نقابة الصحفيين المصريين.. قلعة الاحتجاجات منذ تأسيسها وحتى الأحد الأسود

تم النشر: تم التحديث:
EGYPTIAN JOURNALISTS SYNDICATE
KHALED DESOUKI via Getty Images

سجّلت نقابة الصحفيين المصريين منذ انتقال مقرها الحالي في وسط القاهرة قبل 67 عاماً، محطات فارقة في نضال الصحفيين للدفاع عن قضاياهم وحرية الصحافة في مصر، التي تراوح مداها بين الارتفاع والانخفاض، خلال فترات حكم رؤساء البلاد.


الأحد الأسود


ورغم حرص كثير من أنظمة الحكم المتعاقبة، على السيطرة على هذه النقابة، عبر الدفع بنقباء مقربين منها، أو على الأقل الاحتفاظ بعلاقة طيبة معها، سجل اقتحام قوات الأمن مقرها، الأحد الماضي، من أجل القبض على اثنين من الصحفيين، وللمرة الأولى في تاريخها، علامة فارقة في العلاقة بين النقابة والسلطات؛ حتى أن البعض وصف هذا اليوم بـ"الأحد الأسود".

egyptian journalists syndicate

وعُدّ اقتحام الأمن مقر نقابة الصحفيين دليلاً على أن حرية الصحافة في مصر تمر بـ"أسوأ" مرحلة في تاريخها. فعبر سنوات طويلة ظلت النقابة أيضاً مقراً للاحتجاجات؛ سواءً تلك التي تعلقت بقضايا الصحافة والصحفيين، أو التي طالبت بالإصلاح السياسي، فضلاً عن الاحتجاجات الفئوية؛ الأمر الذي دفع البعض إلى تسميتها "قلعة الاحتجاجات" في مصر.

وفيما يلي عرضٌ لتاريخ نقابة الصحفيين في مصر، وعلاقة السلطات بها، منذ تأسيسها حتى اقتحام قوات الأمن لها، الأحد الماضي، استناداً لمصادر عدة، بينها شهادات حية لمن عايشوا تلك الفترات التاريخية.


الفترة الملكية



تأسست نقابة الصحفيين وفق مرسم ملكي في مارس/آذار 1941، وتواجدت في البداية في شقة بـ"عمارة الإيموبيليا"، وهي مبنى سكني شهير بوسط العاصمة المصرية؛ حيث يتميز بأن معظم قاطنيه من الفنانين والسياسيين.

وفي عام 1944 انتقلت النقابة إلى ‏مبنى‏ ‏من‏ ‏طابق‏ ‏واحد‏ في شارع‏ ‏قصر‏ ‏النيل‏ وسط العاصمة. أما اختيار المقر الحالي للنقابة فيعود الفضل فيه إلى محمود‏ ‏أبو‏الفتح، أول نقيب للصحفيين في مصر.

ففي عام 1942 اختار ‏أبو ‏الفتح‏ قطعة أرض فضاء وسط العاصمة، وطلب من السلطات المصرية تخصيصها مقراً لنقابة الصحفيين. وفي عام 1944 صدر قرار من مصطفى النحاس، رئيس وزراء مصر، وقتها، بتخصيص تلك الأرض للنقابة.

وفي أول‏ ‏يونيو‏/حزيران 1947‏ وضع‏ ‏النقيب‏ ‏أبو‏الفتح‏ ‏حجر‏ ‏الأساس‏ المقر الحالي لنقابة الصحفيين، ‏وتم‏ ‏افتتاحه‏ ‏رسميا‏ً ‏في‏ 31 ‏مارس‏/آذار 1949.


فترة الجمهورية


في هذه الفترة كان مقر نقابة الصحفيين بسيطًا وصغيرًا، حسب حسين عبدالرازق، الكاتب الصحفي اليساري، أحد أعضاء النقابة في فترة الستينيات. وكان الطابق الأول للنقابة في ذلك الوقت يضم قاعة اجتماعات تسع لنحو 400 صحفي، فضلاً عن حديقة كبيرة تحيط المقر، يستخدمها الصحفيون وأسرهم كمكان للاستجمام، وكمقر للاحتجاج للتعبير عن مطالبهم. وفقاً لعبدالرزاق.

في فترة الخمسينيات من القرن العشرين، كان التأميم (تملُّك الدولة كل شيء) يشمل حتى الصحافة، التي كانت تصدر عن الجهات الحكومية فقط، لكن الستينيات كانت شاهدة على دور كبير لمقر نقابة الصحفيين؛ حيث شهدت معارك للدفاع عن الصحفيين، والدعوة لإلغاء الرقابة على الصحف، واستمر الدفاع عن الزملاء المحبوسين في هذا العهد، حتى لو كان حبسهم على خلفية سياسية.


