كيف تغزو القهوة المجتمعات؟ حكاية ما جرى في بريطانيا

تم النشر: تم التحديث:
S
SM

في الوقت الذي يميل فيه معظم البريطانيين تاريخياً إلى شرب الشاي كمنبه، فإن القهوة عرفت طريقها إلى الجزيرة الأوروبية في السنوات الأخيرة.

صحيفة The Independent البريطانية أعدت تقريراً عن انتشار ثقافة القهوة في البلاد، قالت فيه إن الاستهلاك اليومي للقهوة في أنحاء المملكة المتحدة يبلغ 70 مليون كوب.

وبنظرة سريعة إلى شوارع البلاد، ستجد أن البريطانيين أصبحوا أمةً من مدمني القهوة؛ ماكينات صنع الإسبرسو المنتشرة في الشوارع للتغلب على الإرهاق، وأكواب اللاتيه العملاقة المُقدمة في عدد لا يُحصى من المقاهي.

“لقد تحول البريطانيون من شعب يشرب الشاي وقد يلجأ للقهوة أحياناً إلى شعب من محبي القهوة وربما مهووساً بها”، كما جاء على لسان جيفري يونغ رئيس مؤسسة “اليغرا” الغذائية والمسؤولة عن تنظيم أسبوع القهوة البريطاني في الفترة ما بين 11 و17 إبريل/نيسان.

كانت الشركة قد بدأت الاحتفال بهذه المناسبة في العام 2011 بهدف جمع الأموال اللازمة لتوفير مياه صحية وصرف صحي مناسب للمجتمعات القائمة على زراعة القهوة، والتي عادة ما تتواجد في بلادٍ نامية.

وعلى مدار 15 عاماً، اُحتُلَت زوايا كل شارع من قِبل سلاسل المقاهي مثل كوستا وكافيه نيرو، مثيرةً فضول البريطانيين لاستكشاف هذا المشروب بنكهاته المختلفة. كما انتشرت العديد من المقاهي الأنيقة لتقديم حبوب القهوة القادمة من شتى أرجاء العالم، فيما يُعرَف بـ “الموجة الثالثة للقهوة”.

في الحقيقة يقع جزءٌ كبير من إدمان البريطانيين للقهوة على عاتق أبناء التسعينيات، بحسب ما يعتقد جوناثان موريس أستاذ التاريخ بجامعة هرتفوردشير وأحد مؤلفي كتاب “القهوة: دليل شامل للحبوب والمشروب والصناعة”، فقد ازداد عدد المقاهي في بريطانيا بنسبة 847% بين عامي 1993 و1997.

أثناء انتظارنا الصباحي للقهوة ومحاولتنا التغلب على آثار النوم، قد يكون من السهل أن ننسى أن القهوة اُعتبِرت حتى وقت قريب أحد المشروبات الغريبة والجديدة التي يجري تحضيرها عبر ماكينة تشبه السفن الفضائية، ووسط طقوسٍ صاخبة من الضجيج والطحن والرغوة وكأنك أمام عرض لدق الطبول.

لكن مذاق القهوة “الجديدة” تفوق بشدة على مذاق الحُبيبات المجففة التي يمكنك شراؤها من السوبر ماركت، كما غزت المقاهي المريحة الشوارع مشجعة لجوء العملاء إليها، عبر ما قدمته لهم من عالم شديد البعد عما اعتادوه من قبل.

وعُدّ شرب القهوة أيضاً إحدى طرق محاكاة نمط الحياة الأميركية في نيويورك التي انتشرت عبر المسلسلات ذائعة الصيت مثل Seinfeld وFriends.

كما عزز العصر الرقمي من شعبية ثقافة المقاهي، بعدما تحرر بعض العاملين من قيد البقاء على مكاتبهم مع ظهور أجهزة الكومبيوتر المحمولة والهواتف النقالة والأجهزة اللوحية فيما بعد.

ومع الركود الذي أصاب الاقتصاد مُغلِقاً محلات التجزئة، ملأت المقاهي هذه الفراغات، ووفرت خدمة الانترنت اللاسلكي WiFi لتقدم نفسها كمكان مناسب للاجتماع وللعمل خاصة مع زيادة الطلب على وجبات الإفطار وغلق الحانات وتغير ثقافة الطعام.

يقول الخبراء إن ثقافة القهوة البريطانية الحالية هي إحدى الثقافات الأكثر حيوية على مستوى العالم، مثلما ظهر في بطولة العالم لمقدمي القهوة 2010 التي عقدت في العاصمة لندن. والتي رسمت مشهداً لانصهار التأثيرات المختلفة في صنع القهوة، ما بين الطريقة الأميركية والإسكندنافية لصنع القهوة المصفاة، أو تحضير الأنواع القوية التي يفضلها الإسبان والإيطاليون. لكن أكثرها شعبيةً كانت القهوة المخلوطة بالحليب خاصة (فلات وايت) والتي يُعتقد أنها اخترعت في أستراليا لتنتشر في بريطانيا بنهاية العام 2000 على أيدي المهاجرين من مهووسي القهوة القادمين من الطرف الآخر للعالم.

