أهل غزة يهربون من صواريخ إسرائيل إلى الغرق في أوروبا.. فهل حقّق الحصار هدفه؟

تم النشر: تم التحديث:
GAZA
Palestinian fishermen prepare fish on their boat for sale after a night long fishing trip, in Gaza seaport , Monday, April 4, 2016. Fishermen in Gaza can now sail farther from the coastal territory after Israel expanded the fishing zone off parts of Gaza by three more nautical miles to nine on Sunday. (AP Photo/ Khalil Hamra) | ASSOCIATED PRESS

بعد محاولات عدة قضاها الشاب الغزاوي "سمير" للوصول إلى أوروبا وتحقيق حلم الحصول على جواز سفر أجنبي يسهل عليه عبور القارات دون عائق، أخيراً وصل بعد عامين من المعاناة إلى الأراضي الهولندية، لتفقد غزة واحداً من أبنائها وتكسب إسرائيل نقطة في حلمها القديم بتهجير الشعب الفلسطيني أو مايعرف بالترانسفير".

لم يكن الوصول صعباً من ناحية الطريق فحسب، بل أرهق جيبه كثيراً حيث كلفه ذلك عشرة آلاف دولار، وفّرها من بيع مصوغات زوجته، كما استدان جزءاً آخر، كي يستقر به الأمر في أحد المخيمات الهولندية التي يقيم بها اللاجئون الفارون من بلادهم بسبب الحروب.


حتى لو غرقت!


يقول "سمير" – 35 عاماً – "تركت أطفالي الثلاثة وزوجتي في غزة بعدما أغلقت الأبواب كافة في وجهي، لم أترك باب مؤسسة إلا ودفعته لعلي أجد وظيفة تسد رمق أطفالي وتتناسب مع دراستي الجامعية (هندسة كهربائية)، لكن دون جدوى".

وأخبر "سمير "هافينغتون بوست عربي" عبر الهاتف أنه سمع كثيراً عن حالات غرق الفارين من بلادهم عبر البحر، لكنه أصر على ذلك فعاش التجربة التي وصفها بالقاسية، كونه وصل هولندا في أجواء باردة.

ويروي أنه شاهد أطفالاً يموتون أمام عينه لكنه أصر على مواصلة المشوار من أجل أبنائه الصغار كي ينعموا بحياة أفضل وفق قوله، مشيراً إلى أنه فور حصوله على إقامة سيقوم بالإجراءات اللازمة لإحضار عائلته.

ومنذ أربعة شهور وصل الشاب الغزاوي إلى هولندا، بعدما خرج من القطاع بتنسيق مصري كلفه ثلاثة آلاف دولار، ثم تمكن من الدخول إلى الأراضي التركية ومن هناك وصل إلى مهربين أمنوا له الطريق فعبر عدداً من البلدان للوصول لهولندا، وتعرض خلال رحلته لعمليات نصب وسرقة.

ورغم ما عاشه من ظروف قاسية خلال سفره إلا أنه يعتبرها أهون عليه من بقائه في غزة، دون مستقبل واضح ففي بلده كما يقول "عذاب في عذاب دون أمل، بينما في هولندا يمكن أن أنعم بحياة آمنة".

ليس وحده "سمير" من طارده هاجس الهجرة، فهناك طوابير كثيرة من الغزاويين لا يزالون عالقين على قائمة الانتظار للهروب من قطاع غزة، لاسيما بعد العدوان الإسرائيلي الأخير حيث الوضع الاقتصادي المتردي وهاجس قدوم حرب جديدة.

ووفق دراسة أعدها المركز الفلسطيني للأبحاث السياسية والمسحية قبل أيام قليلة، فإن النتائج تشير إلى أنه منذ الربع الثاني من 2015 ازداد الإحباط داخل قطاع غزة، حيث تبلغ نسبة التفكير في الهجرة من القطاع 50%، وهي أعلى نسبة تم تسجيلها حتى الآن.


مهرب يجبر غزاوياً على قيادة مركب مطاطي


لا يقتصر هاجس الهجرة في غزة على فئة معينة، فهذه حكاية الأخوين "حمزة ومحمود" الأول أنهى حياته الجامعية مؤخراً، بينما حصل الثاني على الثانوية العامة الصيف الماضي وأرغمه والده على عدم الالتحاق بجامعات غزة.

