روسيا تثبت أقدامها في الشرق الأوسط عبر بوابة الكُرد

تم النشر: تم التحديث:

أعلنت الحكومة الروسية عن إرسالها لقوّات للقتال إلى جانب القوات الكردية شمال غربي سوريا وأنها ستقوم بتزويد الكُرد العراقيين بالسلاح في تحركٍ جديد يبدو أنه سيؤثر بشكل مباشر على العلاقة الطويلة الممتدة بين الولايات المتحدة وبين الكُرد وسيزيد من النفوذ الروسي في المنطقة.

وأكد المسئولون الروس والكُرد أن الكرملين ينوي ترسيخ أقدامه في المنطقة من خلال توطيد العلاقة مع بعض المجموعات الكُردية وإمدادها بالسلاح والذخيرة والوقود، كما تنوي موسكو البناء على وجودها الحالي القائم على أساس العلاقة بينها وبين نظام بشار الأسد. وتأتي تلك الجهود في خضم قلقٍ متزايد من الولايات المتحدة من أن تقوم روسيا بنشر قواتها ومعدّاتها في سوريا تمهيداً للعودة من جديد للقتال بكامل قوتها في المستقبل القريب، بحسب صحيفة "The Wall Street Journal".

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأسبوع الماضي أن الجنود الروس يقاتلون إلى جانب كرد سوريا في المنطقة الاستراتيجية حول حلب، على الرغم من أن مسئولي المخابرات الأميركية قد شككوا في وجود تلك القوات في الصفوف الأولى.


أميركا والكرد


وتعتمد الولايات المتحدة بالأساس على الكرد في سوريا كأحد أكثر تحالفاتها فعاليةً في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، في الوقت الذي أشار فيه مسئولو المخابرات أن الفصيل الكردي الذي تدعمه روسيا لم تدعمه الولايات المتحدة من قبل على الإطلاق، كما قالوا أن ما أعلنه بوتين هو خطوة لاستفزاز الولايات المتحدة وتركيا التي لديها الكثير من المخاوف حول الدعم الخارجي للكرد، والذي قد يقوّي حركتهم المطالبة بالاستقلال.

تمتلك روسيا قاعدتين عسكريتين في سوريا، بالإضافة لعددٍ غير معروف من القوات والطائرات، وسط تأكيدات من مسئولين روس على أن الطيران الروسي مازال يقدم بعض الدعم لحلفائه على الأرض، وناقش المسئولون أيضاً في الأسابيع الأخيرة إمداد الكرد في العراق بالسلاح لتجهيزهم لتصعيد القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية ودعمهم في معركتهم في الموصل.

وكان البنتاغون قد أعلن الإثنين الماضي أنه قد يزيد من حضوره في العراق ويقوم بدعم المقاتلين قوات (البيشمركة) بمساعدات إضافية تبلغ 145 مليون دولار، في الوقت الذي تقدم فيه الولايات المتحدة الدعم حالياً في صورة تدريب عملياتي واستشارات عسكرية، بحسب ما ذكره الكولونيل ستيف وارن، المتحدث باسم البنتاغون في العراق، إلا أن وارن ذكر أيضاً أن البنتاغون مازال يتعامل بهدوء مع المبادرات الروسية تجاه الكرد ولا يسعى لعرقلتها، كما يقول "قام الروس ببيع السلاح للعديد من اللاعبين في العراق على مدار 50 عاماً".

مارك كاتز، البروفيسور بجامعة جورج ميسون والمهتم بالسياسات الخارجية الروسية، قال إن هذا التحرك قد يجبر الأميركيين على زيادة الدعم العسكري والأسلحة التي يقومون بإرسالها لكي لا تكون لروسيا اليد العليا في المنطقة، ويقول "حتى ولو لم تكن الولايات المتحدة تنوي ذلك قريباً، ستجبرها المنافسة مع روسيا على فعل ذلك".

من ناحية أخرى، يأتي التواصل الروسي مع الكرد في أعقاب الخلاف مع تركيا، فبعدما قامت تركيا بإسقاط مقاتلة روسية من طراز سوخوي 24 في نهاية العام الماضي، ضغطت روسيا بقوة على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لإدخال الكرد في محادثات السلام السورية فيما تم تفسيره على كونه ضغطاً مباشراً على أنقرة، في الوقت الذي تخوض فيه معركة متعددة الجبهات مع حزب العمال الكردستاني المتمرد والمصنف كمنظمة إرهابية من قبل كلٍ من تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وقد تابعت أنقرة بقلق قيام الولايات المتحدة بتعميق علاقاتها مع حزب سوري تابع لحزب العمال الكردستاني.

قبل التدخل الروسي، لم يكن لدى الكرد أية فرصة لدخول مفاوضات السلام أو التواجد كجزء منها، في الوقت الذي حذر فيه أردوغان الروس الشهر الماضي من مخاطرتهم بأمن بلادهم بتحالفهم مع كرد سوريا.


