ماذا تعرف عن أشهر نحاتي مصر؟ تمثاله بيع بأكثر من نصف مليون جنيه استرليني

تم النشر: تم التحديث:
MUKHTAR MUSEUM
Web

لا ينحصر دور محمود مختار في أنه من طليعة رواد الفن التشكيلي والنحت في مصر، بل جدد الرجل بأنامله الفن الذي قدمه المصريون القدماء إلى العالم وبرعوا فيه وظل باقياً يقاوم الزمن.

فالنحت المصري القديم كان واجهة الحضارة، وبعد سنواتٍ طويلةٍ من الركود بسبب تبدل أحوال الإقليم والمستعمرين الذين لوّنوا مصر بألوانهم وأشكال تماثيلهم، عاد الفن التقليدي المصري إلى لونه القديم.

نجح مختار في تدشين لحظة النهضة الفنية الحديثة في مصر، ولم يكتف بذلك بل حوّل النحت والتمثال إلى فكرة سياسية تبارى أبناء البلد في دعمها لإقامة تمثال نهضة مصر في العام 1928.


"ضفاف النيل".. تمثال بـ 10 ملايين جنيه


واليوم يتذكر المصريون مختار صاحب تمثال الفلاحة ورياح الخماسين، الذي نجح فيه بتشكيل الرياح للمرة الأولى في تاريخ الفن الحديث، عندما تم بيع تمثال له مؤخراً بنحو 10 ملايين جنيه.

وباعت دار مزادات سوثبي البريطانية قبل أيام، التمثال الشهير “على ضفاف النيل” لمختار بسعر 725 ألف جنيه استرليني، أي ما يعادل 10 ملايين جنيه مصري، بعد أن كان مقدراً للبيع بـ 120 إلى 180 ألف استرليني، متخطياً بذلك التقديرات السابقة لبيعه في المزاد.

يصور التمثال امرأةً ريفيةً تحمل جرة مياه، وترمز إلى النضال من أجل الاستقلال السياسي وتحرير المرأة بمصر في العقود الأولى من القرن الـ 20، إذ كان مختار أول نحّات مصري يتجه إلى حكاية قصص مصر القديمة والحديثة.



msr


موهبة مبكرة


وُلد مختار في 10 مايو/أيار 1891 لعمدة قرية بمحافظة الغربية بدلتا مصر. كان يستمع إلى قصة أجداده الممتدين بنسبهم إلى الخليفة الراشد علي بن أبي طالب، وكأي طفل ريفي يقضي وقته على ضفة الترعة يصنع من الطين خيولاً وفرساناً وتماثيل صغيرة، ثم يحمل التماثيل إلى الفرن في البيت ليحرقها ويجففها.


هنا القاهرة.. الفن والنضال معاً


انتقلت الأسرة إلى العاصمة القاهرة في العام 1902 فتابع دراسته بها، وعندما أسس الأمير يوسف كمال مدرسة الفنون الجميلة في العام 1908، كان مختار في الـ 17 من عمره. ذهب لمقابلة ناظر المدرسة وطلب منه الانضمام وشفع طلبه بنماذج من تماثيله الصغيرة فتم قبوله على الفور.

لم يكن مختار طالباً خاملاً أو متفرغاً للدرس فقط، فقد شارك في العمل الوطني وتعرض مع طالب آخر للاعتقال لمدة 15 يوماً والفصل من المدرسة على خلفية مشاركته بالتظاهرات المناهضة للاحتلال الإنكليزي.

وفي العام 1910، اشترك في معرض لأعمال طلبة مدرسة الفنون الجميلة بنادي محمد علي، ولقيت أعماله إعجاب المسؤولين عن المعرض، فأرسله الأمير يوسف كمال إلى باريس لإتمام دراسته هناك. لكن الحرب العالمية الأولى (1914-1918) اضطرته للعمل في مصانع الذخيرة فكان يعمل 10 ساعات ليلاً في إعداد القنابل وحمل الذخائر.


تمثال النهضة.. المصريون يتبرّعون للفن


بعد انتهاء الحرب اندلعت في مصر ثورة 1919 التي تطالب بالاستقلال، وصنع مختار نموذج تمثال يرمز إلى هذه الثورة، وأعجب به أستاذه لابلاني في مدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة.

لفت التمثال انتباه النقاد الأوروبيين، فجسد الفلاحة يرمز إلى مصر التي تقف باعتزاز، أما التاريخ فيتمثل في أبي الهول الذي تلمسه مصر الفتاة بيد سحرية ليُبعث من جديد، وعرض مختار تمثاله في صالون باريس الشهير في العام 1920.

