ما علاقة بوتين بأكبر عملية تسريب في العالم.. مليارا دولار مهربة للمصارف الأجنبية وطرف الخيط يقود إلى موسكو

تم النشر: تم التحديث:
PUTIN
ASSOCIATED PRESS

انكشفت الأحد 3 أبريل/نيسان 2016، شبكة سرية من التعاملات المصرفية الأجنبية تضمنت إخفاء وتهريب مبالغ ضخمة وصفقات غسل أموال وقروض بلغت قيمتها ملياري دولار، أما طرف الخيط فيقود إلى رأس الهرم: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.. وفقاً لتقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية.

فالتسريبات تظهر كيف صعد مقربون من بوتين سُلم الثراء الفاحش حتى صاروا من الطبقة المخملية، بحسب تقرير الذي نشرته الغارديان أمس الأحد.

ورغم أن التسريبات والسجلات لا تذكر اسم الرئيس الروسي صراحة في أي منها، إلا أن الأسماء المذكورة تدور كلها في فلكه، ما يشي بأنها ما كانت لتحقق مآربها من تكديس الملايين لولا مساعدته ودعمه في الخفاء.. وفقاً للتقرير.

وتشير الأوراق إلى أن عائلة بوتين استفادت من تلك الأموال، أي أن الأموال والثروات المسجلة بأسماء أصدقائه كانت متاحة تحت يد بوتين وعائلته للإنفاق.


زوجة بوتين


والملفات جزء من تسريبات غير مسبوقة لملايين الأوراق والوثائق من قاعدة بيانات رابع أكبر مكتب محاماة متخصص بمتابعة شؤون المصارف الأجنبية عالمياً والمعروف باسم "موساك فونسيكا" Mossack Fonseca، حيث تبين كيف يستغل الأغنياء والأقوياء أنظمة الضرائب الأجنبية سراً بشتى الطرق.

يبدأ طرف الخيط في بنما، ثم ينطلق صوب روسيا مروراً بسويسرا فقبرص، عابراً مشتى تزلجٍ خاصاً، حيث تزوجت كاترينا ابنة بوتين الصغرى عام 2013.

وتسلّط أوراق بنما الضوء على شخص بالذات اسمه سيرغي رولدوغين، صديق بوتين المقرّب، الذي كان قد عرّفه على ليودميلا، المرأة التي تزوجها بوتين لاحقاً، كما أن رولدوغين هو في الوقت ذاته عراب ابنة بوتين الكبرى ماريا.

وعلى ما يبدو فقد جمع رولدوغين العازف الموسيقي المحترف ثروة طائلة، خاصة أنه يتولى إدارة عدة أصول وممتلكات متعددة لا تقل قيمتها عن 100 مليون دولار كحد أدنى.

والأرجح أن الاختيار وقع على رولدوغين للاضطلاع بهذا الدور؛ نظراً لأنه ليس شخصية تثير الشبهات أو أنظار المراقبين.

ويظهر في الأوراق والوثائق المرسلة إلى مسؤولين مصرفيين في سويسرا ولوكسمبورغ أنه نفى أي صلات تربطه بمسؤولين روس بارزين، كما زعم في تلك الأوراق أنه ليس رجل أعمال.


صديق بوتين المقرب


لكن الملفات تكشف صراحة أن لصديق بوتين الحميم هذا حصة مقدارها 12.5% من أسهم أكبر وكالة إعلانات تلفزيونية في روسيا تدعى "Video International"، التي يزيد ريع عائداتها السنوية على 113.7 مليار دولار أميركي، وهي حصة كانت ملكيتها في السابق سراً متكتماً عليه.

وإضافة إلى ذلك فقد عُرِضَ على رولدوغين سراً أن يشتري حصة أسهم صغيرة في شركة "Kamaz" الروسية التي تصنع الشاحنات والعربات العسكرية للجيش، كما أنه يملك نسبة 15% من شركة مسجلة في قبرص تدعى "Raytar".

ولا تنتهي سلسلة الممتلكات هنا، بل يملك العازف نسبة 3.2% من "بنك روسيا"، وهو بنك خاص في سانت بطرسبرغ لطالما وُصِفَ بأنه "بنك بوتين الحبيب"، وفقاً للتقرير، وقد فرضت الولايات المتحدة الأميركية عقوبات على هذا البنك بعد الاحتلال الروسي لأوكرانيا عام 2014.

وتشكل هذه الأصول جزءاً من شبكة تعاملات مالية ذات صلة، كشفت الوثائق أنها جميعها متعلقة ببنك روسيا هذا.

