من مطاردات الشرطة إلى العطش والحبس في الملاعب.. رحلة شقاء اللاجئين السوريين في أوروبا

تم النشر: تم التحديث:
1
socail

هل يهربون من جحيم بلادهم إلى جنة أوروبا أم أنهم يهربون من جحيم إلى آخر؟.. إنها رحلة الشقاء للاجئين السوريين الذين هربوا من الصواريخ في بلادهم إلى أوروبا مخترقين عباب البحار، وأسلاك الحدود وغلظة الشرطة في كل مكان، ولكن أكثر ما يحزنهم رمقات الريبة في عيون الأوروبيين الزرقاء جراء جرائم ليس لهم يد فيها..

باتريك كينغسلي، رصد هذه الرحلة بعد أن سافر إلى 17 دولة، وتحدث مع مئات من اللاجئين الذي استطاعوا مواصلة رحلتهم بنجاح عبر أوروبا، ونشرت صحيفة الغارديان البريطانية تجربته الثرية مع اللاجئين السوريين في القارة البيضاء.

عندما التقى اللاجئ السوري "محمد الهيبة" صديقه ومواطنه "يوسف" أمام محطة قطار في ألمانيا، احتاج الأمر لعدة دقائق ليقرر ما إذا كان سيتواصل معه أم لا، وكان يوسف يشعر بالحيرة ذاتها. وقفا في هذا المكان، على بعد أمتار من بعضهما بعضاً، دون أن يعرفا ما ينبغي عليهما فعله بعد ذلك.

الأمر لا يتعلق بعدم رغبتهما في ذلك اللقاء، ولكن الأمر هو أن ذلك اللقاء، في ليلة باردة في بافاريا خلال شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2015، هو حدثٌ لم يتوقعاه على الإطلاق.

كان آخر لقاء بين محمد ويوسف في منتصف أغسطس/ آب 2015 في دمشق، العاصمة السورية. بعد ذلك، غادر يوسف متجهاً إلى تركيا، ثم استقل قارباً للانتقال إلى اليونان، قبل أن يشق طريقه عبر دول البلقان وصولاً إلى ألمانيا. بعد ذلك بشهر واحد، تبعه محمد في الرحلة ذاتها، على الرغم من أنهما قد علما بأنه كان من الممكن ألا يلتقيا مجدداً، إلا أنه للمصادفة وبعد مرور 6 أسابيع، اجتمعا مجدداً، وهذه المرة في بلد آمن، لا يتحدثون لغته.


البقاء للأقوى في قطار اللاجئين


قابلت محمد الذي يبلغ من العمر 23 عاماً عند محطة قطار أخرى في ظروف أكثر فوضوية، على بعد مئات الأميال ناحية الجنوب. كان ذلك في منتصف سبتمبر/ أيلول 2015 في توفارنيك، وهي قرية كرواتية هادئة على الحدود مع صربيا.

تكدس مئات اللاجئين في محطة القرية الصغيرة، بدا عليهم القلق والجفاف، وكانوا ينتظرون قطارات خاصة ستقوم بنقلهم إلى ألمانيا. يصل ذلك القطار مرة واحدة فقط في اليوم، ويتسع القطار الواحد لألف شخص، حتى في حالة تكدس الركاب في الممرات. على الرغم من ذلك، كان هناك ما لا يقل عن 1500 شخص في الانتظار داخل المحطة.

مع وصول القطار في نهاية المطاف في وقت متأخر من منتصف الليل، بدأت حالة الهرج والمرج. حشود من السوريين والعراقيين والأفغان يتصارعون على الركوب، محاولين تخطي الثغرات بين رجال الشرطة.

استطاع الرجال الأقوياء الوصول إلى القطار أولاً، ثم حاولوا بعد ذلك نقل ذويهم. بقيت الأسر على مقربة من بعضها، حيث إنك إن انفصلت عن أسرتك في تلك اللحظة، فقد ينتهي مصيرك في دولة مختلفة، وربما لا تراهم مجدداً على الإطلاق.