والد الشابين يعمل أكاديمياً في إحدى الجامعات الغزاوية، فهو إلى حد ما مستقر مادياً لكنه لا يؤيد بقاء أبنائه في غزة بسبب الوضع الراهن فيها.

يقول حمزة: "تمكنت وشقيقي من الخروج من غزة قبل شهرين بمعجزة، تعرضنا خلال الرحلة لكثير من الصعاب (..) بعد أسبوع من وصولنا تركيا تعرفنا على أحد المهربين الذي حدد لنا موعد تهريبنا إلى اليونان وحينما جاء وقت الرحيل خرجنا ليلاً ووجدنا قارباً مطاطياً قاده المهرب لبعض أمتار ثم قفز في البحر وطالبنا بإكمال المسير.

وتابع: "أجبرت على قيادة المركب المطاطي بوجود ما يقارب العشرين لاجئاً ما بين سوري وفلسطيني، فقد كنت أقود دون معرفة كيف أبحر بهم(..) فكلما حاولت الاستسلام تذكرت واقعنا في غزة وأبحر أكثر حتى وصلنا اليونان واستقبلنا الصليب الأحمر ووضعنا في مخيمات".

ليست اليونان هي مستقر الأخوين، بل ينتظران إشارة المهرب اليوناني للمغادرة عبر الطيران إلى بلجيكا للاستقرار هناك، وفور حصولهم على الإقامة سيعملون على تقديم طلب للم شمل عائلتهما، وسيقوم والدهما ببيع أملاكه ويذهب إليهما برفقة زوجته، بينما شقيقتهم التي تبلغ من العمر 23 عاماً تستعد للذهاب إلى كندا بعدما قدمت طلباً للهجرة عبر الإنترنت، وذلك وفق قول حمزة خلال سرد حكايته "للهافينغتون".

وبالرغم من أن الرحلة كلفت الأخوين ما يقارب العشرين ألف دولار، كان بإمكان والدهما عمل مشروع صغير لهم بالمبلغ ذاته إلا أنهم لا يفضلون البقاء في غزة كون المستقبل بات غير واضح لهم ويخشون حرباً جديدة قد يأتي دورهم في قصف بيتهم أو فقدان أحدهم بصاروخ إسرائيلي كما يقول الشقيق الأصغر محمود.

وفي كل مرة يعلن فيها عن فتح معبر رفح البري، يسارع العشرات من الشبان والعائلات الغزية
لطلب إجراء التنسيق ليتمكنوا من الخروج من غزة مهما بلغ الثمن.


نموذج راق


لكن رغم ما سبق من تجارب إلا أن الكاتب الشاب إبراهيم المدهون دوّن في مقال له خلال الشهر الحالي يقول فيه: "الجميع يتجاهل أن غزة قدمت نموذجاً راقياً في مواجهة الحصار والاحتلال، ولو سُمح للشباب العربي بالقدوم لها لرأينا مئات آلاف الشباب المتعطش للحرية والكرامة يتدفق ليعيش بطولتها ويشارك أهلها صنيعهم".

ويتابع في مقاله "هناك من يروج ويشيع أنه إذا رفع الحصار عن قطاع غزة سيهاجر معظم الشباب وهذا الأمر غير صحيح، فلو فتحت البلاد وبدأ الإعمار والعمل فستتحول غزة لورشة جاذبة وسيجدونها المكان المفضل لهم ولمن خرج من قبلهم".

ويرى المدهون أن هناك مبالغة في التصريحات والأرقام حول هجرة الشباب، مؤكداً أن شباب غزة متشبثون بقضيتهم مما يدفعهم للتضحية كما فعلوا في العدوان الأخير على غزة.

وعلى ما يبدو فإن المدهون وعدداً كبيراً من الكتاب في غزة لهم رؤية للأوضاع مختلفة عما يراه العديد من الشباب الغزاوي الذين يعلنون جهراً نيتهم الرحيل عن غزة.
فهذه قصة الشاب "يوسف" الذي ترك عروسه بعد شهر من الزواج بحثاً عن مستقبله في تركيا، فهو رغم حصوله على شهادة جامعية إلا أنه كان يعمل في غزة بمجال الأجهزة الكهربائية ويجني دخلاً يكفيه أن يعيش في غزة.

