"شارلي إيبدو" و"كولونيا" تعمقان انشقاق اليسار الفرنسي بين الإسلام والعلمانية

تم النشر: تم التحديث:
FRANCE LEFT
الرئيس الفرنسي | PHILIPPE WOJAZER via Getty Images

تطرق أستاذ العلوم السياسية الفرنسي المقرّب من الحزب الاشتراكي، لوران بوفيت، إلى الخلافات والانشقاقات القائمة داخل اليسار الفرنسي، التي قد تكون الأعنف في تاريخه، على حد وصفه.

وبحسب صحيفة "لوموند"، الأوسع انتشاراً في فرنسا، فإن البرامج السياسية والاقتصادية هي سبب الخلاف على الدين والعلمانية، على خلفية الإرهاب وصعود الإسلام الراديكالي، خاصة بعد أن اشتعلت الجبهة الوطنية التي استولت عليها بعض الفئات الشعبية والناخبين المسلمين.


التوترات بعد "شارلي إيبدو"


نشأت التوترات الأولى في أعقاب الهجوم على صحيفة "شارلي إيبدو" الفرنسية الساخرة، من قبل الأخوان كواشي.

وفي يوم 23 يناير/كانون الثاني، أي بعد أقل من أسبوعين على الهجوم الذي خلّف 12 قتيلاً وجريحاً، قال الكاتب الصحفي في موقع "ميديا بارت" الفرنسي، أدوى بلينيل، إن الكاريكاتيرات الساخرة تم القضاء عليها.

وكتب مقالاً بالموقع يحمل عنوان: "نعم للرسومات ولكن"، معتقداً أن النقاش العام من قبل الرئيس اليساري لن يكون مدافعاً عن الرسومات الدينية الساخرة.

وأكد خلال لقائه مع قناة "فرانس بلوس" أنه يؤيد الرسومات الساخرة ويدافع عنها، ولكن الكراهية التي تتسبب بالسخرية من دين أو هوية لا يمكن أن يكون لها عذر ولا حس فكاهي، فاضحاً نفاق الصحفيين الفرنسيين.

وعقد بلينل، الذي هو أيضًا مؤلف كتاب "للمسلمين"، مؤتمراً جنباً إلى جنب مع الداعية السويسري طارق رمضان، في منطقة "بريتجني سور أروج" بباريس، بدعوة من جمعية لإدماج الشباب في الضواحي والمدن الأوروبية للحج في مكة المكرمة.

وفي مايو/أيار 2015، قال إيمانويل تود، الكاتب اليساري، في مقال له "من هو تشارلي؟"، الذي أحدث ضجة كبيرة في فرنسا، بعد مهاجمته التظاهرات العفوية المنددة بالهجمات الإرهابية، التي جاءت من قبل أناس من قمة المجتمع وليس من الفقراء والمحتاجين، والتي حاولت الحكومة أيضًا تسويقها على أنها أكبر تظاهرة في تاريخ فرنسا، واعتقد البعض أنها ضد الإسلام فقط.

وأفاد وقتها بأن رئيس الحكومة الفرنسية كتب أن البعض يريد أن يقلل من أهمية التظاهرات التي نظمت في المدن الفرنسية، لكن في الحقيقة هذه التظاهرات كانت عفوية وشعبية، والمبادرة جاءت من الفرنسيين أنفسهم الذين وقفوا وقفة واحدة أمام الإرهاب وليس الإسلام.

وأكد فالس في ذلك المقال أن المسيرات الشعبية التي جمعت نحو 4 ملايين فرنسي لم تكن موجهة ضد الإسلام والمسلمين، بل كانت مجرد صرخة من أجل الكرامة والتسامح وضد الإرهاب والجهاد باسم دين غُيّرت مفاهيمه وأصبح يعتدي على دولة القانون وعلى القيم الديمقراطية ويقتل اليهود والمسلمين.