امتلأت عربات القطار، ولكن القلق لم ينتهِ، حيث بقي القطار متوقفاً في ذلك المكان طوال الليل. من خلال النظر من نوافذه، كانوا متوترين لدرجة جعلت من النوم أمراً صعباً. توافد المزيد من الناس طوال الليل، حيث قدموا سيراً من صربيا، أحدهم كان مهندساً متخصصاً في الطب الحيوي، ويرتدي نظارات طبية. كان يدعى محمد الهيبة.

قابلت الكثير من أمثال محمد العام الماضي، من خلال عملي كمراسل لدى صحيفة الغارديان، حيث سافرت إلى 17 دولة ممن تأثروا بأزمة اللاجئين. قابلت الكثير من الناس في أماكن تبدو سريالية وفوضوية لأقصى درجة، مثل مركز احتجازٍ في ليبيا، ملعبٍ رياضي بمدينة كوس اليونانية، وعلى ضفاف نهر في صربيا. كانت كل تلك الأماكن مختلفة تماماً عن الحياة الطبيعية والشكل الذي يفترض أن تكون عليه.

أخبرني محمد أنه يرغب في أن يقوم بدراساته في معمل يقع في منطقة هادئة بلا حرب.

كانت هناك زهراء أيضاً، وهي طالبة وصلت إلى محطة القطار ضمن مجموعة محمد الهيبة، وكانت تحلم بالذهاب إلى جامعة دون الخوف من أن تقتل. كان هناك إحسان أيضاً، وهو مهندس يبلغ من العمر 40 عاماً قابلته في مدينة كوس اليونانية، كل ما أراده إحسان هو أن يعيش أطفاله في مكان لا تضربه الصواريخ أثناء ذهابهم إلى المدرسة.


لماذا لا يعرف اللاجئون النوم؟


2

يجد إحسان صعوبة في النوم في أغلب الليالي. يرقد في سريره في بلجيكا، ويغمض عينيه، ويستمر عقله في التفكير: لماذا لم تتم الموافقة على أوراقي حتى الآن؟ هل سأحصل عليها من الأساس؟ كيف يقررون الأمر؟ العيش في ذلك المأزق القانوني جعل إحسان لا يفكر سوى في كيفية تجاوز تلك المرحلة.

يخبرني أنه في المكان الذي يقيم فيه بأحد مراكز الاستقبال في ريف بلجيكا، والذي يحتوي على 8 سوريين، يقضي أغلبهم الليالي في تلك الحالة، ولا يستطيعون النوم. البعض يستمع إلى الموسيقى، في حين يحاول البعض الآخر تصفح الأخبار على هواتفهم، ولكن يبقى السؤال الأهم بالنسبة لهم: متى سيحصلون على اللجوء؟

في أوقات قليلة، يأسوا جميعاً من فكرة النوم، ويبدأون في مغادرة الغرفة إلى غرفة أخرى مشتركة في الخارج، ليبدأوا الحديث حول نظام اللجوء البلجيكي الغامض بالنسبة لهم. لماذا يتم إجراء مقابلة مع بعض ممن وصلوا حديثاً بسرعة، في حين لا يتم ذلك مع بعض ممن وصلوا منذ شهور؟ هل يختارون على أساس العمر أم على أساس البلد الأصلي؟

تفكير إحسان محاصر بين تلك الأسئلة بطريقة أو بأخرى منذ وصل إلى أوروبا في الصيف الماضي. بالإضافة إلى 40 شخصاً آخرين، استقل إحسان وابن أخيه الشاب "كريم" الذي يبلغ من العمر 18 عاماً، قارباً مطاطياً ووصلوا إلى شاطئ جزيرة كوس اليونانية في صباح أحد أيام أغسطس/ آب 2016.

التقيت به هناك، وقال لي "اليوم سقط 50 صاروخاً على دمشق. الأمر لا يتعلق بي، فعندما يحين أجلي فلن يتغير ذلك، ولكنني أفكر في أطفالي، أريد أن يكون لهم مستقبل".

