الاستبداد هو الحل: هل يعود الغرب للتحالف مع طغاة الشرق الأوسط؟

تم النشر: تم التحديث:
HOSNI MUBARAK
ASSOCIATED PRESS

"الاستبداد خير من الفوضى والإرهاب"، عبارة بات يؤمن بها كثيرون في منطقة الشرق الأوسط وبدأت تتسلل لأروقة السياسة الغربية، فأصبح سياسيون غربيون يترحمون على صدام حسين والقذافي.

لكن لورا كوسا التي عملت بوزارة الخارجية الأميركية وقامت بتغطية ملف حقوق الإنسان في مصر في الفترة من 2010 حتى 2012 ترى في مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست، أن هذه التعليقات تتجاهل حقيقة أن المستبدين هم الذين خلقوا شروط الفوضى وأقصوا القوى التي كانت يمكن أن تمهد للديمقراطية، مثلما فعل الرئيس المصري المعزول حسني مبارك الذي تراه سبباً للفوضى التي ضربت البلاد جراء سياسته وقمعه الوحشي للمعارضة.


نص المقال


مؤخراً، لاحظت ظهور العديد من الآراء المتزايدة لعدد من السياسيين الأميركيين ترى أن الربيع العربي كان محض كارثة، وأن تلك المنطقة تحتاج لرجال أقوياء للسيطرة عليها.


نعم للقذافي


تيد كروز، المرشح الرئاسي الأميركي، صمم على سبيل المثال أن الشرق الأوسط كان أكثر أماناً بوجود صدام حسين ومعمّر القذافي في السلطة، في حين يرى المرشح الآخر راند بول أن الفوضى الحالية سببها إزاحة الديكتاتوريات عن الحكم، وحتى بيرني ساندرز نفسه على الرغم من أن الهدف الأكبر هو تحقيق الديمقراطية، إلا أن المنطقة كانت ستصبح أكثر استقراراً تحت الحكم الديكتاتوري.


أساليب وحشية


في المقابل، خلال عملي على سياسات الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الأميركية، رأيت حقيقة الأمر، وكيف تبدو إزاحة الحكم الديكتاتوري في المنطقة، لقد عملت في مصر بمجال حقوق الإنسان خلال الفترة من 2010 حتى 2012، وحينها استطعت بوضوح رؤية الأساليب الوحشية التي استخدمتها حكومة مبارك، وكيف أدت تلك الأساليب إلى زعزعة استقرار البلاد.

خلال وجودي في مصر، رأيت حكومة مبارك تقوّض وتفكك المؤسسات التي كان يمكنها أن تمهّد الطريقة نحو دولة مستقرة وهادئة، حيث قاموا بتقييد إنشاء أية أحزاب سياسية جديدة والسيطرة على كل ما يقال، بالإضافة إلى الانخراط الواضح في تزوير الانتخابات، وهو ما لم يمكّن الأحزاب المعارضة من اكتساب خبرة سياسية حقيقية. حاول النظام أيضاً السيطرة على أنشطة وتمويل المنظمات والمؤسسات الدولية الداعمة للديمقراطية التي كانت تسعى بالأساس إلى نشر الوعي السياسي بمفاهيم الديمقراطية والتحول الديمقراطي.

خلال الفترة ذاتها، التقيت بنشطاء ليبراليين في مصر ألقي القبض عليهم بسبب آراء سياسية، وصحفيين تلقوا أحكاماً بالسجن عقاباً على كتاباتهم، وغيرهم ممن عانوا من القمع على يد قوات الأمن المصرية، على الرغم من أن هدفهم الرئيس كان تحسين أداء الحكومة ومحاولة بناء جسور للتواصل بين الحكومة والشعب، ما يعني أنه كان من الممكن أي يكون هؤلاء في موضع المساعد للحكومة في معرفة المشاكل التي يعانيها الشعب، إلا أن تلك المساعدة قوبلت بالمضايقات الأمنية.

ولا أنسى على الإطلاق لقائي مع مدوّن شجاع تلقى تهديدات وتم اعتقاله بواسطة قوات الأمن، حيث أخبرني بأنه يتمزق داخلياً لأن تلك البلد التي عشقها وأراد لها الأفضل هي ذاتها من تقوم بقمعه واضطهاده.

لا أستطيع أن أنسى أيضاً أحد السياسيين الذين أرادوا مبادئ الديمقراطية والليبرالية في البلاد ولكنه لم يستطع الوصول لأن حكومة مبارك أقصت جميع الأحزاب.

