طالق قبل الزواج.. هاجسٌ يطارد "فتيات التيّار الإسلامي" في مصر

تم النشر: تم التحديث:
MUSLIM WEDDING
getty

أن تكون الفتاة "مصرية" تحلم بالزواج، فإن أمامها قائمةً من التحديات، ولكن أن تكون مصرية تنتمي إلى ما يسمى بـ"التيار الإسلامي" فقائمة التحديات مختلفة.. هنا رحلة إلى عالم خاص جداً يرصد واحدة من تلك التحديات التي تواجه ذلك القطاع من الفتيات.

في عالم الفتيات "الإسلاميات" كما يسمونهن في مصر، قد لا يشكل "الخوف من العنوسة" الهاجس الأكبر مثلما هو الحال مع بنات جيلهن.. فالزواج هنا أيسر، وهن وأهلهن أحرص على التخفّف من التكاليف المالية، والقبول بالزوج "الملتزم" -كما يطلق عليه- حتى وإن كان أقلّ ثراء.

إلى هنا، تبدو الأمور جيدةً، ويبدو أن "الإسلاميين" قد نجحوا في تجاوز عقبة اجتماعية يسعى المجتمع المصري إلى تجاوزها، فأين تكمن المشكلة؟!

لسببٍ ما، يميل معظم "الإسلاميين" إلى القفز على مرحلة الخطبة (الخطوبة بالتعبير المصري)، والانتقال بأسرع ما يمكن إلى مرحلة عقد القران (كتب الكتاب كما يسمى بالعامية)، فعندها يستطيع أن يرى زوجته دون حجاب، وأن يجلس معها دون "محرم"، ويحادثها هاتفياً دون إثارة التوتّر، أو التنزّه معها دون مرافق.

حتى تلك اللحظة، فالزوج ليس في حقيقة الأمر أكثر من خاطب، والفترة هي فترة تعارف، قد تنتهي بأن يتّفق الزوجان أو يكتشف الزوج أن عروسه ليست فتاته المناسبة، وبقرار منفردٍ يفتح صفحة جديدة من حياته، لكنه ينقلها إلى عالم جديد مظلم فتحصل على لقب "مطلقة" قبل أن تصبح "متزوجة"، والأسوأ حين تكتشف أن العريس "الملتزم" لا يلتزم بما كانت تتوقّعه منه ويقرّر أن يتعامل معها ليس فقط كطليقة بل كعدو ينتقم منه.


قصص واقعية


الكثير من المآسي يمكن أن تسمعها، وعلى سبيل المثال فهذه خلاصة قصة نورا: "كان مؤلماً أن أطلب الطلاق وأنا لم أخرج من بيت والدي. والأدهى أن أضطر لرفع دعوى أطلب فيها الخلع حين رفض زوجي- الذي لم يتم زفافي إليه- الطلاق".

نورا عشرينية، لم ترتدِ الثوب الأبيض وتزوجت مع إيقاف التنفيذ. تحكي: "تمت خطبتي لأحد أصدقاء أخي، هو "شابٌ ملتزم"، ولأنه كذلك فسرعان ما انتقلنا من الخطبة إلى عقد القران، بثقة فيه ودون خوف من الخطوة".

ولم يستمر وضعنا الهادئ سوى 6 أشهر بعدها قال إنه متعسر مادياً ولن يستطيع الزواج، وألح أن أطلب من والدي الزواج في منزله، فرفضت، وأصررت أن يكون لنا بيتٌ مستقل ولو كان صغيراً فرفض، وحين طلبت الطلاق رفض أيضاً، فاضطررت لطلب الخلع قبل أن أتزوجه.


الشاب الملتزم


قد تحتاج كلمة "شاب ملتزم" التي ستقرأها مراراً في هذا الموضوع مزيداً من التوضيح، فالتعبير شائعٌ جداً في أوساط التيارات الإسلامية، وهو يشير إلى شبابٍ نالوا تربيةً مختلفة عن أقرانهم في مصر، فجلسات قصص الأنبياء والصحابة، وأنشطة المساجد، كانت بديلاً لبرامج الأطفال العادية، وحفظ الأناشيد الإسلامية كان بديلاً للأغاني، والحلم بـ"تحرير فلسطين" كان يسبق الحلم بوظيفة المستقبل.

الفتيات "الملتزمات" لسن استثناءً مما سبق، وهن ينشأن على تقديس قيمة الأسرة، وعلى ارتداء حجاب فضفاض يختلف عن المنتشر شعبياً، ولا يخالطن الرجال إلا للضرورة؛ ولذلك فزواجهن عادة "زواج صالونات" من دائرة المعارف والأصدقاء أو ترشيحات من الأهل، ونادراً ما يكون عن طريق اختيار مباشر.

