حدثان يوقفان الحياة تماماً في تركيا.. تعرّف عليهما

تم النشر: تم التحديث:
ATATRUK
social media

الحركة مزدحمة في ميدان كوناك الذي يتوسطه برج الساعة بمدينة إزمير التركية المطلة على بحر إيجه، اليوم سبت ومئات العائلات تركت منازلها لتستمتع بجو الربيع. فوق الساحة سرب حمامٍ يُرفرف قليلاً وينزل من حين لآخر على الأرض حتى يلتقط ما يرميه له الزوار من الأكل.

بجانب البرج فتيات يبدو من مظهرهن أنهن غريبات عن المكان، فقررن التقاط صور ذكرى للمدينة ولربيعها، وغير بعيد عنهن يمر شاب وصديقته مسرعين، لكن صوتاً أتى من مكان قريب قطع الأنفاس وجمد حركة الجميع، لتبدو الساحة التي كانت قبل لحظات ملأى بالضجيج قطعة سكون مطلق.. إنه النشيد الوطني حينما يُسمع في تركيا.

وإلى جانب النشيد الوطني، تتوقف الحياة في تركيا على الساعة الـ 9 و5 دقائق صباحا من كل 10 نوفمبر/تشرين الثاني، وهو ذكرى وفاة الزعيم التاريخي مصطفى كمال آتاتورك، حيث تُطلق صفارات الإنذار في كل مدن البلاد، ويقف الشعب لدقيقة احترام،أينما كان.


شعب يصبح جماداََ


يقول إمراه، عامل في أحد المقاهي المطلة على الشاطئ بمدينة أنطاليا الجنوبية، إنه يُصبح جماداً عندما يسمع النشيد الوطني لبلده، ويضيف "لا أستطيع أن أقوم بأي حركة بعدها، فاحترامه واجب على كل تركي، لأن الملايين قدّموا أرواحهم ثمناً حتى نستطيع نحن الآن أن نُنشده بكل حرية".

ويتذكر إمراه في حديثه لـ "هافينغتون بوست عربي" يوم أمره أبوه وعمره 4 سنوات، بالوقوف احتراماً لنشيد لم يكن بعد مقدساً بالنسبة له، "كنا في حقلنا المجاور للمدرسة في بلدتنا الواقعة قرب مدينة طرابزون الشمالية، وكان أبي يزرع الشاي الذي يبيعه للمعامل فيما بعد بينما كنت أنا ألعب، وفي لحظة ما أتى صوت النشيد الوطني من المدرسة ليوقف أبي كل أعماله ويقف احتراماً له".

دوغان، طالب في كلية الهندسة بجامعة أكدنيز الحكومية، يحكي قصته هو الآخر مع وقفة الاحترام الأولى التي يتذكرها من طفولته، ويقول "حينها كنت أدرس في السنة الأولى ابتدائي بمدينة مانيسا غرب البلاد حيث ولدت، وبينما كنت أقترب مع أصدقائي من المدرسة التي كنا نسرع للوصول إليها بعد أن تأخرنا عن موعدها في ذلك الصباح، بدأ التلاميذ يرددون النشيد الوطني".

ويضيف دوغان (20 سنة) لـ"هافينغتون بوست عربي" إنه لم يعرف وزملاؤه "ما الذي يجب أن نقوم به، خفنا كثيراً من الإدارة ومن معلمينا، لكننا انتبهنا إلى أن الحركة تجمدت في الشارع، لنفعل مثلهم، فحتى العم الذي كان يحمل كؤوس شاي توقفت أقدامه عن الحركة بعد أن ترك طبق الكؤوس أرضاً ومدد يديه مع جسده نحو الأسفل. كانت تلك أولى قصصي مع النشيد الوطني".



dogan illeri
الشاب التركي دوغان


لماذا؟


بالنسبة لدوغان، فإن الأمور المقدسة في حياته 5، وهي "الله والقرآن والرسول والوطن والعلم، ومن أجلهم مستعد دائماً أن أوقف حياتي لأي مدّة تلزم"، وبهذا المنطق لا يمكن لهذا الشاب أن يخطو حركة واحدة أخرى حينما يسمع نشيد بلده. ويضيف أن الغريب في ذلك النشيد "أنه يحتوي داخله على 4 من تلك المقدسات التي حددتها لحياتي، فهو يذكر الله ورسوله ويوصي بالوطن وعلمه!".

أما إمراه فيرى أن في الأمر مبالغة في بعض الأحيان، إذ لا حاجة على حد تعبيره في أن توقف الحياة من أجل النشيد، بينما قد يكون مهماً في تلك اللحظات أن تقوم بأشياء أكثر أهمية، مشبهاً وقفة الاحترام للنشيد الوطني بما سماه "دقيقة الموت" في ذكرى رحيل آتاتورك، فما هي حكاية هذه الدقيقة؟


ذكرى وفاة آتاتورك


في تمام الساعة الـ 9:05 من 10 نوفمبر/تشرين الثاني 1938، أعلن القصر الرئاسي التركي وفاة الزعيم مصطفى كمال آتاتورك بعد سنة من المرض وحياة حافلة بالمنجزات والقرارات الصادمة أيضاً، لتتوقف الحياة لأيام في عموم البلاد.

ومنذ وفاة آتاتورك والأتراك يحيون ذكراه على الساعة الـ 9:05 دقائق صباحاً من كل 10 نوفمبر/تشرين الثاني احتراماً له، حيث تُطلق صفارات الإنذار في كل البلاد لدقيقة تتجمّد خلالها الحركة، ويوقف كل سائق محرك سيارته وسط الطريق العام، وينزل ليقف هو الآخر كأنه عسكري أمام قائده.

ولا يكتفي من على اليابسة فقط بإبداء احترامه للقائد الذي رحل قبل 78 سنة، بل حتى السفن التي تنقل الآلاف من السكان بين طرفي مدينة إسطنبول الأوروبي والأسيوي تقف وسط البحر بمن عليها في ذلك الصباح من كل سنة تحية لروحه وذكراه