على أنه "يمكن لوزير الداخلية أن يضع تحت الإقامة الجبرية في منطقة أو ببلدة معينة أي شخص يقيم بإحدى المناطق المفروض بها حالة الطوارئ يعتبر نشاطه خطيراً على الأمن والنظام العامين بتلك المناطق ويتعين على السلطات الإدارية اتخاذ كل الإجراءات لضمان معيشة هؤلاء وعائلاتهم."


ليس انتقاماً


وبالرغم من تأكيد وزير الداخلية التونسي حينها أن هذا الإجراء "ليس انتقاماً" بقدر ما يسهل عملية تحديد وحصر تحركات هذه العناصر القادمة من الخارج والتي يمكن أن تشكل خطراً على الأمن العام، إلا أن العديد من الحقوقيين التونسيين أعربوا في الآونة الأخيرة عن قلقهم من طريقة تفعيل هذا الأمر لاسيما فيما يتعلق بفرض "الإقامة الجبرية" على أشخاص لم تصدر في حقهم أي أحكام قضائية متعلقة بالإرهاب ومنهم من لم يغادر طيلة حياته التراب التونسي وهو ما يطرح أكثر من سؤال حول قانونية هذا الإجراء.


اعتداء على الحريات العامة


المحامي وكاتب عام مرصد الحقوق والحريات بتونس مالك بن عمر اعتبر في تصريح "لهافينغتون بوست عربي" أن المرصد وثق بالصوت والصورة شهادات لعشرات من المواطنين التونسيين ممن أطلقوا نداءات استغاثة للجهات الحقوقية بعد أن تم تقييد حرياتهم وتحركاتهم تحت مسمى "قانون الطوارئ " كما تسبب وضعهم "تحت الإقامة الجبرية" في قطع أرزاقهم وتدمير حياتهم دون توجيه أي تهم ضدهم أو صدور قرار قضائي في الغرض بل فقط لمجرد الاشتباه.

ويضيف: "رغم أن الدولة مجبرة على ضمان معيشة هؤلاء الأشخاص وعائلاتهم حسب منطوق الفصل الخامس من الأمر المنظم لحالة لطوارئ، فقد تم تجاهل هذا الأمر خاصة بالنسبة للذين دعتهم وزارة الداخلية إلى عدم مغادرة المنزل وهو ما يعد خرقاً صارخاً للقانون واعتداءً على حقّهم في الحياة".


شهادات حية


حالة فريد رحومة وهي واحدة من عشرات الحالات التي سلط عليها مرصد الحقوق والحريات في تونس الضوء والتي أكد أصحابها أنه تم الزج بأسمائهم في قوائم العائدين من بؤر التوتر كسوريا والعراق رغم أن قدمه لم تطأ أياً من هذه البلدان ويؤكد فريد وهو متزوج وأب لثلاثة أبناء ويعمل في مجال الوساطة الجمركية منذ 20 عاماً.

ورغم أن القضاء برّأه من تهمة متعلقة بالإرهاب في شهر يونيو/ حزيران 2016 وعاد فعلياً لممارسة عمله والتنقل بحرية لكن منذ تاريخ الهجوم الإرهابي الذي استهدف حافلة الأمن الرئاسي في نوفمبر 2015 وضع قيد الإقامة الجبرية ووجد نفسه سجين منزله بشكل قسري انقطع على إثره عن مزاولة عمله وأصبحت قدرته على توفير لقمة العيش لأبنائه وزوجته مهددة.


خروقات قانونية "خطيرة"


عضو المرصد التونسي للحقوق والحريات مالك بن عمر.. اعتبر أن الجهات الأمنية وأعوان الضابطة العدلية بوزارة الداخلية المكلفين بتنفيذ قرار الإقامة الجبرية على الأشخاص رفضوا تسليم المعنيين نسخاً من القرارات القاضية بوضعهم تحت الإقامة الجبرية "مما يعني حرمانهم من حقهم في التظلّم لدى الجهات القضائية المختصة" حسب قوله.

كما أكد في ذات السياق أن أحد موكليه من الذين شملهم قانون الطوارئ أجبر على البقاء لمدة ثلاثة أشهر كاملة سجين جدران منزله مما أدى لفقدانه لعمله ومصدر رزقه رغم أنه لم ينتم لأي تنظيم أو تيار ديني متشدد ولم يصدر في حقه أي حكم قضائي يدينه.