كان سعد زغلول في باريس يرأس الوفد الوطني لاستقلال مصر، وشاهد رجال الوفد أعمال مختار في متحف “غريفان” ومن بينها نموذج تمثال النهضة.

انتقلت أخبار التمثال إلى مصر، فكتب أشهر الزعماء والنخبة الوطنية “نداء إلى الأمة للاكتتاب لإقامة تمثال نهضتها”، وقدموا مختار للمصريين، فتحول إلى بطل قومي، وهي حالة لم تحدث لفنان مصري قبل مختار أو بعده، وأقيم احتفال بالقاهرة والإسكندرية لتدشين حركة الاكتتاب وتنافس الشعب في التبرع.



msr


مشروع قومي


جمع الأهالي 6500 جنيهاً، وتبرعت مصلحة السكك الحديدية بنقل الأحجار المستخدمة في صنع التمثال من أسوان إلى القاهرة، وخصصت وزارة "عبدالخالق ثروت الأولى" في العام 1922 مبلغ 3000 جنيه للعمل.

ثم تعثر العمل إلى أن جاء سعد زغلول رئيساً للوزارة الشعبية، ووقف ويصا واصف في البرلمان يدافع عن تمثال النهضة ويدعو الحكومة إلى تخصيص الاعتماد اللازم لاستكماله، لكن المشروع تعثر مجدداً بعد استقالة سعد من رئاسة الوزراء.

وظل على هذه الحال إلى أن جاءت وزارة عدلي يكن الثانية في العام 1927، وقرر البرلمان إجراء تحقيق في تعثر المشروع، واعتمد المبالغ اللازمة لإتمام التمثال، وتعاقدت الحكومة على إنجازه في 13 شهراً.

وفي عهد وزارة مصطفى النحاس الأولى 19 مارس/آذار - 25 نوفمبر/تشرين الثاني للعام 1928، انتهى العمل في التمثال وأقيم في ميدان باب الحديد (رمسيس حالياً)، وأزاح الملك فؤاد الستار عن التمثال في 20 مايو/أيار من العام 1928، وألقى رئيس الوزراء مصطفى النحاس باشا خطاب الدولة، كما ألقى أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدته التي قال فيها:

من يبلغ الكرنك الأقصري
ويبني طيبة أطلالها
ويسمع ثم بوادي الملوك
ملوك الديار وأقبالها
لقد بعث الله عهد الفنون
وأخرجت الأرض مثَالها

انتقل التمثال بعدها إلى مقره الحالي بجوار حديقة الحيوان في الجيزة أمام جامعة القاهرة.


إبداع وجوائز عالمية


عاش الفنان مختار قصة نجاح وتفوق وإبداع، فوضع فن النحت في أعلى مكانة في مجتمع كان يعادي صناعة التماثيل ويعتبرها امتداداً لصناعة الأصنام في تلك الفترة.

كما حظي فنه باحترام وتقدير الأوساط الفرنسية الرسمية، فكان أول فنان مصري يكسب جائزة من صالون باريس متفوقاً على فنانيها، إذ نال الميدالية الذهبية لمعرض الفنانين الفرنسيين السنوي الذي يقام في “غراند باليه” عن نموذجه المصغر لتمثال نهضة مصر.

وفاز بجائزة من معرض صالون باريس في العام 1925 عن تمثاله لأم كلثوم، وكتب النقاد الفرنسيون عن ميلاد فنان جديد يضيف أبعاداً مبتكرة لفن التمثال الحديث على أسس من التراث المصري القديم.

وفي العام 1930 بعد إنشاء تمثال نهضة مصر بعامين، عرض 40 تمثالاً في قاعة “برنهايم” بباريس كوجه الفن المصري المعاصر.

ومن أعمال مختار أيضاً تمثالان للزعيم سعد زغلول بالقاهرة والإسكندرية، وإيزيس والفلاحة - الحزن - المتسول - الأمومة - نحو الحبيب - مناجاة - العدالة - الإرادة - الخماسين وغيرها.


رحيل.. وخلود


بدأ المرض يناوش مروّض الغرانيت منذ العام 1931، وفي نهاية مارس/آذار من عام 1934 خرجت القاهرة تودّع محمود مختار.

ثم تكونت “جماعة أصدقاء مختار” من هدى شعراوي والشيخ مصطفى عبدالرازق وطه حسين وخليل مطران وغيرهم.

وقامت هذه الجمعية بجهود كبيرة لاستعادة تماثيل مختار من أوروبا وجمعها في مصر، ليضمها المتحف الذي يحمل اسمه ويضم 59 تمثالاً من روائع النحت المصري الحديث.