يتقدم الخاطب للعروس ليراها "رؤية شرعية"، فإذا كانت ترتدي نقاباً خلعته ليراها، وإن كانت ترتدي حجاباً فإنه يراها به.. يتعارفان، فإن حدث التوافق بينهما، ينتقلان إلى ما بعد الرؤية، وهي في الأغلب "عقد القران" من باب الاحتياط من مخالفة الحديث المروي عن النبي- صلى الله عليه وسلم – "ﻻ يخلونَّ رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم".

تجاوز "الخطبة" أو اختصارها يساعد أيضاً في "اتّقاء الشبهات" والقيل والقال على الأقل في أوساط الإسلاميين الآخرين، ويسمح أيضاً بإمكان تجاوز الحدود التي تفرضها الخطبة مثل اللقاء بالحجاب وتجنب المصافحة (إلخ)، حيث يصبحان زوجين شرعاً، وحلالاً له إلى أن يستطيع التهيوء لتكاليف تجهيز بيت الزوجية.


سلع في مركز للتسوق


بشكل مكتوم، هناك حالة من التذمر مما سبق، فحسب حنان الطالبة بكلية الهندسة والتي مرت بتجارب عديدة: "الأمر أشبه بالتسوّق ، فطالما كان متاحاً أن أمرّ على السوق كله لأرى المعروض ثم أقرّر ما أشتري، فما المشكلة؟! في النهايه أنا لا أخسر شيئاً".

تضيف حنان: "تتكرّر زيارة الخطاب ثم رحيلهم دون أسباب مقنعة، يأتي أحدهم للرؤية الشرعية ويجلس ساعات حتى تظن الفتاة أنه معجب بها، ثم يتصل ليعتذر قائلًا "إنه استخار الله، لكنه لم يشعر أنها المناسبة". هذا نصيبٌ في النهاية، لكن تكرار الموقف يرسب شعوراً بأن الفتاة سلعةٌ في مركز للتسوق.

تتابع: بعض "العرسان" يدمنون التسوق، فهم يترددون على البيوت لمشاهدة البضاعة، وهم لا يعرفون ما يريدون بالضبط، أو ربّما دون نية في الشراء أصلًا.

الأمر لا يقتصر على معاينتنا كالبضائع، بل أكثر من ذلك أن المشتري يملك حق نقل البضاعة إلى ملكيته وردها لاحقاً إن تبدلت قناعاته، ليعاد طرح البضاعة (الفتاة) كـ"قطعة مستعملة".

آلاء فتاة أخرى تبلغ من العمر 27 عاماً، تحكي تجربتها الشخصية: تم عقد قراني لمدة شهرين ثم طلقت لأسباب لم أعرفها حتى الآن، فقد كانت علاقتنا مستقرة، ثم تغير فجأة وأصبح يقف على كل صغيرة وكبيرة، وازدادت المشكلات على أمورٍ تافهة بيني وبينه، حتى شعرت أنه يتعمد ذلك لأطلب الطلاق.

ولقد تأكدت شكوكي حين طلب مني التنازل عن كل حقوقي إن أردت أن أحصل على الطلاق، كانت صدمةً أن أصبح مطلقة وأنا لم أتزوج بعد.

وتتابع: "لم يخسر شيئاً لأنه لم يتكلف شيئاً منذ البداية، دخل بيتنا ولم يتحمل عناءً يذكر في الحصول على ما يريد، باسم الشرع والدين".


استغلال تعاليم اﻹسلام


وإذا كان الاتجاه للتيسير وعدم المغالاة في الطلبات سمة منتشرة في هذه الزيجات فإن بعض الفتيات يقلن إنهن لم يجدن في العريس تقديراً لذلك بل "محاولة للاستغلال".

تحكي زينب المعيدة بكلية الآثار بجامعة القاهرة عن تجربتها الشخصية المليئة بالوعود التي لم تتحقق.

تقول: حدثتني معلمة القرآن عن شاب يريد التقدّم لي، ففرحت كثيراً لما علمت عنه التزامه بالدين، ولم يهمني شيء آخر.

ألححت على أهلي للتيسير أكثر، حتى يكون الأمر سهلاً على شابٍّ في بداية حياته.
وتمت الخطبة وعُقد القران، وكنت أرى الأمور كلها مُهيأة لبناء أسرة سعيدة، حتى لاحظت أنه يتلكأ في كل ما يمكن أن يعجل بزواجنا، وكلما سألته تذرع بظروفه المادية، ثم تغير فجأة وقال إننا لم نعد مناسبين للزواج (!!) كيف؟ وما الأسباب؟ لا رد مناسب، ولا إجابة منطقية على هذا التصرف حسبما تقول.. وتم الطلاق.


من أمِن العقوبة أساء الأدب


منيرة؛ والدة إحدى الفتيات اللاتي طلقن قبل أن يتم زفافهن، تقول: تم عقد قران ابنتي لمدة 5 أشهر، وقبل زفافها بأسبوع أحدث زوجها مشاكل كبيرة، حتى ضجرت ابنتي من المشاكل التي لا معنى لها، وحين طلبت الطلاق لم يمانع، ولكنه اشترط أن تتنازل عن حقوقها، وتم الطلاق.