تقارير أمنية ووشايات


ويرى بن عمر أن العشرات من المواطنين الذين تم وضعهم تحت "الإقامة الجبرية" لم يسافروا مطلقاً خارج البلاد بل اتخذ الإجراء ضدهم بناء على تقارير أمنية حررت في مراكز شرطة أو وشايات وبلاغات كيدية.

ويضيف: "رصدنا من خلال مرصد الحقوق والحريات بتونس أن هناك من الأشخاص من لم تصدر في حقهم بتاتاً أي أحكام قضائية متعلقة بالإرهاب ومنهم من اتهموا فعلياً لكن المحكمة برّأتهم ومنهم من حوكم وقضى عقوبته وخرج وهذا يدل على أن هذا الإجراء اتخذ بشكل عشوائي ولايستند لأي حجة قضائية ثابتة".

الخروقات القانونية في تطبيق هذا الإجراء.. يقول عنها مالك بن عمر أنها لا تقف عند ذلك الحد بل تتجاوزها لمستوى حقّ هذا الشخص في الدفاع عن نفسه والاتجاه للقضاء حيث أنه يحرم من تسلّم وثيقة أمنية مكتوبة تثبت أنه تمت إحالته بموجب قانون الطوارئ على الإقامة الجبرية بل تكتفي الجهات الأمنية بإعلامه بالقرار شفاهياً وهو مايحرمه من حقه في التظلم والتقاضي لدى المحكمة الإدارية. خرق آخر وصفه عضو مرصد الحقوق والحريات في تونس ب"الأخطر" حسب قوله ويتعلق بالأمر الذي ينظم حالة الطوارئء والذي يقضي بأن كل التدابير التي تتخذ في هذه الوضعية تنتهي بانتهاء حالة الطوارئ والحال أنه حتى اللحظة لايزال جارياً تطبيقُه على الأشخاص.

ويختم بن عمر قائلاً: "نحن لسنا ضد اتخاذ تدابير أمنية بهدف حماية أمن البلاد لكن لابد من الرجوع للقضاء الذي يجب أن يكون الجهة الوحيدة التي يمكن لها أن تحدَّ من حريات المواطنين، لتقتصر مهام وزارة الداخلية على تنفيذ الأحكام القضائية فحسب".


خرق القانون


مرصد الحقوق والحريات.. أكد في تقرير صادر له عن وجود نحو 138 تونسياً وضعوا تحت الإقامة الجبرية ورأى بحسب ما جاء في التقرير أن الداخلية عجزت على أن تقدم للقضاء ما يثبت تورط هؤلاء فعلياً في عمليات إرهابية أو أنهم يشكلون خطراً على الأمن العام أو حتى أنهم كانوا يقاتلون فعلياً في مناطق النزاع المسلح.

كما اعتبرت أن الداخلية استندت في قراراتها إما على شبهات دحضها القضاء في وقت سابق أو شبهات ثابتة لكن حوكم بموجبها المعني بالأمر وفصل القضاء في أمره.

كما حذر المرصد في ذات السياق من استغلال حالة الطوارئ للتعدي على الحـريات الــفردية والحقوق التي كفلها الدستور التونسي لجزء هام من المواطنين حرموا من حق العمل والدراسة والعلاج والتنقل داعياً الجهات الأمنية المختصة إلى إعادة النظر في قرار وضع عــديد التونــســيين تـحت الإقــامة الجـبرية بعد ثبوت براءتهم من قضايا إرهابية وفي ظل غياب أي دليل مادي يثبت خطورتهم أو عودتهم من بؤر التوتر، بحسب ذات البيان.


ردّ الداخلية


من جانبه اتصل "هافينغتون بوست عربي" بخلية الإعلام بوزارة الداخلية للاستفسار حول وضعية التونسيين الذين تم وضعهم تحت الإقامة الجبرية وحول الاتهامات التي وجهها مرصد الحقوق والحريات للوزارة لكن لم يتلق أيّ رد.

يذكر أن حالة الطوارئ التي أعلن عنها في تونس منذ نوفمبر/شباط 2015 بعد الهجوم الانتحاري الذي استهدف حافلة للأمن الرئاسي وسط العاصمة لا تزال سارية المفعول بعد تمديدها لثالث مرة لثلاثة أشهر إضافية اعتباراً من تاريخ 23 مارس/آذار 2016 بحسب بيان كان قد صدر سابقاً عن رئاسة الجمهورية.