أرضى إيران وأزعج الحلفاء الإقليميين.. سياسة أوباما في سوريا بعثرت الشرق الأوسط

تم النشر: تم التحديث:
OBAMA ASSAD
ASSOCIATED PRESS

يعتقد كثيرون أن ليس لأوباما سياسة بخصوص سوريا، لكن ما يغفله البعض هو أنّ عدم وجود سياسة لأوباما بخصوص سوريا هو جزء من استراتيجية، بمعنى أنّ عدم وجود سياسة ليس حالة عبثية وإنما خطّة هدفت الى تمكين كل من روسيا وإيران وبعض الأطراف الكرديّة في المنطقة لملء فراغ سيتركه الانسحاب الأميركي.

الجانب الأميركي دأب منذ 5 سنوات على القول إن الأسد فقد شرعيته، وفقاً لما أوردته "الأناضول" عن الكاتب علي حسين باكير، لكنه لم يفعل شيئاً على الإطلاق حيال هذا الأمر. عندما اندلعت الثورة السورية في 2011، بقي الشعب السوري يُقتَلُ علناً دون أن يبدي أي مقاومة لمدة 6 أشهر، وعندما لم يفعل أحدٌ أي شيء لإيقاف هذا الجنون، بدأت عناصر جيش النظام السوري بالانشقاق، وتشكيل ما يُعرف باسم الجيش الحر، للدفاع عن المدنيين، ولم تكن هناك مجموعات متطرفة مسلّحة ولا قاعدة أو "داعش"، وهو أمر يتجنب كثيرون ذكره الآن.


الموقف السلبي الأميركي


ظلّت إدارة أوباما منذ عام 2011 حتى 2013 تبحث عن مبررات لموقفها السلبي من الثورة السورية مع تركيزها على أنها لا تريد أن تتدخل عسكرياً في سوريا رغم أنّ أحداً من السوريين لم يطالب بمثل هذا الأمر على الإطلاق. كل ما كانوا يطالبون به هو إمّا السماح بتزويد المدنيين بما يمكّنهم من الدفاع عن أنفسهم في وجه القتل الذي يتعرضون له من قبل الأسد وحلفائه، أو أن يتم منع الدعم الذي يتدفّق إلى الأسد من قبل إيران والعراق وحزب الله وروسيا، فتصبح المعادلة "الأسد في مواجهة الثورة".

لكن أوباما رفض تطبيق أي منهما، ورفض كذلك المطالب بإقامة منطقة آمنة، ومارست إدارته ضغوطاً على الحلفاء الإقليميين كي لا يزوّدوا الثوار بالأسلحة النوعية، وقامت كثيراً بإيقاف شحنات أسلحة كانت متجهة الى الجيش السوري الحر.

في عام 2012 سنحت فرصة تاريخية لأوباما لتغيير كل المعطيات في سوريا والمنطقة، لقد قام كل الأعضاء البارزين في مجلس الأمن القومي الأميركي (وزير الدفاع، وزير الخارجية، مدير المخابرات المركزيّة، رئيس هيئة الأركان) باقتراح لتسليح المعارضة السورية، إلا أنّ أوباما رفض اقتراح مجلسه!

ليس هذا فقط، لقد قدّمت (CIA) له في حينه خططاً مفصّلة تتضمن 50 خياراً لإخراج الأسد من السلطة.


إرضاء إيران


يقول مدير (CIA) آنذاك، ديفيد باتريوس، إنّه كان من الممكن لهذه الخطط أن تمنع استخدام الأسد للسلاح الكيماوي وأن تمنع ظهور "داعش" وأن توقف تدفق اللاجئين الى أوروبا وقتل مئات الآلاف من الناس، لكنّ أوباما رفضها.

لقد تبيّن فيما بعد أنّ أوباما كان مهتمّاً بإرضاء نظام ملالي إيران أكثر من اهتمامه بثورة الشعب السوري أو حريته أو بقيام نظام ديمقراطي في سوريا. ولأنه كان يخشى أن ينسحب الإيرانيون من المفاوضات السرّية فقد تجنّب كل ما من شأنه أن يثير غضب أو اعتراض الجانب الإيراني بما في ذلك طبعاً دعم المعارضة السورية أو الإطاحة بحليفهم الاستراتيجي في المنطقة بشار الأسد.

