التدخل الإيراني في المنطقة العربية.. هل يعرقل عودتها للمجتمع الدولي؟

تم النشر: تم التحديث:
IRAN
ASSOCIATED PRESS

مشهد متناقض في إيران المعتدلون بقيادة الرئيس الإيراني حسن روحاني يحققون مزيداً من المكاسب السياسية، بينما الدولة الإيرانية متورّطة خاصة عبر الحرس الثوري في نزاعات بالدول العربية تزيد من الاستقطاب الطائفي في المنطقة، فهل هذان المساران سيصطدمان؟ وماذا لو نجحت إيران في تحقيق سيطرتها على سوريا هذا البلد المدمر ذي الأغلبية السنية؟

يبدو أن جولة الإعادة في الانتخابات البرلمانية الإيرانية قد تعطي للرئيس المعتدل حسن روحاني الأمل في برلمان فعال في حال اتحد أنصاره مع الإصلاحيين والمرشحين المحافظين المستقلين في مواجهة الإسلاميين الأكثر تشدداً، كما يبدو أيضاً أن البرلمان الجديد سيكون مؤيداً للاتفاق النووي بين إيران والقوى العظمى، والذي رُفِعت بموجبه العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران بسبب برنامجها النووي.

يبدو روحاني حالياً في وضع أفضل يسمح له بسنّ بعض قوانين الإصلاح الاقتصادي لجذب الاستثمارات التي تحتاجها إيران بشدة. على الرغم من ذلك، تبقى السلطة المطلقة في يد آية الله علي خامنئي - المرشد الأعلى للثورة الإيرانية - والمؤسسات الدينية الخاضعة له مثل الحرس الثوري والقضاء، وفق تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، الأربعاء 4 مايو/أيار 2016.


سلطة دينية أقل


في الوقت نفسه، يبدو أن تحالف روحاني حقق أداءً استثنائياً في انتخابات مجلس الخبراء في فبراير/شباط 2015، وهو الكيان الذي سيكون من سلطته اختيار المرشد الأعلى القادم. وكان هاشمي رفسنجاني - الرئيس الإيراني الأسبق - قد تصدر انتخابات مجلس الخبراء، ويعد أحد أكبر حلفاء روحاني، ويروّج رفسنجاني لفكرة تكوين مجلس للقيادة بدلاً من وجود شخص واحد في منصب المرشد الأعلى، كما يسعى أيضاً لتقليص سيطرة السلطة الدينية في البلاد.

وبصرف النظر عن الآمال المستقبلية، يبدو أن إيران حالياً، خاصةً لأن أغلب مواطنيها من الشباب، ترغب في الانفتاح على العالم، وفي تعويض الفرص الضائعة بسبب العزلة التي فرضها النظام الإيراني ومازالت البلاد عالقة بسببها.

في الوقت الحالي، مازال هذا الانفتاح المرجو مقيداً بسبب العقوبات الثانوية المفروضة على الحرس الثوري الإيراني، وعلى إيران نفسها كدولة "تدعم الإرهاب"، حيث لا يكتفي الحرس الثوري بكونه قوة كبرى داخل البلاد وخارجها، بل يعد إمبراطورية اقتصادية ذات أذرع ممتدة في كل مكان، وتخشى البنوك الغربية حتى الآن دخول إيران خوفاً من الاحتكاك بتلك الإمبراطورية.

دفع خامنئي باتجاه توقيع الاتجاه النووي إلا أنه يشعر ببعض التغير حالياً إزاء هذا الاتفاق، وأمام المرشد الأعلى والرئيس الإيراني الكثير من الخيارات لمواجهتها، وسط النشاط الحالي للحرس الثوري في المنطقة.


حروب بالوكالة


لطالما كانت إيران تقوم بالاستفادة من الفرص التي يتيحها الآخرون. فعلى سبيل المثال، أسست إيران حزبَ الله اللبناني الشيعي عام 1982 مع التدخل الإسرائيلي في لبنان أثناء الحرب الأهلية، كما استغلت الحرب الأميركية على العراق في 2003 وسقوط نظام صدام حسين لتأسيس الميليشيات الشيعية في العراق ودفع الغالبية الشيعية نحو السلطة.

من الممكن أيضاً تفسير الفوضى الإقليمية الحالية على أنها نتجت بسبب الصراع بين السعودية وحلفاؤها السنّة في مواجهة إيران ذات الخلفية الشيعية.

ومع الصعود القوي للجماعات الجهادية مثل تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، ترى الأقليات الشيعية العربية، والعلويون في سوريا، بل والكثير من المسيحيين في لبنان، أن إيران هي من بإمكانها حمايتهم من وحشية تلك التنظيمات، في الوقت الذي تقود فيه عدوانية إيران الكثير من المسلمين السنة نحو الانضمام لتنظيمات متشددة مثل جبهة النصرة، التي تعد فرع تنظيم القاعدة في سوريا.

ترى الكثير من الدول العربية ذات الأنظمة السنية مثل السعودية أن إيران هي دولة متطفلة وعدوانية، وإذا لم يتغير موقفها هذا، فلن تتمكن من تحقيق التقدم الاقتصادي المنتظر بعد الاتفاق النووي بشكل كامل.

لا يساعد المشهد الحالي في المنطقة على تحسين الصورة الإيرانية، إذ تقوم قوات النظام السوري بمساعدة الطيران الروسي والقوات الإيرانية على الأرض بقصف الجانب الشمالي من مدينة حلب، بما فيه من مستشفيات، بينما تنهار حكومة حيدر العبادي في بغداد ذات الأغلبية الشيعية أمام الاحتجاجات الشعبية المعارضة للفساد السياسي، فهل يعد هذا في مصلحة إيران؟

"إذا سقطت حلب، فكيف سيحكمونها؟ ومن الذي سيدفع ثمن إعادة الإعمار؟ سينتهي المطاف بروسيا وإيران كما لو كانوا قد أمسكوا بطاطا في غاية السخونة (تعني أنهم وضعوا أنفسهم في مأزق)". هكذا علق رئيس وزراء عربي سابق، وأضاف أن سوريا ستبقى ذات أغلبية سنية.

يمثل محمد جواد ظريف - وزير الخارجية ومهندس الاتفاق النووي - الصوت الإيراني الأكثر اعتدالاً في الخارج، ويواصل ظريف التأكيد على أنه على إيران والسعودية تحديد مصالحهما، واستيعاب بعضهما البعض دون إقصاء.

جاء الرد السعودي سريعاً وأكد أنه لا يجب أن يكون لإيران مصالح في أي بلد عربي، وهو ما ظهر أيضاً من خلال الغضب السعودي من تصريحات الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي وجه الدعوة للبلدين في أحد لقاءاته لتشارك الجوار.

وبينما يمثل العداء السعودي تجاه إيران والشيعة عقبة كبرى أمام تحقيق إيران لانفراجة إقليمية، يبدو أيضاً أنه من الصعب للغاية أن تعود إيران للمجتمع الدولي بشكل كامل، خصوصاً مع سعيها "العنيف" لتحقيق أهدافها الإقليمية الجيوسياسية.

- هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة Financial Times البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.