"هذه حكايتنا".. مغنٍ تركي يرصد رحلة زوجين سوريين فرّا بحراً إلى أوروبا

تم النشر: تم التحديث:
SY
social media

"نعيش الآن فوق الأمل، نؤمن بأحقيتنا بحياة أفضل، ولدينا كل الأمل في الوصول".

هكذا قال السوري وسيم - الطبيب والموسيقي الذي ترك بلاده هرباً من الحرب والموت -، حينما سأله المغني التركي تيومان عن المستقبل، بينما عجزت زوجته بيريفان عن قول أي كلمة، وبقيت تراقبه فقط بحب وابتسامة ساخرة من حالهما، وربما من المغامرة التي سيُقدمان عليها مع أمواج بحر إيجه التي لا ترحم.

بداية قصة الزوجين وسيم وبيريفان كانت من مدينة غازي عنتاب الشرقية على الحدود مع سوريا، ومن هناك أيضاً قرر تيومان، مغني الروك الشهير في تركيا، أن يبدأ معهما فيديو أغنيته الجديدة "في الميناء"، التي يحكي فيها قصة الحرب واللجوء السورية منذ بداية الأزمة في العام 2011، حيث صوّر مراحل انتقال الزوجين من المدينة الحدودية نحو إسطنبول ثم إزمير، قبل ركوب قارب المغامرة نحو اليونان.

فيديو كليب أغنية "في الميناء" ليس عادياً أبداً، فهو يعرض قصة حقيقية لأصحابها بتقنية الفيلم الوثائقي، مع ما يتطلبه الموضوع من سرية ودقة حتى لا تنتبه السلطات إلى الأمر فتفشل الرحلة والأغنية معاً، حيث تم الاعتماد على فريق صغير، بدعم من اليونسكو والأمم المتحدة، مهمته كانت متابعة الزوجين في كل مكان، والتقاط لحظات تلخّص المأساة السورية.






سجون بشار الأسد


يقول وسيم إنه درس الطب والموسيقى في العاصمة دمشق، وفي العام 2008 قرر أن يُواصل مع الموسيقى فقط، لكن بداية الحرب وظروفها حتمت عليه أن يعود ليُمارس جزئياً مهنته الأولى الطب حتى يُساعد الناس، قبل أن يعود إليها بشكل تام سنة 2012 بعد أشهر من اندلاع الثورة المناهضة لحكم رئيس النظام السوري بشار الأسد، وارتفاع عدد القتلى.

ويضيف في كليب الأغنية التركية أنه عاش بعدها أياماً جد صعبة، "حيث قضيت في سجن الأمن الداخلي 17 يوماً، وهناك فقدت 17 كيلوغراماً من وزني بسبب التعذيب والضرب والتغذية السيئة".

ويُؤكد وسيم أنه حينما كان في السجن لم يكن يُسمح له بأن يفكّ الضمادة الموضوعة على عينيه إلا حينما يُعاد إلى زنزانته، "لو تجرأت ورفعت رأسك تُضرب، ولو ترفع ساقيك تُضرب بأنابيب المياه البلاستيكية".

أما زوجته بيريفان فتقول إنها رغم علمها باختطاف زوجها من قبل النظام فإنها لم تتمكن من التأكد إن كان على قيد الحياة بعدها أم قُتل، "كما لم أستطع أن أتواصل مع أي أحد، لأني لم أرد أن أُلقي بحياته وحياة المعتقلين إلى التهلكة".


الهروب إلى الضفة الأخرى


وبطريقة ما تمكنت بيريفان أخيراً من لقاء زوجها عند نقطة تفتيش ما، وعندما أطلق سراحه قرَّرا الهرب مباشرة نحو الجارة تركيا، وبعدها إلى ألمانيا عبر اليونان.

"أحسست حينما خرجت من السجن بأني وُلدت من جديد، حقاً، هل هناك شيء أكثر فظاعة من ذلك السجن"، يقول الطبيب اللاجئ وسيم وهو يزور أحد بائعي أدوات السباحة والإنقاذ من الغرق البسيطة من دكان بمدينة إزمير.

"سنأخذ بعض التدابير في القارب، وسنحضر معنا لوحاً للسباحة فوقه لو اضطررنا إلى ذلك"، يضيف وهو يستعد للرحيل إلى الضفة الأخرى، بعد أن أضحت مغامرته أسهل بكثير بالنسبة له مقارنةً بما عاشه في بلده سوريا، بينما يُغني خلفه تيومان بأن "يترك العالم وزهوره المزورة".


لا خوف


لم يعد وسيم ولا زوجته يخافان من المخاطرة بحياتيهما، لكن مغني الروك يشعر بجدية الموقف، فيسأل نيابة عنهما في أغنيته إن كانت السفن قد رست على الميناء، وإن كانت سبب تشنج أعصابهما "بسبب القمر الراكد في السماء فقط"، وكأنه يبحث لهما عن حل آخر وأخير للتنقل نحو اليونان خوفاً عليهما من الغرق، ولما فشل في تأمين ذلك، بدأ يبحث في داخلهما عن تبريرات لما سيُقدمان عليه.

يُعانق الزوج رفيقة دربه، يُرافقها في جولة وسط المدينة ويلعبان ويبتسمان مثل مراهقين قد أحبَّا بعضهما بعضاً حديثاً، فلربما لن تسمح لهما الأقدار بعد اليوم بمثل هذه اللحظات.

في عتمة الليل، يُلقي وسيم وبيريفان بجسديهما وحقيبتي ظهرهما إلى القطار الأخير، ومثل من يذهب إلى حرب احتمالات العودة منها قليلة يشرحان سبب قبولهما بنقل قصتهما عبر كليب الأغنية وكأنهما يخلفان وراءهما وصية، ويقولان إنهما أرادا بذلك أن يوصلا إلى العالم قصص الكثير من السوريين الذين يشبهونهما، "فمن يدري، ربما نغرق في بحر إيجه، ربما غداً نسقط إلى البحر وتكون هذه آخر حكايتنا".


فلتذكر العالم


يَجران القارب المطاطي، ويبحران في البحر نحو الضفة الأخرى أو ربما نحو المجهول، لكن وسيم وبيريفان ومعهما مغني الروك التركي تيومان ومخرج الفيديو كليب تشارلز ريتشارد يذكرون العالم كله بمعاناة المدنيين في سوريا التي تُقصف، وبآلام الأطفال والعجائز وحياتهم القاسية في مخيمات اللاجئين، وبأن الحكاية لم تنته بعد، ما دام بطن بحر إيجه لازال يتسع للكثير من الضحايا.

يُذكر أن أزمة اللاجئين السوريين تعتبر اليوم من أكبر أزمات اللجوء منذ الحرب العالمية الثانية، وقد تتجاوز ذلك في المستقبل ما دامت مستمرة إلى الآن، فبحسب الأمم المتحدة، فإن أكثر من 250 ألف سوري قد فقد حياته إلى الآن في الحرب الدائرة بالبلاد، بينما نجح 4 ملايين و800 ألف شخص آخر في الهرب من البلاد. وما زال العدد مستمراً في التزايد.