البنك يترأسه يوري كوفالتشوك الذي تزعم أميركا أنه "الصرّاف الشخصي" لعدة مسؤولين حكوميين روس كبار منهم بوتين.

وتفضح أوراق بنما أن كوفالتشوك وبنكه "بنك روسيا" أجريا عملية تحويل أموال لا تقل عن مليار دولار إلى حساب مؤسسة أجنبية خاصة تدعى "Sandalwood Continental".

وقد جاءت هذه المبالغ من سلسلة قروض ضخمة غير مؤمنة مصدرها البنك التجاري الروسي "RCB" الذي تديره الدولة ومقره قبرص، فضلاً عن بنوك ومصارف حكومية أخرى.

وما من تفسير في الملفات للسبب الذي دفع بكل هذه البنوك للموافقة على منح كل هذه المبالغ الاعتمادية وإنشاء شبكة خطوط غير مألوفة لتسهيل تمريرها وتحويلها. حتى أن بعض المبالغ النقدية التي مصدرها بنك "RCB" أعيد إقراضُها إلى جهات محلية في روسيا بنسب فائدة ربوية كبيرة جداً، ومن ثم جرى تحويل الأرباح المجنية وتصريفها إلى حسابات سرية في سويسرا.


يخت فاخر ومبالغ نقدية


وكان يختٌ فاخرٌ بقيمة 6 ملايين دولار قد بيع لشركة Sandalwood التي شحنته بدورها إلى مرفأ قرب سانت بطرسبرغ بروسيا.

كما كُشِف أن مبالغ نقدية قد سُلّمت مباشرة إلى دائرة بوتين على شكل قروض ميسّرة رخيصة جداً هذه المرة وبلا ضمانات وبنسب فائدة ربوية زهيدة جداً تبلغ 1%، وليس واضحاً إن كانت هذه القروض قد سددت أم لا.

وكانت Sandalwood قد قدمت 3 قروض بلغت قيمتها 11.3 مليون دولار بين عامي 2010 و2011 لشركة أجنبية تدعى Ozon وهي المالكة لمنتجع تزلج إيغورا الباهظ والواقع في إقليم ليننغراد.

وتعود ملكية شركة "أوزون" لكوالتشوك نفسه بالمشاركة مع شركة قبرصية؛ ويعد بوتين أحد أهم رعاة هذا المنتجع وأكبر نزلائه.

وبعد 18 شهراً من القروض أقام بوتين عُرس ابنته كاترينا في منتجع إيغورا حين زوجها بكيريل شامالوف ابن أحد أصدقائه القدامى من سانت بطرسبرغ، ولم تظهر أخبار مراسيم الزواج التي غابت ومنعت عنها عدسات الكاميرات إلا عام 2015.

والسجلات حصلت عليها الصحيفة الألمانية Süddeutsche Zeitung من مصدر مجهول، وشاركها الاتحاد الدولي للمحققين الصحفيين مع صحيفة "الغارديان" وهيئة الإذاعة البريطانية BBC.


مناورات لا تخالف القانون وأسهم مزيفة



السجلات تكشف عن عدد من المناورات الأخرى التي تقوم بها دوائر بوتين لنقل الأموال إلى خارج البلاد. لا يوجد ما هو غير قانوني في الاستعانة بالشركات الأجنبية.

ومع ذلك، تتضمن المعاملات التجارية صفقات أسهم مزيفة، حيث يتم تداول الأسهم بأثر رجعي، ورسوم بملايين الدولارات مقابل تقديم خدمات استشارية غامضة وتكرار سداد مبالغ هائلة تعويضاً عن إلغاء صفقات الأسهم المزعومة.

ففي 2011، قامت إحدى شركات رولدوغن بشراء الحق في الحصول على قرض قيمته 200 مليون دولار مقابل دولار واحد. وقال أندرو ميتشل، أحد كبار مسؤولي مناهضة غسل الأموال، لقناة BBC Panorama: "هذا ليس عمل تجاري، بل محاولة التظاهر بالقيام بعمل تجاري من أجل مواصلة نقل وإخفاء الأصول".

أحاطت هذه السرية الشديدة بصفقات الشركات الأجنبية التي أرسل العاملون ببنك روسيا في سانت بطرسبرغ كافة التعليمات المتعلقة بها إلى وسيط سري يتمثل في شركة محاماة سويسرية في زيوريخ.

ورتب المحامون السويسريون في المقابل لقيام شركة "موساك فونسيك" بتأسيس شركات صورية يتم تسجيلها في جزر فيرجن البريطانية السرية يكون لها مديرون صوريون من بنما للتصديق على تلك الصفقات. وقد اتضح أن سجلات "موساك" السرية للمُلاك الفعليين ليست سوى واجهة أخرى للتغطية فقط.