كان كل هؤلاء هم من سيساعدون في تحضير البلاد لخوض المعارك الانتخابية الضارية التي جاءت بعد ذلك، لأنه كانت هناك رموز متميزة في المعارضة بالفعل، وإن كان قد سُمح لهم بممارسة السياسة لتمكنوا من التأثير بقوة، والحال نفسه بالنسبة للمجتمع المدني، الذي إذا سُمِح له بالازدهار لمهّد الطريق نحو سياسات قائمة على أساس قوي، إلا أن كل هؤلاء لم تمنح لهم فرصة الممارسة على الإطلاق.


الأكثر تزويراً في التاريخ


كان التقييد الشرس الذي مارسه مبارك على المشهد السياسي المصري هو الطريق الرئيسي للثورة المصرية في بداية 2011، حيث كانت انتخابات مجلس النواب في نوفمبر/تشرين الثاني 2010 - قبل ثورة يناير مباشرة - هي أكثر الانتخابات تزويراً في التاريخ المصري المعاصر، وحينها أدرك المصريون أن نظام مبارك سيفعل أي شيء مقابل البقاء في السلطة، حتى ولو كان الثمن انتهاج الوحشية والتعذيب بحق المواطنين.

بعد ذلك، جاءت واقعة مقتل الشاب المصري خالد سعيد في 2010 بمثابة الشرارة التي أشعلت رغبة المصريين في التغيير، حيث لم ينس المصريون تلك الرغبة.

ومع تضاؤل فرص تحقيق الإصلاح، انهارت شعبية النظام في مصر. بطريقة أخرى، يمكن القول إن مبارك هو مَنْ تسبَّب عمداً في الفوضى التي تبعت إسقاط نظامه.

ومع تزايد المخاوف الدولية حول الإرهاب، يبدو هذا الدرس بالتحديد أكثر أهمية من غيره، فتحالف الولايات المتحدة والقوى الدولية مع ديكتاتوريات الشرق الأوسط ربما كان سبباً في الاستقرار على المدى القريب، إلا أن أثره كان مؤلماً للغاية بالنظر إلى المدى البعيد له، حيث يزدهر الإرهاب في أي مكان أو دولة تنفصل فيها الحكومة عن جانب الشعب، كما تلعب حقوق الإنسان دوراً حاسماً في تلك المعادلة.

يرغب النشطاء والسياسيون المصريون الذي قابلتهم في قيام دولة ديمقراطية حقيقية، وهو ما تم منعه من خلال نظام مبارك، حيث أوقف النظام بناء أي هياكل سياسية أو مجتمع مدني حقيقي. ومع غياب التدريب السياسي غير المقيد، وحرية التعبير والقدرة على تشكيل تحالفات للوصول لأهداف مشتركة، لم تتطور الديمقراطية في مصر بشكل كامل، وهو ما يعني عدم إمكانية تحقيق استقرار حقيقي.

أثر القمع الذي استخدمه نظام مبارك على تغييب الشعب، في الوقت الذي عملت فيه الحكومة على إخماد المجتمع المدني والحركات الليبرالية الديمقراطية الواعدة ليظهر النظام كما لو كان ليس هناك أي بديل له، وهو ما خلق شعوراً وهمياً لدى الولايات المتحدة بأن عليها الاختيار بين النظام وبين المتطرفين الإسلاميين.


متى نشأ الإرهاب؟


لا يخفى على أحد بالتأكيد اشتعال الشرق الأوسط وكون خطر الإرهاب يحيط بمصر وبالمنطقة بالكامل، إلا أن هذا العدو الخطير يتكون بالأساس في اللحظة التي تتوقف فيها محاسبة الحكومات حول ما إذا كانوا يعملون لمصلحة شعوبهم من عدمه.

الطريق الأفضل في هذه الحالة هو دعم الحركات الديمقراطية الصغيرة، وتشجيع الدول التي يؤمن مواطنوها بقوة بمستقبل أفضل.


نبذة عن الكاتبة


عملت لورا كوسا بوزارة الخارجية الأميركية من عام 2008 حتى يناير/كانون الثاني من عام 2016 وقامت بتغطية ملف حقوق الإنسان في مصر في الفترة من 2010 حتى 2012.

- هذه المادة مترجمة بتصرف عن صحيفة Washinghton post الأميركية. للاطلاع على النص الأصلي اضغط هنا.

حول الويب

الفوضى أم الاستقرار: الديكتاتورية والفوضى يسيران جنبًا إلى جنب ...

رأي: أمريكا تتغاضى عن تردي أوضاع حقوق الإنسان في مصر لحاجة واشنطن ...

محمد بن سعيد الفطيسي - ظلم الديكتاتورية أم فوضى الديمقراطية؟

دكتاتورية خيرة - ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

بين الفوضى والنظام - جريدة الشاهد اليومية