ولفت إلى أزمة الحجاب التي ظهرت في أكتوبر/تشرين الأول 1989 في مدارس بفرنسا، حيث كان ليونال جوسبان في هذه الفترة هو وزير التعليم، وحاول إرشاد المدارس إلى انتهاج سياسة المناقشة والحوار، بدلاً من فصل الطلاب، تلك المبادرة التي رفضها 50 من ممثّلي الحزب الاشتراكي الذي يرأسه جوسبان، وطالبوا بحظر عام للحجاب.

ولكن بعد تدخل الحلفاء في العراق عام 1991 والحرب الأهلية في الجزائر تم التصويت، في عام 2004، على قانون حظر الرموز الدينية الظاهرة في المدارس.

هذه الأحداث الوطنية والدولية أحدثت تمزقاً كبيراً داخل اليسار السياسي والمثقفين. ولكن الهجمات من 7 يناير/كانون الثاني و13 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 تسببت في تصلب بعض المواقف ممن يدافعون عن الدين الإسلامي.

فجأة مَنْ كان يده للإسلام لم يمدها، كما يقول المهدي عوراي، عضو المجلس الوطني للحزب الاشتراكي.

فيما أكد مالك بوتيه، عضو الاشتراكي أيضًا، أن هناك موضوعات أخرى يمكن أن تصل لتقسيم العائلة الحزبية السياسية.

وأكد مالك أن معركة الحجاب التي جمعت بين اليسار العلماني الذي ينادي بالتعدد، واليمين المتطرف المعادي للإسلام والهجرة، على أن هذا التحالف بين الأعداء ضد عدو واحد مشترك هو القادر على تشكيل سياسة فرنسا العامة تجاه المسلمين مستقبلاً، الأمر الذي رفضه الكثير من اليساريين بالاندماج مع اليمين في أي حرب حتى ولو كانت ضد الإرهاب.

وكان إيمانويل ماكرون، وزير الاقتصاد الفرنسي المنتمي لليسار، أكد لمانويل فالس، رئيس الوزراء المنتمي لحزب اليمين، عدم ترشيح الأخير لهولاند، الرئيس الفرنسي اليساري، في الانتخابات المقبلة، وأن الأمر متروك للحزب الاشتراكي.

الأمر الذي أغضب فالس، الذي بدوره كان يريد أن يندمج الحزبان من أجل توحيد المجتمع، وهو ما قُوبل بالرفض من قبل الحزب اليساري الذي توجد به مشاكل عدة بالداخل.


المشاجرات بعد "كولونيا"


أصبح المسلمون كبش فداء لكل العداء العام في العالم عام 2016، بعد الاعتداءات الجنسية شمال ألمانيا بمدينة "كولونيا"، تجاه النساء الألمانيات، فهذه الهجمات تعبر عن البؤس الجنسي الذي يعيشه بعض الشبان المسلمين في بلادهم، مثلما حلل الصحفي الجزائري كمال داود في مقال له على "لوموند" الفرنسية.

وقال إريك فاسين، أستاذ العلوم السياسية بجامعة باريس، إن هناك تفسيرات جوهرية حول انتقاد المجتمع الفرنسي للأمر، ليس كون الموضوع تم ارتكابه من قبل مسلمين، وإنما هناك غرض سياسي لاستغلال الأمر لمصالح سياسية يسارية في فرنسا من أجل عودة التعامل مع المسلمين بمنظور العلمانية.

وهذا يعطي معنى لعنفهم، جملة اجتمع عليها أكثر من 20 عالم اجتماع، واتهم فاسين داوود، بأنه يقوم بتغذية الأوهام المعادية للمسلمين، وأن هناك عدوانية غير مسبوقة.

يوم 6 يناير/كانون الثاني، وعلى قناة "فرانس إنتر"، أكدت الفيلسوفة اليسارية إليزابيث بادينتر، أن الحجاب مأزق يلغي الحق في المساواة والأخوة، وأكدت أنه يجب على المجتمع ألا يخاف من الإسلام، بعدما أصبح سلاحاً ضد العلمانية، ويجب ترك الخوف جانباً.

من جانبه حذر نيكولا كاديني، المدير العام لمرصد العلمانية، اليساريين من معركة بين أنصار الدين الإسلامي ودعاه العلمانية؛ لأن الحزب سيصبح على شفا الانهيار بعد وجود انشقاقات بداخله.