تونسيات تركن الأنوثة جانباً.. جنرال وعاملة محطة وصيادة.. حصيلة المكاسب والخسائر

تم النشر: تم التحديث:
TWNSYAT
تونسيات | سوشال ميديا

مع بزوغ أول خيوط الفجر تستيقظ ثريا لتجهز نفسها للعمل وتشق طريقها سيراً على الأقدام نحو محطة البنزين بمنطقة قرمبالية شرق تونس، مع حرصها الشديد على ارتداء "القميص والبنطلون والقبعة"، وهو زيها الوظيفي الذي فرضته إدارة المحطة على كل العاملين داخلها دون استثناء.

هذا الزي الذي يحجب الكثير من معالم أنوثتها تراه ثرياً أمراً مفروغاً منه، ولا يمثل لها أي إحراج لتنطلق بعدها في استقبال سيارات العملاء وتقديم الخدمات لهم من الساعة السادسة صباحاً حتى الثانية بعد الزوال على نفس الوتيرة.


من الحاجة إلى الشغف


توجُّه هذه الفتاة للعمل في مجال يُقبل عليه الذكور أكثر من الإناث كان في البداية اضطراراً لتوفير لقمة العيش الكريمة لها ولأسرتها، حيث تقول ثريا لـ"هافينغتون بوست عربي": "تقدمت في البداية بطلب عمل كنادلة في المطعم المتواجد بمحطة البنزين، لكني لم أوفق ووجدت أن هناك وظيفة شاغرة للعمل بذات المحطة متمثلة في تعبئة الوقود للزبائن القادمين بسياراتهم فقبلت الأمر على الفور ومن دون أي تردد، وشيئاً فشيئاً استهوتني هذه المهنة وتحول عملي فيها إلى متعة وشغف".


نظرات الزبائن


twnsyh

ثريا تؤكد أنها لا تكترث لنظرات بعض الزبائن الذين يقدمون للمحطة لتعبئة الوقود، ومنهم حتى من يرفض أن تقوم هي بخدمتهم لأنها ببساطة أنثى، لكنها في المقابل وجدت كل الدعم والتشجيع من زملائها في العمل من الرجال.

وتضيف قائلة: "في البداية كنت أشعر بالقلق من نظرات بعض أصحاب السيارات الذين يرمقونني بشيء من الاستغراب يصل أحياناً حد الصدمة، حتى أن منهم من يناديني: "يا فتى"، ظناً منهم أني ولد، لكني كنت دائمة الحرص على أن أوضح لهم هذا اللبس".

هذه الشابة التي بلغت عقدها الثالث لا تخفي سراً خسارتها العديد من فرص الارتباط العاطفي بسبب اعتراض الطرف الآخر على طبيعة عملها في هذه المهنة، وآخرون اشترطوا تركها العمل بالمحطة مقابل الزواج، لكنها كانت في كل مرة ترفض وتبدي تمسكها بهذا العمل الشريف الذي تراه حافظاً لكرامتها وعائلاً لها ولأسرتها.

ثريا تكمل اليوم عامها السابع كعاملة بمحطة بنزين، وتشدد على أنها لم تندم قط على دخول غمار هذه المهنة التي تراها شاقة، لكن في نفس الوقت ممتعة.


جنرال وشاعرة.. ربة السيف والقلم


وبعيداً عن هذا المجال تقف السيدة رجاء الشابي في وزارة الداخلية التونسية جنباً إلى جنب مع زملائها من الضباط ورجال الأمن، كأول امرأة تونسية تحصل على لقب جنرال صنف أول.

الجنرال رجاء تؤكد لـ"هافينغتون بوست عربي" أن هذه الرتبة السامية التي تعد الأولى من نوعها تمنح لامرأة تونسية في سلك الأمن والجيش تأخرت كثيراً بسبب تأجيلات إدارية ذكوية بالأساس وسنوات من الظلم والعنصرية الذكورية من قبل مديريها.

وتواصل حديثها: "كنت أحاول قدر الإمكان طيلة سنوات عملي أن أظهر بأداء مهني يفوق زملائي الرجال سواءً في قوة الشخصية أو الشجاعة أو الانضباط، وحتى من خلال عملي كأستاذة جامعية في كلية الشرطة كنت أحظى بتقدير واحترام عاليين من الطلاب في المجال الأمني الذين كنت أدرسه لهم".

هذه السيدة لم تخفِ تعرضها لكل أنواع التحرش والمضايقات في محيطها المهني، لكنها كانت تقاومه برباطة الجأش والانضباط وفرض احترام زملائها لها في المهنة.

الجنرال رجاء كسرت الصورة النمطية للمرأة، فهي تجمع بين المتناقضات، فإلى جانب عملها في صلب وزارة الداخلية وحملها للسلاح فهي أيضاً تمارس هواية كتابة الشعر وترجمة دواوين أشهر الشعراء الفرنسيين.