لم يغامر "يوسف" من أجل المال، بل بحثاً عن الأمان، فهو يخشى أن يؤسس عائلة يخسرها في حال شن الاحتلال الإسرائيلي حرباً جديدة على قطاع غزة، ورغم مرور ستة أشهر على وجوده في تركيا تعرض خلالها لمحاولة قتل من اللصوص لسرقته، إلا أنه لا ينوي العودة لغزة، وإن ضاق به الحال سيهاجر إلى أوروبا عبر البحر كما يقول.

ويقول يوسف: "خرجت من غزة دون أن أخبر أحداً عدا زوجتي، وحينما علم والدها هددني إما العودة في أقرب وقت أو الطلاق حتى وقع الأخير رغماً عني، ففرصة الخروج من غزة لا تتكرر دوماً في ظل إغلاق معبر رفح بصورة دائمة ".
ويضيف: "المال ليس كل شيء في الحياة، نحن شباب غزة نفتقر إلى الراحة النفسية ومن حقنا العيش بأمان بعيداً عن التجاذبات السياسية والحروب المتكررة".


عملية "كي الوعي"


وفي السياق ذاته يقول رامي عبده، مدير مركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان بغزة، بأن هناك أسباباً تقليدية تدفع الغزاويين للهجرة منها الحصار المفروض منذ ما يقارب السبع سنوات، وكذلك انعدام الفرص ومؤشرات الحياة.

ولفت عبده، إلى وجود أسباب جديدة دفعت عشرات الأسر الغزاوية للهجرة إلى أوروبا كعدم شعورهم بتحسن الأوضاع الاقتصادية والأمنية مستقبلاً، إضافة إلى عدم مقدرة السكان على التكيف مع الحصار، بالإضافة إلى الرهانات التي خسرها الشباب بعد العدوان الأخير على غزة كإنهاء الانقسام السياسي إايجاد فرص عمل جديدة، لاسيما بعد وعود المجتمع الدولي لهم بذلك.

وأوضح أن هناك المئات من الأسر الغزاوية غادرت القطاع ليس لحاجتها المادية بل حفاظاً على أموالها ومشاريعها التجارية، مشيراً إلى أن العديد من العائلات المحتاجة أيضاً لا تزال تدفع أبناءها للهجرة بحثاً عن حياة كريمة وآمنة.

ووفق إحصائية أعدها المركز الأورومتوسطي لأعداد الغزاويين الذين هاجروا سنة 2015 خارج القطاع، قال عبده إن عددهم يقارب الـ 15 ألف نسمة جميعهم خرج دون عودة، موضحاً أن عدداً منهم ذهب للدراسة بعد حصوله على منح دراسية في تركيا وأوروبا وجلهم لا يفكر بالعودة إلى قطاع غزة.

وبحسب قوله، فإنه رغم ارتفاع نسبة الشباب الذي يفكرون بالهجرة إلا أن الأمر لا يعد ظاهرة بل حالات تلفت الانتباه لدراستها.

ويفسر هروب الغزاويين خارج بلادهم إلى عملية "كي الوعي" التي تشنها "إسرائيل" ضد المقاومة الفلسطينية من خلال إيلام المدنيين وحرمانهم أبسط الاحتياجات الأساسية لينقلبوا على رجال المقاومة واتهامهم بأنهم سبب سوء الأوضاع الاقتصادية والأمنية في البلاد.

ويشير رئيس مركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، إلى أن حالة الكساد في سوق تهريب البشر لدى المهربين في الجانب المصري من الحدود الذين كانوا وسيلة خروج الغزيين من بلادهم، اضطر عصابات التهريب إلى إيجاد حل آخر من خلال ضخ معلومات تفيد بأن الوصول إلى أوروبا أصبح سهلاً.

ولا يزال المئات من الشباب الغزيين يعلنون عبر مواقع التواصل الاجتماعي نيتهم الرحيل عن بلادهم ومطالبة من رحلوا بإعلامهم بالطرق التي سلكوها ليصلوا إلى أوروبا، فهم يرون أي مكان -بعيداً عن غزة- سيمنحهم الأمن والأمان.

حول الويب

"#بكفي_حصار".. غزة وحصار السنوات العشر

شارع "جكر".. إطلالة أهل غزة على جمال فلسطين تخترق الحصار

10 سنوات على حصار غزة: أرقام مفجعة لمعاناة مستمرة

اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار عن غزة