زيادة التوتر بين موسكو وواشنطن


ويرى الكثير من المتابعين السياسيين خطراً كبيراً في العلاقات الجديدة لروسيا مع كرد العراق وتأثيرها على زيادة التوتر بين موسكو وواشنطن، حيث ترغب واشنطن بالأساس في الحفاظ على وحدة العراق. يقول سيث مولتون، عضو لجنة الدفاع بمجلس النواب الأميركي "ستقوم روسيا باستغلال أية فرصة ممكنة لتقويض المصالح الأميركية عالمياً، ولكنهم دائماً ما يهملون التفكير بالعواقب. نحن نهتم لمسألة الاستقرار طويل الأمد في العراق، ولا أظن أنهم يهتمون بهذا الأمر".

وذكر مسئولون روس أن بلادهم قد قامت بإمداد الكرد العراقيين بشحنة من الأسلحة -أغلبها من الأسلحة الخفيفة- في منتصف مارس/ آذار الماضي، وأن وفداً كردياً قد زار موسكو خلال نفس الشهر لمناقشة الأمر، كما سيقوم وفدٌ كردي أيضاً بزيارة سانت بطرسبرغ في يونيو/ حزيران القادم، بحسب ما أكده السفير الروسي في العراق، في الوقت الذي أعلنت فيه السلطات في أربيل -عاصمة كردستان العراق- أنها تتوقع وصول المزيد من الأسلحة المتقدمة في مايو/ أيار القادم.

وتعد تلك الإمدادات نقطة تحول حساسة للغاية بالنسبة للحكومة العراقية، فبينما تحظى الحكومة الإقليمية في أربيل حالياً بدرجة عالية من الاستقلالية، كان أمر توزيع السلاح يقتصر على حكومة بغداد، وهو ما أبقى الكرد على ارتباط بها. وقد أكد مصدران، أحدهما على دراية بالجهود الدبلوماسية الروسية مع الكرد، والآخر مقرب من وزارة الدفاع الروسية، أن صفقات الأسلحة الأخرى القادمة قد تتم دون تنسيق مع بغداد، حيث قال المصدر المقرب من وزارة الدفاع الروسية "هناك عدة مراحل لتسليم السلاح. في مرحلة ما، نقوم بتسليم كل الأسلحة من خلال بغداد، ولكننا بأمر من الرئيس أيضاً بإمكاننا تخطي بغداد وتوصيل السلاح بطرق أكثر سرية، كالعمليات الخاصة". في الوقت نفسه، لم تعلق وزارة الدفاع العراقية على طلبات متكررة للتعليق على الأمر.

الشهر الماضي، وخلال مؤتمر عُقِد بمدينة السليمانية الكردية، قال قائد اللواء التاسع في قوات بيشمركة كوردستان العميد آراز عبد القادر، إن الكرد يدعمون تخطي بغداد في حصولهم على السلاح، حيث قال "إنه لطريق طويل من بغداد، يجب أن نختصره، لدينا مطار هنا في أربيل".

وخلال المؤتمر ذاته، قال السفير الروسي في العراق إيليا مورغونوف، إن موسكو تواصل الالتزام باتفاقها بتسليح الكرد من خلال الحكومة المركزية، إلا أنه توقع أن تُجرى محادثات مع مسئولين كرد بشكل مباشر في موسكو خلال الصيف القادم، كما أكد أنه من المحتمل أن ترغب موسكو في تزويدهم بأسلحة تتطلب تدريباً متقدماً.


من التوازن إلى الدعم الكامل


خلال العقود الماضية، كانت روسيا تعمل على تحقيق علاقة متوازنة بدقة بين دعم الكرد وبين حكومات الدول التي يعيشون فيها كإيران وسوريا وتركيا والعراق، حيث استضافت موسكو خلال العهد السوفيتي الكرد الفارين من أعمال العنف في المنطقة، ومن بينهم تحديداً مسعود برزاني، رئيس إقليم كردستان العراق الحالي، والذي كان صغيراً عندما هرب والده من الجمهورية الكردية في إيران التي دعمها السوفييت ولكنها سقطت عام 1946.

وفي الوقت نفسه، أعطت النجاحات الحالية للمقاتلين الكرد في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية أسباباً جديدة لموسكو لتعزيز العلاقات معهم أملاً في لعب دور أقوى في سوريا الجديدة، وخاصة أنهم لم يحظوا بدعم أميركي كامل خلال تلك الانتصارات.

وقال رئيس مجلس السياسة الخارجية والدفاعية الروسي فيودور لوكيانوف "لا يوجد شك في أن العامل الكردي سيكون من أهم العوامل تأثيراً في تحولات الشرق الأوسط في السنوات القادمة".

هذه المادة مترجمة عن صحيفة The Wall Street Journal الأميركية.