لم يكن هذا الأمر طارئاً بل كان امتداداً لسياسة سابقة. ففي عام 2009، شهدت إيران "الثورة الخضراء"، فتجاهل أوباما هذه الثورة وقام بالتواصل مع النظام الإيراني ما أدى الى تشجيع الحرس الثوري على قمع وإنهاء الانتفاضة الداخلية بوحشيّة دون مواجهة أية عواقب تُذْكَرْ.

وفي عام 2010 عقد أوباما صفقته الشهيرة مع ملالي إيران بخصوص العراق ما أدّى الى الإطاحة بالديمقراطيّة الوليدة في ذلك البلد، فبدلاً من أن يصبح إياد علّاوي رئيساً للوزراء، أحضرت الصفقة الأميركية – الإيرانية نوري المالكي، أسوأ ديكتاتور عرفه العراق على الإطلاق لاسيما من ناحية سياسته الطائفية والتهميشيّة والتقسيميّة التي ساهمت فيما بعد الى جانب سياسات الأسد في ولادة "داعش".

في 2011، العام الذي اندلعت فيه الثورة السورية، بدأت اللقاءات السرية بين الجانبين تتكثّف، ورغم أن عام 2012 شهد أكبر تدفق للميليشيات الشيعية بقيادة الحرس الثوري إلى سوريا لدعم الأسد بعلم ومعرفة الجانب الأميركي، فإن أوباما لم يفعل شيئاً، بل على العكس قرر في 2013 إجراء محادثات سرية مع إيران برعاية عُمان.


صفقة الكيميائي


خلال كل تلك المدّة، كان الأسد قد استخدام كل ما في ترسانته من أسلحة ضد الشعب السوري. وفي أغسطس 2013 تحدى الأسد كل العالم واستخدم السلاح الكيميائي ضارباً بخطوط أوباما الحمراء عرض الحائط. لقد كانت هذه اللحظة بمثابة فرصة أخرى لأوباما لتصحيح أخطائه الاستراتيجية، لكن بدلاً من أن يتم معاقبة الأسد والإطاحة به، قام أوباما بعقد صفقة الكيميائي مع روسيا.

يقول جون ماكين واصفاً الوضع: "لم يؤد ذلك إلى انتهاك كل التزام أخلاقي لنا بمنع وقوع الفظائع الجماعيّة ومعاقبة مستخدمي الأسلحة الكيميائيّة فقط، بل أدى أيضاً إلى إعطاء الأسد الضوء الأخضر لتسريع الحرب الطائفية ضد المعارضة السورية المعتدلة. وعلاوة على ذلك فقد أدى تقاعس الرئيس إلى تدمير مصداقية الولايات المتحدة لدى حلفائها العرب وإلى هز الثقة بأميركا لدى حلفائها حول العالم".

وبعد أقل من شهر فقط على استخدام الأسد للسلاح الكيماوي أجرى أوباما وروحاني محادثة هاتفية هي الأولى من نوعها منذ عام 1979، ومع نهاية العام كان الطرفان قد توصّلا إلى اتفاق وُصِفَ بالتاريخي.

في 2014، كانت إيران قد قررت مصير رئيس في العراق، وأسقطت رئيساً في لبنان، وعطّلت رئيساً في اليمن وأبقت رئيساً في سوريا. بمعنى آخر فقد سيطرت إيران على هذه البلدان سياسياً وعسكرياً دون أي رد فعل أميركي، فيما يبدو اعترافاً رسمياً لإيران بما كانت تطالب به لعقود.


إطلاق يد الروس


ركّزت إدارة أوباما بعد ذلك على إعطاء الروس دوراً أكبر في المرحلة اللاحقة، حيث كان الدور الروسي في الملف السوري قد بدأ بالتبلور بعد الصفقة الكيميائية، وأَخَذَ إطاراً رسمياً في بداية عام 2014 من خلال اتفاق جنيف-2 .

ولتبرير كل هذه الخطوات، قامت إدارة أوباما بالحديث عن استعدادها لدعم المعارضة السورية المعتدلة. لكن هذا القرار جاء متأخراً جداً، فقد أدّت سياسة أوباما لاسيما بعد المجزرة الكيماوية الى ولادة وتكاثر المجموعات المتطرفة في سوريا، وقد تم استغلال هذا الأمر لتبرير التقاعس ضد الأسد، وتبيّن فيما بعد أنّ الدعم المقدّم للمعارضة هو لـ"ذر الرماد في العيون"، فبرامج التدريب والتسليح لم يؤمن بها أصلاً وعمل على إفشالها.