وأضافت: من الضروري وضع حدود واضحه في الزواج حسب ما يتوافق مع واقعنا؛ فلابد للأهل أن يكونوا أكثر حرصاً على بناتهم وألا يثقوا في شاب لمجرد أنه يتوشح بالدين، بل عليهم أن يروا منه جدية حقيقية بكل ما يستطيع من جهد، حتى لا تقع الفتيات فيما انتشر هذه الأيام وتتعلق قلوبهن بمن لا يراعي الله فيها.


هل هي طريقة زواج صحيحة؟


"الطريقة التي يتزوج بها المصريون تؤدي إلى الفشل الحتمي، فحين يبدأ التعارف بعد عقد القران وبالجانب الجسدي قبل التعارف النفسي فإننا نتزوج من أجل الجنس ونركز في اختيارتنا علي هذا الجانب دون غيره".
هذا ما قاله د/ أحمد عبد الله، مدرس الطب النفسي بكلية الطب- جامعة الزقازيق عن الفشل في بداية الزواج وعن هذه الحالات السابقة.

وأضاف: انتشار ظاهرة الطلاق بعد عقد القران وقبل تكوين الأسرة، أو أن ترك الشاب للفتاة بعد قصة حب طويلة هو نتيجة متوقعة بعد التهالك المجتمعي الذي نعاني منه، بين شباب يريد أن يصل إلى ما يريد دون جهد يذكر أو حتى دون أن يتكلف عناء الطريق.

ويتابع د. عبد الله: أول معايير إنجاح العلاقات هو التوافق النفسي قبل الجسدي، وبتلك الطريقة في الاختيار لابد أن ننتهي إلى الانفصال، أو كما يقول أحد المتصوفين "ﻻ تتعجب لمن هلك كيف هلك بل لمن نجا كيف نجا؟".

وأكد الدكتور يسري إبراهيم، أستاذ الفلسفة بجامعة عين شمس، أن الأمور الاقتصادية السيئة قد تؤدي إلى التنازل عن مبادئ أخلاقية لأجل الوصول إلى مبتغى معين. مؤكداً أن الزواج محكوم بالاقتصاد والأخلاق.

ويقول إبراهيم: بهذه الطريقة يتحول الزواج من عقد اجتماعي إلى زواج متعة، وهذا لا تقوم به مجتمعات، حيث قد تدفع الضغوط الاقتصادية الحالية الشباب إلى التنازل عن قيم أخلاقية -كاحترام الوعود والصدق والأمانة- بهدف الوصول إلى وضع رغباته في صورة مجتمعية مقبولة، مثل أن يتقدم إلى الفتاة دون نية حقيقية في إكمال الزواج، وبعد فترة يرحل إلى غيرها، وهكذا، دون أن يضع نفسه في حرج مجتمعي ظاهر.


التروي في الخطبة.. أولى


أما من الناحية الدينية، فيما يتعلق بتجاوز الخطبة إلى عقد القران فقد قال الدكتورعرفات محمد عثمان، الأستاذ بجامعة الأزهر: الإسلام شرع الخطبة ليكون أمام الناس فرصة للتروي والتفكر، وليرى الخاطب مدى التوافق النفسي والاجتماعي بينه وبين من اختارها، أما أن ينتقل الأمر سريعاً إلى العقد فهذا لا ينبغي حدوثه، إلا في حالة تأكد واستقرار الخاطب على أن تلك العروس هي من تصلح زوجة، لا أن يعقد لأجل التعارف. القرآن سمى الزواج بالميثاق الغليظ، وذلك الميثاق لابد وأن يحترم، لا أن ندخله لنجرب أو ونحن لسنا على يقين.

وأضاف عثمان: هناك نقطة فقهية ذكرها ابن القيم أنه "إذا أغلق على العاقدين بابٌ فقد ثبت لها المهر كاملاً، سواء دخل أم لم يدخل" –أي تم زفافهما وتزوجا أو لم يحدث ذلك-.

وهذا هو ما عليه جمهور السلف من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم مِن جماهير فقهاء أهل العلم. وبالتالي فحتى بعد العقد لا يجوز له الاختلاء بها إلا بعد إعطائها المهر كاملاً وليس كما هو متعارف عليه.

حول الويب

هل سقطت أسطورة الإسلام السياسي شعبياً؟

الحرية للمفكر الاسلامي الشاب اسلام بحيري

استقطابات المعارضة السورية في زمن الأزمة

سفيرات مسلمات في الجامعات الأميركية

طليقة البغدادي: الطريقة التي أصبح فيها أميراً أسطورية!

مونية مسلم: إسلاميون يتحاملون عليّ رغم أني معتدلة