آثار تدمر التي دمّرها "داعش" تظهر في لندن.. لماذا تعارض "اليونيسكو" إعادة بناء التراث السوري المحطم

تم النشر: تم التحديث:
TDMR
SOCIAL MEDIA

يشهد ميدان "طرف الغار" بوسط العاصمة البريطانية، لندن، ظهور شبح لتمثال "قوس النصر" الذي دمّره تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) بعد سيطرته على مدينة تدمر الأثرية في سوريا. ومن المتوقع أن يبدو القوس كإطار للقبة والأعمدة الرومانية التي تزين المعرض الوطني بالعاصمة البريطانية.

وذكر تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، الثلاثاء 19 أبريل/نيسان 2016، أن نموذجاً لمحاكاة قوس النصر، الذي يقع بمدينة تدمر السورية ويبلغ عمره 1800 عام، شيد بدقة شديدة باستخدام تقنيات المسح الضوئي وبعض الحجارة من أحد محاجر مقاطعة توسكان الإيطالية (وهو نفس المكان الذي جلب منه النحات والرسام الإيطالي الشهير "ميكيل أنجيلو" حجارته)، وذلك باستخدام ذراع آلية التحكم.

وكان مسلحون ينتمون إلى تنظيم داعش دمروا قوس النصر بعد أن سيطروا على مدينة تدمر العام الماضي. وسيقع النموذج الجديد بين نوافير المياه- على أحد محاور "عمود نليسون"- وهي مستوحاة من معالم النصر الرومانية.


الحكومة الإماراتية


معهد الآثار الرقمية البريطاني أعاد تشييد القوس الحجري الذي يبلغ طوله ستة أمتار، وهو يشبه حجم القوس الأصلي لكنه يصغره بقليل، ويعد المعهد منظمة غير هادفة للربح تصف نفسها بأنها نتاج تعاون بين جامعتي "أوكسفور" و"هارفارد" والحكومة الإماراتية، ويديرها مجلس استشاري ترأسه ماري بيرد، أستاذة الكلاسيكيات بجامعة كامبيردج.

وظهرت تلك المبادرة إلى النور بهدف لفت الانتباه إلى المأزق الذي وقعت فيه مدينة تدمر السورية، التي انسحب منها تنظيم داعش الشهر الماضي.

وقالت إليكسي كارينوفسكا، مديرة التكنولوجيا بمعهد الآثار الرقمية، "إن الحدث يعد احتفالاً بالإرث الثقافي وبالإسهام التكنولوجي المرتقب للحفاظ عليه. وقد أُنجز هذا العمل أيضاً بهدف لفت الانتباه إلى الارتباط بين الشرق والغرب؛ فالناس سوف ترى رابطاً بين الهندسة المعمارية الكلاسيكية في ميدان طرف الغار وقوس النصر المشيد مؤخراً".

فيما قال بوريس جونسون، عمدة لندن، "أشعر بالفخر لأن معهد الآثار الرقمية يجلب لنا أول عمل يعيد إحياء قوس النصر الموجود بمدينة تدمر إلى هنا في وسط لندن... فالآثار التي من هذا النوع تنتمي للبشرية جمعاء".

هذا ومن المتوقع أن يبقى القوس في لندن لأربعة أيام فقط، ثم يسافر إلى ميدان التايمز بولاية نيويورك الأميركية في سبتمبر/أيلول 2016 ، وأخيراً إلى إمارة "دبي".

وسينتهي المطاف بالقوس في سوريا، لكنه لن يوضع بنفس موقعه بمدنية تدمر.


هل الأمر له جدوى؟


ولم تخلُ تلك الحملة الدعائية من الجدال بكل تأكيد، فبعض التقارير ذكرت إن القوس تكلف مليونين ونصف المليون جنيه إسترليني (حوالي ثلاثة ملايين ونصف المليون دولار) ، غير أن بعض علماء الآثار يؤمنون أنه كان من الأجدى إنفاق ذلك المبلغ على الآثار الموجودة بسوريا في الأساس.

وتعهد مأمون عبد الكريم، مدير عام المتاحف والآثار بسوريا، بإعادة بناء الآثار التي دمرها تنظيم داعش، حيث قال "لن نترك المتاحف مدمرةً هكذا".

ويمكننا تفهم تلك الحماسة التي يتحدث بها المسؤول السوري؛ فقد تنفس المسؤولون السوريون الصعداء بعدما اكتشفوا أن عدد القطع الأثرية التي نجت من بطش التنظيم أكبر بكثير مما توقعوا.


لا لإعادة بناء الآثار


ومع هذا فقد سببت تعليقاته قلقاً لأنّ عملية إعادة التشييد الشاملة للآثار ستواجه استياءً عاماً من الداعين إلى المحافظة على التراث.

فعندما فجّرت حركة طالبان تمثال بوذا في باميان بأفغانستان في عام 2001، عارضت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أي محاولة لإعادة تشييد التمثال، حتى وإن حدث ذلك باستخدام القطع الأصلية التي بني منها التمثال.

وتابعت كارينوفسكا "إن القوس لا يعد استبدالاً مادياً للقطعة الأثرية، ولكن عندما دُمرت القطعة الأصلية بوحشية، فكان من الخطأ ترك قوة معادية تفرض ظهورها على التاريخ الواضح للمكان، بل وعلى الناس والمنطقة بأكملها".

ومن المنتظر أن ينظم متحف فيكتوريا وألبرت معرضاً في "بينالي فينيسيا الدولي" لهذا العام، وسوف يهتم المعرض بالنسخ، والأصالة والموثوقية، وإعادة الإنتاج.

وقال مارتن روث، مدير المتحف "كان ثمة كثير من المعارضة ضد تشييد هذا القوس، وأنا أشعر بشيء من القلق حيال فكرة أننا إن كان لدينا المعلومات والتكنولوجيا اللازمة يمكننا إعادة بناء أي شيء".

ولكن كيف يبدو رأيه عن القوس؟ أجاب روث قائلاً "أعجبني، لأنه يسبب قليلاً من الإرباك والحيرة ويطرح التساؤلات".

ولا يعدُّ تدمير الآثار بالأمر الجديد. فمنذ عصر الإصلاح وحتى عهد الثورة، كانت المباني تتعرّض للهجوم بسبب رمزّيتها.

قد تبدو مفاجأة، وقد يبدو أمراً مزعجاً أو حتى جميلاً للغاية، لكنه لا يزال هناك نصر يمكن استشعاره بالنسبة لقوس النصر الجديد.

-هذه المادة مترجمة بتصرف عن صحيفة Financial Times البريطانية. للاطلاع على النص الأصلي اضغط هنا.