في نهاية عام 2014، كانت إدارة أوباما تدعم (PYD)- الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني المصنّف إرهابياً- بشكل رسمي وعلني، وقامت بعد ذلك بسحب بطارية صواريخها من الحدود التركية ممهدةً الطريق للانخراط العسكري الروسي المباشر في الملف السوري بضوء أخضر وتشجيع من إدارة أوباما تحت شعار مكافحة الإرهاب.


أزعج الحلفاء الإقليميين


لقد أثارت توجّهات إدارة أوباما حنق حلفاء أميركا المفترضين في المنطقة كتركيا والسعودية، فقد أضرت سياساته هذه بأمنهم القومي، وقوّت من منافسيهم وأعدائهم، وفاقمت من تصدير المشاكل إليهم، وسمحت بتدمير سوريا تماماً وقتل مئات الآلاف من المدنيين وتهجير الملايين.

وعندما حاولت هذه الدول طرح الحلول كإقامة منطقة آمنة وتسليح المعارضة المعتدلة بأسلحة نوعيّة والضغط على الأسد لإخراجه من السلطة، رفضت إدارة أوباما ذلك بشدة وقامت بجعل موضوع محاربة الإرهاب أولويّة.

لقد كانت إدارة أوباما تعتقد أن التركيز على ملف الإرهاب سيؤدي الى تجاوز التناقضات بين مصالح روسيا وإيران من جهة ومصالح تركيا والسعودية من جهة أخرى، وعندها يصبح الجميع في خندق واحد ويتم تجاوز مشكلة الأسد.

لكنّ ما حصل هو العكس، فهذه الدول كانت تقول دوماً ما لم يتم إخراج الأسد فإنّ التطرف سيزداد والطائفية ستزداد والإرهاب سيزداد واللاجئون سيزدادون والوضع سيتدهور، ولن يكون هناك نتائج حقيقة في التركيز على "داعش" دون الأسد؛ لأنّ التنظيم نتيجة وليس سبباً لما يجري في سوريا.

في منتصف عام 2015، بدأت التحضيرات الروسية للتدخل العسكري في سوريا لصالح دعم الأسد، ورافقت اجتماعات فيينا-1 وفيينا-2 انطلاق العمليات العسكرية لتخدم هذه الفكرة وتعطي شرعية لدخول روسيا المسار السياسي والعسكري في سوريا. وكل ما جرى بعد ذلك هو لإضعاف المعارضة السورية المعتدلة أكثر وإنهاء الثورة السورية وإعادة إنتاج نظام الأسد.


فخور ببقاء الأسد


لقد روّجت الإدارة الأميركية لمقولة إن روسيا ستضغط على الأسد، وإنّ إيران ستتراجع وإنّ الجميع يجب أن يذهب الى التفاوض. ما حصل حقيقة بعدها هو أنّ الأسد لم يتعرض لأي نوع من أنواع الضغط، بل على العكس قامت روسيا بدعمه بشكل علني سياسياً وعسكرياً، كما قامت إيران علناً بإرسال المزيد من قواتها العسكرية ومن ميليشياتها الطائفية.

خلال المفاوضات في عام 2016، لم يتم إجبار الأسد حتى على تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بالتوقف عن استخدام استراتيجية التجويع ضد المدنيين والإفراج عن آلاف المعتقلين تعسفياً وإيقاف القصف بالبراميل واستهداف المنشآت المدنية عمداً كما ينص عليه القرار الدولي 2254.

في بداية مارس/آذار 2016، كان أوباما قد قال في مقابلة مع مجلة "ذا أتلانتك" إنه "فخور جداً" بعدم استهدافه للأسد بعد المجزرة الكيماوية، وفي نهاية مارس/آذار كانت إدارة أوباما قد وافقت على عدم مناقشة مستقبل الأسد في المفاوضات، وهكذا انتقل كلام الإدارة الأميركية من "الأسد يجب أن يرحل" في عام 2011 الى "الأسد لا يمكن أن يختفي فجأة"، ثم لاحقاً الى "لا مانع من بقاء الأسد لفترة معيّنة"، وصولاً الى الحقيقة الحالية التي تُقرُّ رحيل الشعب السوري وبقاء الأسد!