جرّاح سوري: ما عادت الأكفان تكفينا في حلب

تم النشر: تم التحديث:
HALAB
YASSER AL-ZAYYAT via Getty Images

"بعض الناس يدعون راجين أن يأتيهم الموت عاجلاً غير آجلٍ ويريحهم من جحيم المدينة التي تحترق"، بهذه العبارة الموجزة وصف الدكتور أسامة أبوالعز، جراح عام ومنسق الجمعية الطبية السورية الأميركية، الوضع في مدينة حلب، وهو من الأطباء القلائل الذين بقوا في المدينة بعد أن هاجر العديد من زملائه ودُفن آخرون.

فالطبيب السوري الذي أصر على البقاء في حلب يقول في مقال نشرته "نيويورك تايمز": "إن الأكفان لم تعد تكفي الموتى في المدينة المنكوبة وعدد القتلى من الأطباء بلغ نحو 730، فبات بالمدينة الكثير من الجرحى والقليل من الأطباء والطائرات السورية والروسية تتخذ من المشافي لا المسلحين أهدافاً لها. فدمار حلب يتم على مرأى ومسمع العالم كله.


نص المقال


الأسبوع الماضي قصفت الطائرات الروسية والسورية مستشفى القدس شرق مدينة حلب المنقسمة، فتوفي ما لا يقل عن 50 شخصاً وجُرح 80 آخرون.

من بين الضحايا كان صديقي وزميلي د. محمد وسيم معاذ، الرجل الطيب الذي اعتنى بمرضاه وقدم قصارى جهده لمجتمعه. كان ينام في المستشفى خشية أن يحتاجوه في حالة طوارئ لإسعاف أطفال ورُضّع، فقد كان آخر طبيب أطفال في حلب.

كذلك توفي في القصف صديق آخر هو د. محمد أحمد الذي كان يحظى بحب زملائه وسكان المدينة. كان دوماً يتطوع في مجال الأطفال، يعلمهم كيف يقون أسنانهم من الأمراض في الحروب. كان هو الآخر أحد آخر 10 أطباء أسنان في شرق حلب.

وبهذا انضم الطبيبان وسيم وأحمد إلى قافلة تضم مئات من شهداء زملائي الأطباء السوريين الذي قتلوا خلال هذه الأعوام الـ5 المريرة من الحرب السورية.

فإحصاءات منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان Physicians for Human Rights" تشير إلى أن عدد قتلى الأطباء المتمرسين بلغ 730 على الأقل. باتت المشافي بالعاملين فيها أهدافاً سائغة للهجمات المتعمدة، فبعد يوم واحد فقط من قصف مستشفى القدس قُصِفَ مركز طبي أولي آخر كان يسعف 2000 شخص شهرياً، ولم تسلم من القصف الهمجي المتعمد المدارس والعيادات والمساجد كذلك في الأسبوع الماضي.

بصفتي أحد الأطباء القلائل ممن بقوا في سوريا، كنت شاهد عيان على خرق اتفاق الهدنة الذي أبرم في فبراير/شباط 2015، فمع أنه لم يخل من ثغرات، إلا أنه منح المدنيين السوريين متنفساً قصيراً من الجحيم الذي عاشوه طيلة 5 سنوات.

حتى أن الناس بدأت تتعافى خلال فترة الهدنة، والبعض بدأوا يستعيدون حياتهم من جديد، لكن هيهات، فما إن وقفت المدينة على ساق واحدة حتى عاجلتها ضربة أهوت بها أرضاً بلا حراك.

يصعب وصف الحياة في حلب وانتظار الموت فيها، فبعض الناس يدعون راجين أن يأتيهم الموت عاجلاً غير آجلٍ ويريحهم من جحيم المدينة التي تحترق، فالقصف بلغ مداه، ففي هذا الأسبوع ساعدت في دفن رجل تفحّم جسمه حتى لم يقدر أحد على التعرف عليه.

تتسابق الطائرات على القصف، أهدافها ليست المقاتلين، بل أرواح المدنيين من أمهات وآباء وأخوات وإخوة وأبناء وبنات لم يعد لهم مفر؛ نعم، صرنا مدينة تعيش على الحظ. الكل خائف ونشعر بأننا وحيدون تخلى عنا الكل.

نحاول من أطباء وممرضين ومسعفين أن نتشجع ونلهم مرضانا الشجاعة، فنحن ندرك أننا نمثل آخر أمل لمجتمعنا، آخر من يحمي الحياة في هذه المدينة؛ لكن منا من سقطوا بين الضحايا، غيبتهم عنا البراميل المتفجرة وصواريخ القصف. مع ذلك نعمل دون كلل أو ملل ونواصل الليل مع النهار.

شهدنا مقتل جيراننا وأصدقائنا أمام ناظرينا. تعبنا وأنهكنا ولم يبق منا الكثير؛ ورغم ذلك نواصل العمل أكثر من 20 ساعة يومياً، وما يحز في القلب هو أننا مجبرون على اختيار حياة من ننقذ لأن المرضى كُثر والأطباء قلة وما من أعداد كافية لإنقاذ الجميع، فمشافينا رغم القصف ما زالت تعج بالمرضى والمصابين.

لم يبق لمهنة الطب وحياديتها أي حرمة، فقد انتهكت واستبيحت في هذه الحرب التي أتت نيرانها على كل اتفاقات حقوق ومبادئ الإنسان.

لم يتبق في مدينتنا أكفان تكفينا لندفن أصدقائنا وأقاربنا وزملائنا. لا شك أن القصف سيقضي على آخر ذرة حياة في المدينة، فأهلها محتجزون في قفص فقدوا كل أمل، والوقت يمر وحاجتنا إلى حل عاجل زادت عن أي وقت مضى.

قبل بضعة أشهر فقط اتفقت روسيا والولايات المتحدة وغيرها من قادة العالم على ما سمّوه اتفاق هدنة ملزماً، بيد أنهم الآن نكثوا التزامهم، وهاهم نسوة وأطفال وعجائز حلب يدفعون الثمن الأغلى، القصف الروسي السوري يستهدف التجمعات وطرق الإمدادات الإنسانية إلى شرق المدينة. لم تكن الهدنة كاملة، لكن إعادة إحيائها قد يوقف النزيف ويمنع الحصار الذي يخشاه الكل.

على الولايات المتحدة الضغط على الحكومة السورية وروسيا لوقف القصف فوراً على المناطق المدنية والمشافي ووقف الطيران العسكري فوق المنطقة لأنه يبث الرعب في قلوب أطفال حلب كل يوم. ينبغي فتح طرق المدينة كي تتدفق الأغذية والوقود لسيارات الإسعاف والمشافي وتصلنا، فنحن لا طاقة بنا لحصار الآن.

تقول أميركا وروسيا إنهما ملتزمتان بالهدنة وإن الهدنة تشمل حلب، لكننا بحاجة إلى ما هو أكثر وأكبر من العبارات الخاوية من المعنى. نريد من الدولتين أن تحثا حلفاءهما على احترام حقوق الإنسان العالمية وأعرافها، فالمستشفيات خط أحمر ممنوع استهدافها.

جرائم الحرب الممنهجة هذه ينبغي أن تقزز الكل وتدفعهم لبذل كل ما في وسعهم لوقف المأساة. إن دمار حلب يتم على مرأى العالم ومسمع منه. ندعو الله أن يجيرنا ويجير حلب ومرضاها وإيانا.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية يرجى الضغط هنا.