ثروة بوتين


واستمرت التكهنات بشأن حجم ثروة بوتين الشخصية على مدار عقد من الزمن، في أعقاب صدور تقارير عام 2007 بشأن وصول ثروته إلى 40 مليار دولار، استناداً إلى تسريبات من أشخاص يعملون داخل إدارته الرئاسية.

وفي 2010، أشارت البرقيات الدبلوماسية الأميركية إلى أن بوتين يحتفظ بثروته من خلال وكلاء.
وأضافت أن الرئيس الروسي لا يمتلك شيئاً بصفة رسمية، ولكنه يستطيع الاستفادة من ثروات أصدقائه، الذين يسيطرون حالياً على كل إنتاج النفط والغاز الروسي وكافة الموارد الصناعية.. وفقاً لما نقله التقرير.

وفي عام 2014، بعد أن سيطرت روسيا على القرم، فرض البيت الأبيض عقوبات على الأعضاء الرئيسيين بدائرة بوتين، ومن بينهم كوفالشاك، وذكر علاقاتهم القوية بأحد كبار مسؤولي الاتحاد الروسي – في إشارة إلى بوتين ذاته.

وتكشف أوراق بنما أن مجموعة بوتين قد أصبحث أكثر توتراً لأسباب غير واضحة في أعقاب أكتوبر/تشرين الأول 2012. وقد تم إغلاق شركة "ساندلوود" وتحويل أنشطتها إلى كيان خارجي آخر مسجل في جزر فيرجن البريطانية باسم "Ove Financial Corp".

وكانت إحدى الشركات المرتبطة بـOve Financial Corp تخصّ ميخائيل ليزن، قيصر الإعلام لدى بوتين ووزير الصحافة السابق.

وقد أسس ليزن قناة "روسيا اليوم" التلفزيونية للدعاية للكرملين، ولكنه سرعان ما سقط من الحسبان. وقد تم العثور على جثته في حادث غامض في نوفمبر/تشرين الثاني2015 بغرفة في أحد فنادق واشنطن.

وفي سؤال حول ما إذا كانت لديه علاقة بالشركات الأجنبية في الأسبوع الماضي، أجاب رودالغن قائلاً: "الحقيقة أنني لست مستعداً للإدلاء بأي تعليقات الآن.. هذه قضايا حساسة. كنت أرتبط بهذا العمل منذ فترة طويلة قبل الإصلاح السياسي والاقتصادي. حدث ذلك.. ثم بدأت الأمور في التفاقم. ويتم دعم دار الموسيقى في سانت بطرسبرغ من هذه الأموال".

ورفض رولداغن الإجابة عن تساؤلات كتابية أخرى.


موقف بوتين المتناقض


يتنافى استخدام دائرة بوتين للشركات الأجنبية مع دعوة الرئيس للتخلص من الشركات الأجنبية العاملة في نقل الأموال للخارج، حيث حث الروس إلى جلب الأموال المهربة بالخارج إلى داخل البلاد.

ويضم هؤلاء الذين يستفيدون من الشركات الأجنبية جينادي تيمشينكو، إمبراطور النفط وصديق بوتين على مدار 30 عاماً. وقد فرضت الولايات المتحدة العقوبات عليه عام 2014.

وهناك أيضاً أركادي وبوريس روتنبيرغ، صديقي طفولة بوتين وشريكيه في لعبة الجودو، وهما حالياً من أباطرة البناء والتشييد ذوي المليارات. ويظهر أيضاً أليشر أوسمانوف المساهم بنادي أرسنال الإنكليزي، الذي يمتلك 6 شركات على الأقل مسجلة في جزيرة مان. ولا يوجد أي إشارة إلى وجود أي مخالفة قانونية في ذلك.


بوتين يرفض هذه المزاعم


ورفض ديميتري بيسكوف، المتحدث الرسمي باسم بوتين، التعليق على مزاعم محددة ضد الرئيس.
وذكر بيسكوف الأسبوع الماضي أن وكالات الاستخبارات الغربية وراء الهجمة المعلوماتية الشاملة ضده من أجل زعزعة استقرار روسيا قبيل الانتخابات. ورفض بيسكوف تحريات صحيفة "الغارديان" وغيرها باعتبارها "مهمة واضحة مدفوعة الأجر". وقال إن لروسيا وسائل قانونية للدفاع عن نزاهة وشرف بوتين.

وقالت أستاذة العلوم السياسية، كارين داويشا، إنه من غير المتصور أن يصبح أصدقاء بوتين أثرياء دون رعايته.

- هذه المادة مترجمة عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، يرجى الضغط هنا.