جمال عبدالناصر


مقر النقابة كان محطّ أنشطة عديدة، وواجه تأميم الصحف بمقتضى القانون رقم 156 لسنة 1960 المسمى بقانون "تنظيم الصحافة"؛ حيث كان هناك رقيب من الدولة يتحكم في كل شيء تنشره الصحف.

وحول هذه الفترة يقول أستاذ الإعلام، حسين أمين، في بحث بعنوان "وضع الإعلام في مصر": "في سنة 1954، حلّ مجلس قيادة الثورة (تجمّع من الضباط كان يسير أوضاع البلاد بعد ما يعرف بثورة 23 يوليو/تموز 1952) مجلس نقابة الصحفيين، وفوّض وزير الإرشاد القومي، صلاح سالم، تشكيل لجنة تحّل محلّ هذا المجلس بإدارة ضباط من مجلس قيادة الثورة.

وفي عام 1960، أمّم الرئيس جمال عبدالناصر الصحافة، لتصبح الأخيرة أداة دعائية في يد النظام الحاكم تمجّد إنجازات الرئيس، ونجاحات النظام الاشتراكي.


أنور السادات


في هذه الفترة شهد مقر نقابة الصحفيين احتجاجات مناهضة لمخططات السادات الرامية إلى تحويل النقابة إلى مجرد نادٍ اجتماعي للصحفيين، حسب عبدالرزاق.

وأوضح أن السادات تبنى هذا المخطط رداً على موقف النقابة الحاد ضد التطبيع مع إسرائيل عقب توقيع مصر "اتفاقية كامب ديفيد" للسلام مع إسرائيل عام 1979؛ "فشهد المقر احتجاجات كبيرة برئاسة نقيب الصحفيين، في حينها، كامل زهيري؛ ما جعل السادات يتراجع عن موقفه".

وسارداً جانباً من مساعي النقابة للتحرر من قبضة السلطة، في فترة السبعينيات من القرن الماضي، يضيف: "في عامي 1971 و1972، قرر السادات إسقاط عضوية 101 صحفي من النقابة، وكنت واحداً منهم؛ لأننا لم نكن مشتركين في هيئة تتبعه، وخضنا في مقر النقابة معركة الانتخابات بنقيب هو عبدالمنعم الصاوي أمام مرشح الحكومة، وقتها، حافظ أحمد، ونجح مرشحنا، وهو ما استفز السادات".

حسين أمين، الأكاديمي المصري، يلخص من جانبه، عبر بحثه السابق، وضع الصحافة في عهد السادات؛ حيث يقول إن الأخير "اعتمد توجهاً أكثر انفتاحاً مع الصحافة، إلا أن سياسته مع الإعلام شابها التناقض؛ فقد رفع بعض مظاهر الرقابة، وأبقى على سيطرة الحكومة على الإعلام".


حسني مبارك


يرصد العضو السابق في "المجلس الأعلى للصحافة" (هيئة حكومية تنظم عمل الصحافة)، قطب العربي، تاريخ مقر نقابة الصحفيين في عهد مبارك قائلاً: "عايشت 3 مقرات لنقابة الصحفيين: اﻷول في نفس المكان الحالي، وكان أهم ما يميزه وجود حديقة واسعة كانت هي التي تحتضن الفعاليات الجماهيرية، وكان هناك عدد من رواد النقابة يسمون حزب الحديقة لكثرة ترددهم ولقاءاتهم فيها، وكان حزباً أو مجموعة مؤطرة بالفعل".

ويضيف: "كان في النقابة قاعة رئيسية هي قاعة محمود عزمي، التي تحتضن المؤتمرات والجمعيات العمومية، وأشهرها الجمعية العمومية الطارئة ضد قانون الصحافة سيئ السمعة رقم 93 لسنة 1995، الذي أصدره البرلمان، ووقعه مبارك رسمياً، ونُشر في الجريدة الرسمية، لكن الصحفيين هاجوا ضده، وتمكنوا من إسقاطه في واقعة فريدة من نوعها؛ تم سن قانون جديد بدلاً منه هو القانون 96 لسنة 1996، وأتشرف أنني كنت ضمن اللجنة التنظيمية لتلك الجمعية العمومية التي أسقطت ذلك القانون".

وكان القانون رقم 93 لسنة 1995، أقر تغليظاً للعقوبات فى جرائم الرأي والنشر، وخلق جرائم جديدة لم تكن موجودة من قبل، كما ألغى الضمانة المقررة للصحفيين بعدم جواز حبسهم احتياطياً.

أما المقر الثاني للنقابة في عهد حسنى مبارك، وفق "العربي"، فكان يقع "خلف قسم شرطة اﻷزبكية (وسط القاهرة)، وكان عبارة عن مبنى تابع لاتحاد المهن الطبية (جهة نقابية) استأجرته النقابة مؤقتاً الى حين انتهاء مبناها الجديد (الحالي) بعد هدم القديم".