رأى إحسان أن تلك الرحلة خطيرة للغاية بالنسبة لزوجته وأطفاله، فقرر أن يتقدم بطلب للجوء ليلتحقوا به في أوروبا.


الضرب بالهراوات


الموقف في جزيرة كوس أكد وجهة نظره. خلال الأسابيع الماضية، منحت السلطات اليونانية على الجزيرة بطاقة عبور للاجئين إلى البر الرئيسي خلال يومين من الوصول، إلا أن تدفق اللاجئين كان هائلاً لدرجة لم تتمكن الشرطة من التعامل معها. ظل أكثر من 7 آلاف لاجئ عالقين على الجزيرة؛ نظراً لعدم تمكن السلطات من التعامل مع هذا الكم المتراكم. بدأ الكثير منهم في النوم على الشواطئ، بينما كان السياح يمرون ويرون ذلك المشهد.

في محاولة لخلق نظام جديد، قرر عمدة الجزيرة نقل جميع اللاجئين السوريين إلى ستاد رياضي قديم، ثم قاموا بغلق الأبواب. الغرض من الأمر كان سهولة تعقب ومتابعة أوراق اللاجئين، ولكن السوريين عانوا من حرارة الصيف، وهو ما لم يتضح لحظياً.

مع ارتفاع درجات الحرارة، ظهرت الكثير من حالات الإغماء، ووقعت الكثير من الاشتباكات. تعرض اللاجئون للضرب بالهراوات، والرش بطفايات الحريق، في محاولة من الشرطة للسيطرة على الموقف. بعد ذلك، وبشكل تدريجي، بدأت السلطات في تسليم أوراقهم. قابلت مصرفياً سورياً عند الباب، وكان يعاني من العطش الشديد، حيث قال لي "الماء، كل ما أريده هو الماء".

عند الثانية صباحاً، كان قد مر يوم ونصف من تواجده داخل هذا الملعب المغلق، كان إحسان من بين آخر من خرجوا. تحدثت معه ومع كريم بعدها بلحظات، في الظلام الدامس خارج البوابات.

كان كريم يرتدي ملابس أنيقة، وكان يحلم بدراسة الهندسة. يقول "لقد حصلت على 91% في امتحانات الثانوية، وأنا أريد الالتحاق بالجامعة والحصول على درجة علمية، وهو ما أصبح أمراً غير ممكن في سوريا. الصواريخ تتساقط كل يوم. لا يوجد كهرباء أو مياه، وتوجد نقاط التفتيش في كل مكان".

شعر إحسان وكريم بكثير من الإهانة من تجربتهم داخل ذلك الملعب المغلق، إلا أن الأمر كان يستحق بالنسبة لإحسان، إذا استطاع الحصول على اللجوء في بلجيكا. يقول "أنا لا أعلم ما إذا كانت أوروبا هي الجنة أم الجحيم، ولكنني فقط أريد مكاناً لأطفالي".

لم يعش إحسان كثيراً في سوريا حتى قبل قراره الأخير بالرحيل، حيث قضى قرابة 10 سنوات في دبي التي عاش فيها سعيداً وكان مديراً لمصنع معادن، إلا أنه فقد وظيفته، وفقد معها حق الإقامة في الإمارات. عاد إحسان إلى دمشق برفقة عائلته، حيث كان قد مضى 3 سنوات على بدأ الحرب الأهلية في ذلك الوقت. هناك في دمشق، وُضِع إحسان على القوائم السوداء للحكومة بعدما قام أحد أصدقائه بالإبلاغ عن قيامه بانتقاد النظام.

انتقل إحسان إلى تركيا في البداية، إلا أنه لم يتمكن من إيجاد عمل هناك. وخلال عدة أشهر، قرر الانتقال إلى أوروبا، أملاً في الالتحاق ببعض أقاربه في بلجيكا. يقول "أنا سعيد بتلك الخطوة، ولكن الأوضاع في تركيا ليست مستقرة بالنسبة للسوريين، وفي سوريا أنت لا تعلم متى ستسقط الصواريخ فوق رأسك، أو متى سيأتي أحدهم للقبض عليك".