“لم نكن دولةً تحتسي الكثير من القهوة قبل ذلك، على عكس إيطاليا أو ألمانيا أو فنلندا أو حتى الولايات المتحدة، لذا لم تكن لدينا ثقافة تقليدية للقهوة على الأنواع الجديدة أن تتخطاها، مما جعل انتشار هذه الثقافة أكثر سهولة بشكل ما” مثلما قال فيليب واين محرر موقع London’s Best Coffee.

بينما أضافت نيكول فيريس مديرة التسويق والتطوير بمقهى Climpson and Sons شرق لندن، “هناك عامل مجتمعي شديد الأهمية هنا، إذ يميل المجتمع لنشر الأفكار بسهولة بدلاً من الاحتفاظ بها للنفع الشخصي، ما يعني قبولاً وتطوراً سريعاً للأفكار والتقنيات الجديدة”.

الآن يمكنك الاستمتاع بالقهوة في المنزل، حيث يمتلك حوالي ثلث الأشخاص نوعاً من آلات صنع القهوة في مطابخهم، خاصةً مع سهولة شراء الحبوب الجيدة عبر الانترنت بحسب أ.موريس. في كل الأحوال، فإن كل أكواب القهوة الرائعة يتم إعدادها عبر الانتباه للتفاصيل الصغيرة، بداية من اختيار الحبوب الجيدة وتجفيفها، ووزنها قبل الطحن للتأكد من تطابقها، بحسب فيونا دانكسين مديرة أحد مشارب الإسبرسو في ستوديوهات غلاسكو الفنية.

“تبخير الحليب حتى درجة الحرارة الصحيحة في كل مرة هو المفتاح”

“يعد الرسم على القهوة أحد الإضافات المهمة، كوب جميل من القهوة المُعدة بإتقان واهتمام بالتفاصيل، لكن المذاق هو أهم شيء”

أما غرامي كراوفورد مدير أحد المقاهي بغلاسكو، فيرى أنه “يمكنك فقط أن تفسد قهوة جيدة”، أما القهوة الرائعة فلها “مزيج متوازن من الحموضة والحلاوة والمذاق الخاص في فمك”.

أما هؤلاء المتسائلون عن روعة هذا المشروب المر، فهم غالباً ضحايا مُحضّر سيء للقهوة. كما يضيف مات مارول مالك Fortitude Coffee بادنبرة، “إذا أردت تجربة القهوة للمرة الأولى فابحث عن المذاق الجيد، ربما يبدو الأمر سهلاً، لكن يجب ألا تحتوي القهوة الجيدة على مرارة أو نكهات غير مرغوبة”.

“سيكون من الأيسر استخدام كمية قليلة من القهوة لاستكشاف مذاقها، ربما عبر كوب من الفلات وايت. ابدأ باستكشاف رائحة القهوة قبل تذوقها، وفكر في مذاقها المحتمل أهو شبيه بالورد أم بالفواكه أم ربما بالشوكولاتة. هناك أيضاً تصنيفات لمذاقات القهوة ستساعدك في التعرف على أنواعها المختلفة”.

بينما ينصح جيفري يونغ المبتدئين بالتأكد من اختيار الحبوب المطحونة بما يناسب طريقة تحضير القهوة “عليك اختيارها ناعمة للإسبرسو، وأكثر خشونة للقهوة المصفاة وأشد خشونة لماكينة القهوة الفرنسية. في النهاية عليك أن تكتشف وقت التحضير المناسب، فمثلاً لتحضير الإسبرسو باستخدام آلة صنع القهوة الفرنسية،عليك الانتظار لأربع دقائق للحصول على قهوة مركزة، القهوة الجيدة تحتاج وقتاً، عليك بالصبر”.

تتفنن أفضل المقاهي في صنع القهوة، بالإضافة إلى عدم نسيانهم لآلاف المزارعين الذين يزرعون حبوب القهوة. ويدركون حظ البريطانيين المتمثل في توافر الماء النظيف والمال الكافي للاستمتاع بهذه القهوة.

كما يؤكد جيرارد فيشر صاحب مقهى Nude Espresso and Coffee Roasters في لندن، على أهمية الأخلاق والعمل على ضمان استمرار البيئة والعلاقات المختلفة مع المزارعين “نحن نعمل بشكل مباشر مع مزارعي القهوة في الدول المُنتجة لها، لضمان حصولهم على أفضل سعر لمحصولهم، بما يضمن المال الكافي لإيوائهم وتوفير الرعاية الصحية لأسرهم”.

كما أضاف يونغ “نحن محظوظون للغاية لأننا لا نحمل هم إنفاق 2.5 جنيهاً إسترلينياً لقاء كوب قهوة خارج المنزل”.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Independent البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.