وهنا يظهر الجانب الأنثوي المخفي في شخصيتها، كما تقول، ومن خلاله تطلق العنان لممارسة هوايتها كامرأة وكأنثى، لتصبح رجاء النظير الأنثوي للشاعر المصري الشهير محمود سامي البارودي الذي كان عسكرياً بارزاً وشاعراً رائداً، فعُرف برب السيف والقلم.


نجاح مهني ولكن..


tyar

نجاح الجنرال رجاء في حياتها المهنية لم يكن كذلك في حياتها الشخصية، حيث تقول بكل أسف إنها اضطرت للانفصال عن زوجها الذي طالما وجّه لها انتقادات وملاحظات بسبب طبيعة عملها، ما انعكس سلباً على حياتهما الأسرية، فكان الطلاق هو الحل.

وتعلق قائلة: "طبيعة الرجل العربي وعقليته الذكورية لطالما كانت ولاتزال حاجزاً أمام طموح المرأة، وفي تونس تربينا على الفكر البورقيبي (الحبيب بورقيبة أول رئيس لتونس بعد الاستقلال)، وعلى حرية المرأة، لذلك لا سقف لطموحنا، ونحن فعلياً كسبنا معركتنا أمام الرجل، ومازلنا نناضل من أجل الحصول على المزيد من حقوقنا، وهذه ليست منّة من أحد".


امرأة بمائة رجل


دخول النساء التونسيات معترك الحياة المهنية وخوض مهن قد يراها البعض مستعصية على الجنس الناعم ليس بالجديد في هذا البلد، حيث عرفت تونس منذ سنوات نساء بقين في الذاكرة على غرار البحارة سعيدة الجلالي التي مرّ على وفاتها نحو سنتين، وظلت ذكراها خالدة في ذاكرة أهالي أرخبيل قرقنة جنوب شرق تونس، وهي التي صارعت موج البحر على متن قاربها الصغير لمدة 57 عاماً، وامتهنت صيد السمك لإعالة أسرتها وأطفالها ووصفت بالمرأة الحديدية وبمائة رجل.


"نساء أمام المقود"


وزارة المرأة والأسرة في تونس أطلقت بدورها مشروعاً تحت عنوان "نساء أمام المقود"، بالتعاون مع جمعيات أوروبية، هدفه مزيد من إدماج المرأة التونسية في كل القطاعات المهنية في إطار تعزيز مبدأ تكافؤ الفرص، وذلك من خلال إطلاق برنامج لتأهيل وتدريب نحو 25 امرأة في مجال قيادة التاكسي في محيط المطارات التونسية.


حاجة أم تحدٍّ؟


ويرجع الباحث في علم الاجتماع طارق بلحاج محمد دوافع امتهان النساء لمهن قد تكون شاقة أو كانت مقتصرة إلى وقت قريب على الرجال لأسباب يراها اقتصادية واجتماعية من جهة، وأخرى شخصية متعلقة أساساً بشخصية المرأة التي ترغب في التحدي وإثبات ذاتها، وفق تقديره.

ويضيف: "تكون المرأة في الغالب مضطرة للعمل في هذه المهن من أجل حفظ كرامتها وتأمين لقمة العيش لها أو لعائلتها، وهي بالتالي تحاول العمل في المتاح في محيطها حتى في المهن الصعبة حسب إمكانياتها وظروفها الخاصة والظرف العام الذي تعيشه بلادها".

وأضاف في هذه الحالة يمكن أن تكون أماً أو أرملة أو أختاً كبرى أو يتيمة، وبالتالي فإن الحاجة والفقر هما ما يدفعانها للعمل في هذه المهن.

بلحاج محمد يرى من جهة أخرى أن هناك عوامل نفسية تقف وراء دخول المرأة معترك المهن التي ظلت لسنوات حكراً على الرجل، لعل أبرزها عامل التحدي وإثبات الذات وانتزاع الاعتراف من المجتمع بأنها الأجدر، ليرتبط اسمهن بصفات التميز والخروج عن المألوف والشجاعة والقوة والقدرة على تحمل المسؤولية أكثر من بعض الرجال.


حضور ضعيف للمرأة


يُذكر أن الدستور التونسي لما بعد الثورة أكد في بعض فصوله مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين المرأة والرجل، كما تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها، وهي أيضاً الضامنة لتكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات.

ورغم ذلك ترى ناشطات في مجال حقوق المرأة في تونس أنه على عكس ما يشاع حول تحرر المرأة التونسية وحمايتها بترسانة من القوانين يبقى الإشكال في التطبيق على أرض الواقع الذي يصطدم "بالعقلية الذكورية" وغياب الإرادة السياسية الفعلية في تكريس حضور قوي للمرأة في ظل ما تؤكده الأرقام حول نسب حضور المرأة في مراكز القرار السياسي أو الاقتصادي الذي يوصف بالضعيف للغاية، ولا يعكس كل هذه التشريعات الضامنة لحق المرأة في تكافؤ الفرص.