ويشير إلى أن مقر النقابة ظل في ذلك المبنى المؤقت لمدة 3 سنوات تقريباً، وكان أبرز حدث شهده هو اعتصام صحفيي جريدة "الشعب"، الناطقة بلسان حزب "العمل"، ذي التوجه الإسلامي، عقب إغلاق الجريدة في 20 مايو/أيار 2000؛ إثر صدور قرار "لجنة شؤون الأحزاب" (جهة حكومية مختصة بمنع التراخيص لإنشاء الأحزاب) بتجميد نشاط الحزب.

ورغم أن عهد مبارك شهد مساعي من السلطات للسيطرة على نقابة الصحفيين عبر الدفع باختيار نقباء مقربين من النظام، إلا أن النقابة كانت لها في تلك الفترة مواقف قوية في مواجهة الأمن.


محمد مرسي


شهدت فترة حكم مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً في تاريخ البلاد، أزهى عصور حرية الصحافة في تاريخ مصر، حسب معارضين له.

ففي تقرير نشرته صحيفة "الأهرام" في مطلع أبريل/نيسان 2013، قال عمرو موسي، أحد معارضي مرسي، إننا "لا ننكر أو نتجاهل أنه توجد مساحات حرية كبيرة بالإعلام، فالرئيس والحكومة يتم انتقادهما في جميع وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية بالإضافة للفيسبوك وتويتر، ومن غير الموضوعية القول إنه لا توجد حرية تعبير بالشارع فالمظاهرات تنطلق في كل أرجاء مصر، والكل يعبر عن رأيه بحرية".

كما نقل التقرير عن الكاتب الصحفي المصري الراحل محمد حسنين هيكل، وهو أحد معارضي مرسي أيضاً، نفيه ما يتردد عن تقييد حرية الإعلام والإعلاميين في عهد مرسي.

وقال هيكل: "مصر تعيش الآن أزهى عصور حرية الإعلام والصحافة بعهد الرئيس محمد مرسي؛ فالرئيس يُنتقد بشكل عنيف كل يوم بالفضائيات، وهو ما لم نعتده بعصور سابقة".

وكان مقر نقابة الصحفيين إبان عهد مرسي مقراً رئيسياً لاحتجاجات معارضة له، كما شهد تدشين حركة "تمرد"، التي دعت لعزله في ذكري مرور عام على حكمه.


عدلي منصور


شهدت سلالم نقابة الصحفيين إبان عهد منصور مظاهرات معارضة ومؤيدة للنظام، وأخرى عمالية رفعت مطالب فئوية.


عبدالفتاح السيسي


شهد مقر نقابة الصحفيين في عهد السيسي مظاهرات ضد حبس الصحفيين وتقييد الحريات. ففي 15 أبريل/نيسان الجاري شهدت النقابة احتجاجاً حاشداً ضد ما تعتبره قوى سياسية "تنازلاً" من مصر عن جزيرتي "تيران" و"صنافير" في البحر الأحمر إلى السعودية، واعتبر علامة فارقة على انتهاء الوئام بين النظام والقوى التي خرجت في "مظاهرات 30 يونيو/حزيران 2013"، التي اتخذها قادة الجيش مبرراً للإطاحة بمرسي.

وفي 25 أبريل/نيسان الماضي، حاصرت قوات الشرطة المصرية مقر نقابة الصحفيين، وحالت دون تنظيم احتجاجات كانت مقررة أمام المقر في هذا اليوم، على خلفية أزمة جزيرتي "تيران" و"صنافير".

jamal abdulnasser

ويوم الأحد الأول من مايو/أيار 2016، قامت قوات الشرطة بمنع العمال من التظاهر صباحاً من التظاهر على درج النقابة، بالتزامن مع يوم العمال العالمي، وفي المساء اقتحمت مقر النقابة؛ لإلقاء القبض على اثنين من الصحفيين هما: "عمرو بدر"، و"محمود السقا"، اللذان كانا معتصمين هناك؛ احتجاجاً على مداهمة قوات الأمن لمنزليهما بعد إصدار نيابة أمن الدولة العليا قراراً بضبطهما وإحضارهما، بتهمة "التحريض على التظاهر" في الاحتجاجات المتعلقة بجزيرتي "تيران" و"صنافير".

اقتحام الأمن لمقر النقابة كان سابقة تحدث للمرة الأولى منذ إنشائها؛ ما تسبب في موجة غضب عارمة في أوساط الصحفيين؛ خاصة أنه وقع قبل يومين فقط من "اليوم العالمي لحرية الصحافة"، الذي احتفل به العالم، أول أمس الثلاثاء.

ورداً على هذا الاقتحام أعلنت نقابة الصحفيين المصرية بدء اعتصام مفتوح لأعضائها في مقرها؛ لحين إقالة وزير الداخلية اللواء مجدي عبدالغفار، ولا يزال الاعتصام مستمراً.