النظام البلجيكي المعقد


كان إحسان وكريم يأملان في إجراء مقابلة مبدئية للجوء في سبتمبر/ أيلول 2015، بعد وقت قصير من وصولهما إلى بلجيكا، بحيث يتم الأمر في غضون وقت قصير من وصولهما إلى مكتب اللجوء. عندما وصل إحسان للمكتب، تم إخباره بأن يعود مجدداً في أكتوبر/ تشرين الأول. وفي أكتوبر، تم تأجيل الأمر من جديد إلى ديسمبر/ كانون الأول، ومن ديسمبر إلى فبراير/ شباط 2016، حيث تمكن أخيراً من إجراء المقابلة الأولى. وحتى الآن، لا يعرف متى ستكون المقابلة الثانية والحاسمة. في الوقت نفسه، حصل كريم على اللجوء منذ عدة أشهر.

ومع عدم وجود أي موعد محدد، يشعر إحسان بالضياع والعزلة، وقد عمقت هجمات باريس التي وقعت في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، والتي كان منفذوها يعيشون في بلجيكا بالأساس، من حالة الاكتئاب التي يمر بها إحسان. يرغب إحسان في العمل، ولكن مع عدم وجود تصريح، لا يمكنه ذلك، حيث يقول "لا أحد يريد أن يأخذ المال ليبقى في المنزل، نحن نريد أن نعمل، سنقوم بأي عمل ممكن".


السباحة هي الحل


المأزق الحالي يسبب شللاً في كل الأمور. مؤخراً، قام إحسان بالالتحاق بصالة رياضية، حيث يعتقد أن القليل من السباحة قد يساعده على تجاوز الأمر، ولكن في حالته تلك، لا يبدو أن السباحة قد تفيد في شيء. الأمر ذاته مع تعلم اللغة، فقد قام بتحميل 40 ساعة من الدروس على هاتفه، وفي كل مرة يبدأ فيها، يقوم بالاستسلام في نهاية المطاف، لا يستطيع التركيز في أي شيء سوى أمر اللجوء. يقول "هذا ليس لأننا لا نملك الشغف، السبب هو أن عقولنا مشغولة بهذه المسألة".


الـواتسآب


فوق كل ذلك، يفتقد إحسان أسرته التي لم يرها منذ أكثر من عام كامل. يبلغ ابنه محمد حالياً 8 سنوات، في حين أكملت ابنته لينا عامها الخامس، إلا أنه فوّت عيدي ميلادهما. يتحدث إحسان مع طفليه يومياً عبر "واتسآب" ولكن ذلك غير كافٍ. يقول "أنا أفتقد كل شيء في سوريا، ولكن إذا كان علي اختيار شيء واحد افتقده بشدة فهو عائلتي. نشعر بخيبة الأمل هنا، ونحن على وشك نقطة الانهيار".

يمثل وصول البريد بارقة الأمل في يوم إحسان، حيث يصل في مركز تورناي ببلجيكا في حوالي الخامسة مساء، وحينها تظهر بعض الحركة في مركز الاستقبال. هذه اللحظة هي التي يحصل فيها عدد ضئيل جداً من المقيمين على خطاب يخبرهم بالموعد المتوقع لإجراء مقابلة اللجوء. يقول إحسان "الجميع ينتظر مرور الوقت حتى يصل البريد، وإذا لم يحدث ذلك، نعود إلى غرفتنا من جديد، وننتظر".


ألمانيا أكثر إثارة


من الصعب بالنسبة لـ"زهراء داوود" أن تحدد الجزء الأكثر إثارة في ألمانيا. ربما هي المباني الألمانية العملاقة، أو نمط الحياة الليلية الذي انتهي في سوريا، أو ربما الوشوم! تتعجب زهراء قائلة "تلك الرسوم على الأجساد. كان لدينا ذلك في سوريا ولكنه كان أمراً نادراً".

تتذكر زهراء مرورها عبر الحدود في نهاية سبتمبر/ أيلول 2015، حينما كانت تقول لنفسها "لقد تحول حلمي إلى حقيقة".

