وعود الازدهار الاقتصادي التي أطلقها بوتين تتلاشى

تم النشر: تم التحديث:
VLADIMIR PUTIN
Mikhail Metzel via Getty Images

تحوّلت قاعة الاجتماعات بمصنع بيكاليفو، إلى مُجرد ضريح، بعدما قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بترهيب أغنى رجال الأعمال الروس أمام كاميرات التلفزيون.

حينها، أظهر بوتين ذلك المصنع الذي أصبح خاوياً وكأنه سبيلٌ للخروج من العناء الاقتصادي للناس العاديين، مهدئاً بذلك موجة من الاضطرابات العمالية.

ولكن ذلك كان قبل نحو 7 سنوات، عندما كان بوتين رئيساً للوزراء. أما اليوم فقد عادت مجدداً الأزمات الاقتصادية التي جاء الرئيس الروسي إلى هناك لاستعراض حلّها، بل على نحو أعقد بكثير من مجرد "الجشع التافه" لرجل الأعمال الذي ذكره بوتين بينما كان يلقي باللوم على رجال أعمال مدينة بيكاليفو الروسية عام 2009، بحسب ما نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية 3 مايو/أيار، 2016.

مدينة بيكاليفو التي تبعد نحو3 ساعات شرق سان بطرسبرج، شأنها شأن باقي المدن الروسية، تغرق الآن في أطول فترة ركود شهدتها البلاد منذ وصول بوتين الى السلطة بنهاية عام 1999، خاصة بالنظر إلى التحذيرات التي أطلقها البنك الدولي، الشهر الماضي، بأن معدل الفقر في البلاد سيرتفع في العام الجاري لتصل نسبته إلى 14.2% من تعداد السكان.


تراجع أسعار النفط والغاز


ss

الأزمة الحالية في روسيا، والتي يُعزى السبب فيها إلى حدٍّ كبير إلى قوى السوق الخارجة عن سيطرة الكرملين؛ ولا سيما تراجع أسعار النفط والغاز، قد ذهبت ببوتين إلى مأزق. فبعد سنوات من الحديث عن الاقتصاد المزدهر، وتقديمه لنفسه باعتباره زعيماً يمكنه فكّ أصعب التعقيدات الاقتصادية والسياسية؛ يواجه بوتين الآن أزمةً كشفت محدودية قوته وبراعته.

الارتفاع الأخير في أسعار النفط رفع آمال الكرملين بأن أسوأ عاصفة لحقت بالاقتصاد الروسي قد انتهت، ولكنه أيضاً أبرز كم أن حظ بوتين يعتمد على قوى خارجية لا يمكن التنبوء بها ولا السيطرة عليها؛ مثل سوق الطاقة أو العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا من قِبل أوروبا والولايات المتحدة.

فقوة الرئيس الروسي بوتين لا تظهر في المصنع الذي كسد عمله لتراجع الطلب إثر حالة الركود التي تمرّ بها روسيا، كما لا تظهر في الفندق الوحيد المتواجد في بيكاليفو، والذي يرجع للحقبة السوفيتية وجميع موظفيه من النساء في منتصف العمر، ولم تعد هناك حاجة لخدماتهن تماماً مثل مالك مصنع الأسمنت.

ولا تحمي سلطة بوتين حتى أبرز مؤيديه المحليين، مثل عمده المدينة، ديمتري نيكولاييف، الذي تم عزله من منصبه في 19 أبريل/نيسان، خلال تحقيق جنائي بشأن عملية فساد.

"هو المسؤول في النهاية عن كل ما يحدث في روسيا، وهو أمر جيد جداً ولكنه أيضاً سيء جداً"، هكذا يقول مكسيم فولكوف، الرئيس التنفيذي لمصنع بيكاليفو الذي زاره بوتين في عام 2009، والذي يُعد الأكبر بين ثلاثة مصانع في البلاد منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.

وبينما كان فولكوف يمتدح بوتين باعتباره زعيماً "صلباً وذا فاعلية" قام بإنهاء التدهور الذي اتسم به حكم الرئيس السابق بوريس يلتسين في التسعينيات، قال إن تمركز السلطة في الكرملين جعل الرئيس "مسؤولاً عن جميع البلهاء الذين يعملون تحت إمرته، وعن حل جميع خلافات ومشكلات البلاد، مهما كانت صغيرة"، فبحسب ما يقول "الحكومة ببساطة لا يمكنها حل أي نزاع في ذلك البلد".


