"كالمجنون أتصفح الشبكات الاجتماعية".. حلبيون نزحوا قبل حملة القصف يبحثون عن ذويهم!

تم النشر: تم التحديث:
ALEPPO
AMEER ALHALBI via Getty Images

"كالمجنون أقضي ساعاتي متجولاً بين الشبكات الاجتماعية"، يصف رائد عليوي (41 عاماً) لـ"هافينغتون بوست عربي" حياته التي قضاها في الأسبوع الأخير متابعاً: "أبحث عن أخبار القصف.. أسماء القتلى.. أماكن الاستهداف.. وصور المصابين، أحاول أن أجد أي معلومة تخبرني عن مصير عائلتي التي فقدت الاتصال بها منذ 7 أيام". بصوت تغالبه الدموع.

رائد المقيم حالياً في جزيرة لسبوس اليونانية، التي وصلها كمهاجر غير شرعي منذ شهر تقريباً، يحاول الآن وبشكل يومي العودة إلى تركيا ومنها إلى حلب للاطمئنان على عائلته.

يقول: "لا أعرف بالضبط كيف سأعود ولكني أحاول - يقول رائد - أتيت إلى هنا وخاطرت بحياتي لأنقذ زوجتي وطفلي وأنقلهم للحياة في أوروبا بعيداً عن القتل في سوريا، تعرضت لإطلاق النار عندما قطعت الحدود التركية، وخاطرت بحياتي راكباً أحد قوارب الموت حتى وصلت إلى هنا، والآن أنا عالق في هذه الجزيرة لا أستطيع العودة ولا المتابعة".

كان من الصعب على رائد المغامرة وتحميل عائلته مخاطر رحلة الهجرة، لذلك قرر تركهم في حلب ويضيف: "لا أملك المال الكافي لتغطية نفقة إقامتهم في تركيا طيلة فترة سفري وانتظار معاملة لمّ الشمل، إضافة إلى الخطورة الكبيرة التي ستواجههم عند قطع الحدود السورية التركية بطريقة غير شرعية".

ويوضح رائد: "حاولت استغلال الهدنة وتركتهم ورائي على أمل أن ألتقيهم قريباً في مكان يكفل مستقبلهم ويضمن لهم حياة بعيدة عن طوفان الدماء الذي يجتاح بلدي منذ أعوام".

ولم يتبق لرائد سوى متابعة الأخبار والعيش على أمل نجاتهم، ويقول: "أستمر بإقناع نفسي بأنهم بخير وأُرجع هذا الانقطاع إلى ندرة الاتصالات المتوافرة في مدينة حلب خاصة في هذه الظروف، ولو عاد الزمن لما تركتهم ولكنا واجهنا مصيرنا سويّا".


لا شيء سوى الموت!


aleppo

"لا شيء يحدث في حلب، نجلس هنا فقط لنحصي الموتى، أسماءهم وجوههم وأعداد من تركوا خلفهم، لا نملك إلا الانتظار، ننتظر دورنا الذي نتمناه ربّما سابقاً لأدوار من نحب، هي لعبة الموت التي اعتدنا لكنها هذه المرة جاءت سريعة لتفوق إمكاناتنا في مجاراتها"، بهذه الكلمات تصف عليا - أو أم عامر كما تحب أن تلقّب - يومياتها في مدينة حلب لـ"هافينغتون بوست عربي".

وتضيف: "سر البقاء يكمن في قدرتنا على التحمل أو في حظنا لا أكثر، هو شيء يشبه فيما يشبه ألعاب القمار فخيارك المبني على التخمين والحظ هو وحده الكفيل بقتلك أو منحك فرصة أخرى للحياة".

تسكن عليا (37 عاماً)، المدرّسة السابقة والأم لثلاثة أطفال، في حي بستان القصر أو المعبر، كما بات يُعرف والذي يتعرض والقسم الشرقي من مدينة حلب الخاضع لسيطرة قوات المعارضة السورية لغارات عنيفة ومكثفة تشنها كل من طائرات النظام السوري والقوات الروسية وبشكل مستمر منذ 10 أيام مخلّفةً، وبحسب الإحصاءات الأولية، 235 قتيلاً من المدنيين إضافةً إلى مئات الجرحى.


لا فرصة لنا


aleppo

منذ عودة الغارات وأنا لا أفارق أطفالي - تتابع عليا - أحرص دائماً على أن نكون في نفس المكان، في ذات الغرفة تحديداً، أصطحبهم معي أينما ذهبت، فنحن لا نملك اليوم مكاناً آمناً، ببساطة يمكن للموت أن يداهمنا في كل مكان، في المنزل الشارع المشفى وحتى في دور العبادة، في الماضي كنت عند سماعي صوت الطائرة أختبئ وأطفالي في الحمام كونه يملك سقفاً زائداً عن سقف المنزل، لكنهم اليوم يستعملون أسلحة أشد فتكاً، لا ينفع معها الاختباء، رأيت بأم عيني أبنية دمّرت بالكامل، لم يشفع لساكنيها عدد الأسقف الكثيرة في البقاء على قيد الحياة.

وعن سبب بقائهم حتى الآن في مدينة حلب تقول عليا: "إلى أين، لا فرصة لنا في مغادرة البلاد، الحدود مغلقة في وجهنا، والمخيمات الحدودية ليست بمنأى عن إجرام قوات النظام، هم لا يتوانون عن قصفها بين الحين والآخر، وكأن معاناة ساكنيها باتت تغريهم بزيادتها، إضافة إلى ذلّ التشرد والعوز والحاجة هناك، أفضل الموت هنا محتفظة بما تبقى من كرامتي، ولكن أتمناه قبل مَن تبقى من أفراد أسرتي، فأنا لم أعد أحتمل توديع المزيد".


جنون تام


عارف سويد الشاب ذو الـ28 عاماً المتطوع في الدفاع المدني بمدينة حلب، لم يستطع وصف الأيام العشرة الأخيرة إلا بالجنون، "لم نعد نملك وقتاً للاطمئنان على عائلاتنا، الغارات لا تهدأ ووتيرة القصف تصل ليلنا بالنهار"، على حدّ قوله.

وبحسب سويد، فالحملة مركّزة وبشكل شديد على أحياء بستان القصر الكلاسة الهلك الطراب وباب النيرب، حجم الدمار كبير، الطيران الروسي يستهدف كافة المراكز الحيوية كالمستشفيات ومستودعات الأدوية ومراكز الدفاع المدني وبشكل يومي.

ويتابع الشاب الحلبي لـ"هافينغتون بوست عربي" أن "المدينة اليوم تعيش حالة شلل تام، عدد كبير من المراكز الطبية خرجت من الخدمة نتيجة دمارها أو استشهاد كوادرها، المدارس أُغلقت والمساجد علقت صلواتها خوفاً من القصف، وحتى المحال التجارية لم تعد تفتح أبوابها، نشهد حركة نزوح كبيرة من الأحياء المستهدفة باتجاه الريف الغربي الذي لا يمكن اعتباره آمناً أيضاً، حيث تعرض بالأمس - السبت 30 نيسان/أبريل 2016 - إلى ما يزيد على 35 غارة".

ويختم حديثه بقوله: "نحن عاجزون تماماً أمام هذا الجنون، لا نملك العدد الكافي من الآليات لإزاحة الأنقاض، ولا الأعداد الكافية من المتطوعين، ندخل في سباق دائم مع الوقت لنخرج مَن تبقى حيّاً من تحت ركام الأبنية، ولا يسعنا إلا أن نناشد العالم التدخل لإيقاف هذه المجزرة المستمرة".