كانت الشابة التي تبلغ من العمر 23 عاماً، قد بدأت رحلتها قبل ذلك بأسبوعين مع والدتها –ندى- ومدرِّسها السابق، بالإضافة إلى 13 من أصدقائها من مدينتها "السلمية" الواقعة غرب سوريا.

الرحلة كانت عبر المناطق الحدودية مع لبنان والتي يسيطر عليها النظام، قبل أن يستقلوا طائرة إلى تركيا، ثم قارب تهريب لليونان، وسلسلة من القطارات عبر دول البلقان وصولاً إلى بافاريا في ألمانيا.


القائدة الصغيرة


خلال الأسابيع الستة القادمة، تنقلت المجموعة بين ترير وهامبورغ وبرلين وهورست وجوسترو وشفيرين وأخيراً وصلت إلى شترالسوند، وعلى الرغم من فوضى طالبي اللجوء، استطاعت المجموعة البقاء سوياً طوال الطريق. كانت زهراء من بين أصغرهم، إلا أنها كانت قائدة بطبيعتها. يقول أحد الأصدقاء عند مقابلتي للمجموعة خلال رحلتهم عبر البلقان "إنها مرحة جداً. الجميع يحبونها".

كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً في محطة القطار الصغيرة ذاتها في كرواتيا، والتي قابلت فيها محمد، كانوا قد وصلوا لتوهم سيراً من صربيا. بعد ذلك، قضوا يوماً ونصف بانتظار القطار، دون مكان للنوم، أو مكان للاحتماء من حرارة الشمس الحارقة سوى الظل الخفيف لأشجار قليلة.

في كل ساعة تمر، تنتشر شائعة جديدة بين الحشود المنتظرة. يصيح أحدهم "قطار" ليجري المئات تجاه الرصيف في الانتظار. تقول إحدى صديقات زهراء "دائماً ما يكون الأمر شائعة".


هل أنت إرهابية؟


3

بمجرد استقلال القطار، لم يستغرق الأمر أكثر من يومين للوصول إلى ألمانيا. وبخلاف بلجيكا، يعد نظام اللجوء في ألمانيا أكثر سرعة. أجرت زهراء المقابلة الوحيدة المطلوبة مع مسؤول اللجوء بعد أقل من شهر على وصولها لألمانيا. كانت الأسئلة مباشرة للغاية: لماذا أتيت إلى ألمانيا؟ هل تعرفين أي إرهابيين؟ أجابت زهراء بـ لا، وأنها جاءت إلى ألمانيا بالأساس للهرب منهم.

اقتنعت السلطات بإجابات زهراء، وفي غضون شهر واحد حصلت على موافقة على طلب اللجوء الذي تقدمت به. في ذلك الوقت، قفزت زهراء من السعادة، وقامت باحتضان والدتها والتي كانت قد حصلت على اللجوء قبلها بأيام قليلة، ولكن الأمر كان نقطة البداية فقط نحو كدح طويل لاستيعاب الحياة الجديدة.

تعيش زهراء ووالدتها حالياً في مركز للاجئين في فندق قديم في سترالسوند، وهي مدينة جميلة بها ميناء قديم، ومبانيها مصممة على طراز العمارة القوطية التي تعود لعصور قديمة، إلا أنها مدينة هادئة أيضاً. لا يوجد وظائف، كما أن السكن المتاح محدود جداً. بدأ أصدقاء زهراء يتنقلون الواحد تلو الآخر نحو مدن أكبر بحثاً عن عمل، حيث لم يبقَ سوى 4 فقط من المجموعة المكونة من 15 شخصاً. تحارب زهراء حالياً من أجل الحفاظ على طاقتها الإيجابية.

بحلول أبريل/ نيسان 2016، وجدت أن زهراء قد استعادت عزيمتها، حيث بدأت دراستها الجامعية، وهنا أصبح لها نظام جديد لحياتها، حيث تبدأ دروسها من الحادية عشرة صباحاً إلى الثالثة عصراً، كما أصبح لديها أصدقاء ألمان، وتذهب إلى الصالة الرياضية يومياً بعد انتهاء الدراسة.