بوتين يهتم بمخاوف الناس


yy

وفي برنامج تلفزيوني قومي عُرض الشهر الماضي؛ أبدى بوتين اهتمامه بمخاوف الناس العاديين، وفي الوقت نفسه تخلى عن تبختره المألوف في إجاباته بشأن الاقتصاد، معترفاً بأن هذا العام سيشهد مزيداً من الانكماش، بدلاً من النمو مثلما تنبّأ في البرنامج نفسه العام الماضي.

نينا سوسلوفا؛ وهي عاملة مخضرمة في مصنع الأسمنت، ترى الأمر أقرب للأسود؛ فقد تم إبلاغها في صباح أحد الأيام أن ثلاثة أشخاص سيتقاسمون وظيفتها، وهذا يعني أنها ستعمل فقط بضع ساعات في اليوم، وسينخفض راتبها بناءً على ذلك. وقالت في زيارتها لممثل نقابي جاءته لطلب المساعدة "نحن بحاجة للطعام، نحن بحاجة إلى دفع فواتيرنا، بإمكاننا الآن فقط أن نفكر في البقاء على قيد الحياة، وليس في المستقبل".

يبدو أن هذا الانكماش يؤثر سلباً على مكانة بوتين، أو على الأقل الثقة في سياساته، بينما يتراجع إعجاب الروس وفرحتهم بمشاريعه الخارجية، إذ قال ما يقرب من نصف الذين شملهم استطلاع أجراه مركز ليفادا المستقل هذا العام أنهم يعتقدون أن روسيا تسير في "الاتجاه الصحيح"، مقارنة بنسبة 64% في الصيف الماضي.

ومع ذلك فمازال بوتين يتمتع بشعبية كبيرة؛ ففي استطلاع رأي أُجري خلال مارس/آذار؛ قال 73% إنهم يثقون في الرئيس، ورغم أن النسبة كانت 83% في الشهر نفسه من العام الماضي؛ إلا أنها ما زالت أعلى بكثير من أي حشد بإمكان أي زعيم غربي تحقيقه.

ss

ساسلوفا، العاملة المحبطة، قالت إنها كانت دائماً تصوت لبوتين، وهللت لزيارته التي أجراها لبيكاليفو عام 2009، وكانت تعتقد بأن حكمه سيحقق لها حياة أفضل؛ لكنها أدركت الآن أن "رجلاً واحداً لا يستطيع فعل كل شيء."

ولمدة 16 عاماً، كان الكرملين يقنع الروس بأنه بإمكان رجل واحد (بوتين) فعل كل شيء وأي شيء.

وهناك إشارات قليلة بأن الروس سيتجهون إلى الشوارع للاحتجاج أو سيحتشدون تحت راية المعارضة المنقسمة والضعيفة. فقد أدانت سفيتلانا أنتروبافا، وهي زعيمة نقابية محلية ما أسمته "التعذيب" الذي يتعرض له عمال بيكاليفو، ومع ذلك فإنها لا ترى أي جدوى من الاحتجاج بالشارع؛ وبدلاً من ذلك قامت بتقديم مجموعة من الدعاوى القضائية بشأن انتهاكات لقانون العمل. كما استقالت من حزب بوتين السياسي "روسيا الموحدة".

وتقول سفيتلانا أنها تلقت مؤخراً اتصالاً من زميل نقابي في موسكو، سأل خلاله عن إنشاء فرع لحزب يابلوكو في بيكاليفو، وهو حزب ليبرالي موالٍ للغرب ينتقد الكرملين، فردّت بأنه لا جدوى حتى من عناء المحاولة.

وخلال الاتصال ردت على سؤال "من المخطئ في المعاناة الاقتصادية الروسية؟" قائلة "السوق العالمية؟ الصينيون؟ الأوروبيون؟.. بصراحة، أنا لا أعرف، كل ما أعرفه بيقين هو أن الناس العاديين هم من يعانون".

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية.