مفاجأة.. ورم الغدة الدرقية ليس سرطاناً

تم النشر: تم التحديث:
THYROID CANCER
Shutterstock / Alexander Raths

"إنه ليس سرطاناً على الإطلاق"، هكذا قررت لجنة دولية من الأطباء بشأن ورم الغدة الدرقية الذي طالما كان يُشخّص كورم سرطاني، وبذلك يكونون قد أسقطوا رسمياً التصنيف السابق للمرض، وسيكون آلاف المرضى بمنأى عن إزالة الغدة الدرقية، والعلاج باليود المُشع، والخضوع لفحوصات منتظمة لبقية حياتهم للحماية من الورم الذي لم يكن أبداً ليشكل تهديداً.

وبحسب الاستنتاجات والبيانات التي أدت إليها، ونشرتها صحيفة JAMA Oncology، الخميس 14 أبريل/نيسان، فمن المتوقع أن يؤثر ذلك التغيير على نحو 10 آلاف مما يقرب من 65 ألف مريض بسرطان الغدة الدرقية في الولايات المُتحدة، كما من شأنه إحداث فارق هام للمُنادين بإعادة تصنيف بعض أشكال السرطان، بما في ذلك الآفات الحالية التي تُصيب الثدي والبروستاتا.

وبحسب ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، فقد قالت اللجنة إن الورم المُعاد تصنيفه هو كتلة صغيرة في الغدة الدرقية مُحاطة بالكامل بكبسولة من النسيج الليفي، وتُشبه نواته الأورام السرطانية ولكن خلاياه لم تخرج من كبسولتها، والجراحة التي يتم إجراؤها لإزالة الغدة الدرقية بالكامل إثره، وما يليها من العلاج باليود المشع تُعد غير ضرورية وضارة.

وبذلك فقد أعادوا تسمية تشخيص الورم الذي كان يُدعى سابقاً "سرطانات الغدة الدرقية الحليمية" فأصبح يُدعى "الأورام الدرقية المسامية ذات النواة المشابهة للورم الحليمي"، أو "Niftp" أي أن كلمة "سرطان" قد أُزيلت من التسمية.

وقد قال العديد من خبراء أمراض السرطان إن إعادة التصنيف قد طال انتظارها. فعلى مدار سنوات كانت هناك مطالبات بالتراجع عن تشخيص الآفات الصغيرة بالثدي والرئة والبروستاتا وغيرها ليتم حذف مُصطلح "سرطان" من تسميتها.

وعلى الرغم من أنه سبقت إعادة تسمية المرحلة مبكرة لورم القناة البولية عام 1998، والمراحل المُبكرة من آفات المبيض وعنق الرحم قبل أكثر من عقدين من الزمن، فلم تقم مجموعة طبية بخلاف المُتخصصين بالغدة الدرقية بالتراجع عن التصنيف السابق.

"إن لم تكن سرطاناً فدعونا لا نُسميها سرطاناً"، هكذا يقول جون موريس، الرئيس المنتخب للجمعية الأميركية للغدة الدرقية أستاذ الطب في مستشفى مايو كلينيك، الذي لم يكن عضواً بلجنة إعادة التسمية.


لماذا الخلاف حول التسمية؟


قال الدكتور بارنيت كرامر، مدير قسم الوقاية من السرطان في المعهد الوطني للسرطان "إن هناك قلقاً متزايداً من أن العديد من المصطلحات التي نستخدمها لا تتطابق مع فهمنا لبيولوجيا السرطان". وتسمية بعض الإصابات بالسرطان في حين أنها ليسوا كذلك تؤدي إلى علاجات ضارة وليست ضرورية.

وبينما يتلقى العديد من المرضى بأورام الغدد الدرقية الكبسولية بالمراكز الطبية الرائدة علاجات أقل عدائية "أي أقل شدة من التي يتلقاها مرضى السرطان في المراحل المتقدمة والمتوسطة"، فإن هذا ليس العرف السائد في بقية المراكز العلاجية بالبلاد وبقية أنحاء العالم.


لماذا بدأ التحرك الجاد نحو إعادة التصنيف؟


بدأ الحراك بشأن إعادة التصنيف منذ عامين عندما سُئل الدكتور يوري نيكيفوروف، نائب رئيس قسم علم الأمراض بجامعة بيتسبرغ، عن رأيه بشأن وجود ورم صغير بالغدة الدرقية لدى امرأة تبلغ من العمر 19 عاماً. وكان مُغطى بالكامل وتم على إثره إزالة فص الغدة الدرقية الذي يحتوي على الورم من أجل للتشخيص.

ولكن قصة هذه المرأة الشابة قادت نيكيفوروف إلى الحاجة الماسة لإجراء البحث. يقول نيكيفوروف: "لقد قلت للطبيبة التي كانت صديقة مُقربة إن هُناك ورماً صغيراً للغاية، وأنت لست مُضطرة لفعل أي شيء حياله"، ولكن الجرّاحة ردت على ذلك وفقاً للمبادئ التوجيهية المعتمدة، فهي مُضطرة لإزالة الغدة الدرقية بالكامل للسيدة الشابة، وعلاجها لاحقاً باليود المُشع، وعلى المريضة أن تخضع لفحوصات مُنتظمة لبقية حياتها".

وحينها قال نيكيفوروف: "هذا يكفي، ينبغي على شخص ما أن يتولى المسؤولية ويوقف هذا الجنون".


كيف تمت الدراسة؟


حينها جمع الطبيب فريقاً دولياً من الخبراء شمل 24 من الأطباء المشهورين، واثنين من أخصائيي الغدد الصماء، وطبيباً متخصصاً بجراحة الغدة الدرقية، وطبيباً نفسياً على علم بالتأثير الذي يخلفه التشخيص بالسرطان ومريضاً. وقد جمع الفريق 200 من الحالات التي تتلقى العلاج لدى مراكز متعددة في جميع أنحاء العالم – وكان بين المرضى هؤلاء الذين يُعانوا أوراماً في شكل كبسولات ليفية مُغلقة، وكذلك الذين يُعانون خروجاً للأورام عن غلافها، واتفق الجميع على أنه وفقاً للمعايير الحالية، فجميع الأورام ستُصنّف باعتبارها سرطاناً. وقد خضع جميع المرضى للمتابعة لعشر سنوات على الأقل.

ولم يُعالج المرضى بأورام كبسولية مُغلقة بعد إزالة أورامهم، ولم تتواجد أي أدلة على السرطان لدى أي ممن لم يخضعوا لجراحة الاستئصال، ومع ذلك فقد عانى بعض المرضى الذين تفشت الأورام لديهم من مُضاعفات، بما فيها الموت على إثر سرطان الغدة الدرقية، وذلك على الرغم من تلقيهم العلاج.

ما الفارق الجوهري بين السرطان والتشخيص الجديد؟

يقول نيكيفوروف: "تلك الدراسة توضح أن ما يُحدث فارقاً ليس وجود سمات بنوايا الخلايا يُشتبه في كونها سرطاناً، بل وجود تفشّ للأورام".

وأضاف أن المرضى الذين انحصرت لديهم الأورام داخل كبسولاتها كان لهم تشخيص ممتاز، فهم ليسوا في حاجة إلى استئصال الغدة الدرقية. كما أنهم لا يحتاجون الى العلاج الإشعاعي. ولا يحتاجون أيضاً إلى الخضوع لفحوص متابعة كل 6 أشهر".

ولكن إن لم تكن تلك الأورام سرطاناً، فماذا يجب أن تُسمى إذن؟

"طُرِحت 10 أسماء مُختلفة، وعُرضت للتصويت"، هكذا يقول الدكتور جريجوري راندولف، أحد أعضاء الفريق الطبي مدير العيادة الجراحية للغدة الدرقية وجار الدرقية لدى مستشفى هارفارد للعين والأذن.

وأضاف أن الفريق في النهاية استقر على اسم Nift-P”، الذي يُعرِّف بوضوح تلك التكتلات صغيرة في الغدة الدرقية كآفات غير خبيثة.

التصنيف القديم ينتهج قاعدة "لا ضرر ولا ضرار"

وفي افتتاحية نشرها الفريق الطبي بمجلة الغدة الدرقية، قالوا إن 8 من الجمعيات المهنية الرائدة من جميع أنحاء العالم وقعت على التصنيف الجديد للورم وعلى اسمه الجديد. وقد كتبوا في مقالهم أن الأطباء قد ينتهجون مبدأ "لا ضرر ولا ضرار" في علاج المرضى بتلك الأورام كما لو كانوا يُعانون سرطاناً خبيثاً.


والآن.. إخبار المرضى يشكل التزاماً أخلاقياً


يقول الدكتور نيكيفوروف إنه مدين للمرضى المصابين بالأورام المُعاد تصنيفها بإخبارهم بأنهم ليسوا مرضى بالسرطان على أي حال، ومن المقرر أن يبدأ وآخرون المركز الطبي لجامعة بيتسبرغ، مُراجعة السجلات الطبية والتقارير المرضية للتعرف على المرضى السابقين والتواصل معهم.

وقد ذهبت التقديرات إلى أن نحو 50 إلى 100 يترددون على المركز الطبي كل عام لن يُضطروا لاحقاً لإجراء الفحوص الدورية، وقد تخلصوا من ظلال السرطان التي خلفها التشخيص السابق على حياتهم.

وتابع قائلاً إن "إبلاغ هؤلاء المرضي يُعد التزاماً أخلاقياً مفروضاً على الأطباء".

- هذه المادة كترجمة بتصرف عن صحيفة The New York Times الأميركية.