تبحث زهراء ووالدتها حالياً عن منزل جديد، إلا أنهما تحاولان في الوقت الحالي التأقلم مع محل سكنهما المؤقت. في كل مساء، تقوم الأم وابنتها بإعداد وجبة في المطبخ المشترك. تقول زهراء "نقوم بطهو أي طعام سوري. الملوخية، أو البازلاء مع الأرز. أحاول أن أجد طريقة للاستمتاع بالحياة".


الألمان من الود المذهل للكراهية


عندما دخل محمد إلى ألمانيا عبر الحدود لأول مرة في سبتمبر/ أيلول 2016، لم يكد يصدق أن رحلته قد انتهت بالفعل. فبعد تلك الفوضى الكبرى في محطة القطار في كرواتيا، ظل عالقاً مرة أخرى في المجر في قطار مزدحم لمدة 14 ساعة دون مياه أو حمامات.

في ألمانيا، كان يخاف أن يواجه المزيد من هذه الأمور. يقول "كنت أفكر: هل أنا في ألمانيا بالفعل؟ أم ما زال هناك المزيد من الحدود التي أحتاج لعبورها؟ كنت مستنزفاً للغاية، والجميع كانوا يشعرون بالمرض".

فوجئ محمد من طريقة معاملته، فقد تم نقله في البداية إلى دورتموند، والتي تبعد كثيراً عن بافاريا التي يقطنها صديقه يوسف، إلا أن رجل أمن عطوف سمح له بالاتجاه نحو الجنوب ليكون بالقرب من صديقه.

عند محطة القطار، قامت شابة ودودة بشراء تذكرة له. كان المخيم الثاني الذي وصل إليه محمد فوضوياً، حيث إنه نظراً لصعوبة توفير المساحات، تقوم ألمانيا بجمع اللاجئين في المباني العامة الخاوية.

في البداية، وجد نفسه في صالة رياضية بصحبة 300 لاجئ آخر ينامون على الأرض دون مسافات تذكر بينهم، ولكن بالنسبة له، كان في نفس الجزء الذي يتواجد فيه يوسف في ألمانيا، حتى ولو كانا في مكانين مختلفين. بعد أيام قليلة، اتفقا على اللقاء أمام محطة اندشوت. وأخيراً، استطاعا أن يلتقيا من جديد.

كخريج جامعي، يفترض أن يلتحق يوسف بجيش النظام السوري، إلا أنه فضل الاختباء لأشهر للتهرب من الأجهزة الأمنية، وحينها التقى بـ محمد.

يتذكر محمد الأمر قائلاً "لقد قضى 3 سنوات داخل شقته. كانت قوات الأمن تتوجه إلى والديه للسؤال عنه، لذلك اضطر للاختباء طيلة 3 سنوات".

انتقل محمد إلى دراخسلريد، وهي قرية تقع في الغابة البافارية يسكنها 3 آلاف شخص، حيث سكن في مجمع يتكون من 8 شقق، كل شقة بها 8 من طالبي اللجوء. كان زملاؤه في الشقة يمثلون مزيجاً جديداً، كان بينهم مدرس رياضيات، ومهندس نفط، ومصمم مواقع، وصاحب سوبر ماركت، وممرض.

ومع وضعهم جميعاً في القرية الألمانية المعزولة، لم تندمج المجموعة سوياً. وجد محمد أنه من الأسهل النوم أثناء النهار والاستيقاظ في الليل للحصول على بعض الخصوصية، ولكن بعد أسبوع واحد، بدأت المجموعة تتناول الكثير من النقاشات، حيث تجادلوا حول الكثير من الأمور الفلسفية والسياسية.

4

وجد محمد أن السكان المحليين ودودون بشكل مذهل، حيث دائماً ما عرضوا المساعدة في المواصلات أو في الترجمة للألمانية.

بدأت دروس اللغة الألمانية منذ اليوم الأول، كما جاءت مقابلة محمد للجوء بعد أيام فقط من وصوله. وكزهراء تماماً، جاءت الأسئلة مباشرة للغاية خلال المقابلة.

لم يمر سوى أسبوع عندما بدأ محمد في الشعور بشيء من الكراهية من جانب الألمان تجاه الأجانب.

في يناير/ كانون الثاني 2016، بعد أيام قليلة من العام الجديد، كان يتجه إلى محل تجاري مع صديقه قتيبة، حيث كانت تسير أم وابنتها ناحيتهما، وما أن لاحظت أنهما سوريان، قامتا بالسير من ناحية أخرى سريعاً خوفاً منهما.

سأل محمد قتيبة متعجباً "لماذا فعلت ذلك؟"، فأجابه "لا أعرف، الجميع يعرفوننا هنا". واصل الصديقان السوريان سيرهما، قبل أن تلحظهما امرأة أخرى لتفعل الأمر ذاته.

بدا الأمر غريباً للغاية قبل أن يعود الصديقان إلى المنزل ويستمعا إلى الأخبار التي ذكرت أن مئات السيدات تعرضن للاعتداء والسرقة خلال احتفالات رأس السنة في عدة مدن بينها كولونيا، في حين وجهت أصابع الاتهام في هذه الحوادث نحو اللاجئين.

كغيره من السوريين، كان محمد مصدوماً للغاية، ولكنه تعجب إذا كان من الإنصاف أن يكون السوريون كبش فداء في هذا الأمر.

يتذكر محمد قائلاً "في البداية قالوا إن الأمر يتعلق باللاجئين، ثم قالوا إنهم ليسوا سوريين، وإنهم من الأفغان والعراقيين، ثم بعد ذلك قالوا إنه لا علاقة للاجئين بالأمر، وإنهم مجموعات من شمال إفريقيا".

كانت ردود الفعل في جميع الأحوال قصيرة الأمد. عاد سكان القرية بعد ذلك لتحية محمد في الشارع.

تمكن يوسف من الحصول على اللجوء في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، قبل أن يتبعه محمد ويحصل على اللجوء في يناير/ كانون الثاني 2016، يعيش محمد ويوسف سوياً في برلين حالياً في غرفة بمنزل أسرة ألمانية مكونة من زوجين وطفل في الرابعة.
يدرس محمد الألمانية بشكل يومي ويأمل في دراسة الماجستير في الهندسة الطبية بحلول 2017. بالعودة إلى أقل من عام مضى، كان محمد يعيش وسط الحرب.

الآن، أصبح له مستقبل منتظر تماماً مثل يوسف، الذي يخطط لاستكمال مشواره العلمي كمصمم أزياء.


الكلبة تصل قبل أصحابها


يملك الشابان كلبةً أيضاً تدعى باتي، كانت قد دخلت إلى بيت يوسف في دمشق في اليوم الذي انتُخِب فيه بشار الأسد للرئاسة مرة أخرى في 2014.

وكان من السهل على الكلبة الوصول لألمانيا أكثر من أصحابها، بعدما اصطحبها أحد أصدقاء يوسف الذي يدرس في ألمانيا إلى البلاد على متن طائرة. يقول محمد مازحاً "لقد جاءت إلى ألمانيا قبل أن نفعل نحن".

ما زال محمد يشعر بالقلق حيال أخيه العالق في سوريا، وأصدقائه في تركيا، ولكن في النهاية، أصبح بإمكانه التخطيط لمستقبله.

- هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، يرجى الضغط هنا.

حول الويب

CNN Arabic - اللاجئون السوريون

اللاجئون السوريون - RT Arabic

لماذا لا يفر اللاجئون السوريون إلى دول الخليج؟ - BBC Arabic

اللاجئون السوريون | نون بوست

اللاجئون السوريون العالقون في الجزر اليونانية… 40 يوما من المآسي في غياب المنظمات الإنسانية

اللاجئون السوريون بكردستان يتساءلون: هل سنعود يوما؟

'I've tried to find a way to enjoy this life': Syrian refugees one year on

أميركا الجنوبية.. باب جديد يطرقه اللاجئون السوريون