هل يُبهج الجرافيتي أفقر أحياء العاصمة المصرية؟

تم النشر: تم التحديث:
JRAFYTYMSR
جرافيتي في مصر | سوشال ميديا

في حي منشية ناصر، القريب من مسجد الحسين بالقاهرة عندما تطأ قدماك تلك المنطقة ستعرف منذ النظرة الأولى أيَّ حيٍّ فقير تسير في أرجائه.

تتركك وسيلة انتقالك إلى المنشية بالأسفل على طريق الأوتوستراد فتضطر، لكي تدخل أحياء هذه المنطقة للصعود عشرات السلالم المتهالكة وسط ركامٍ كبير من القمامة تجد فيه الكلاب الضالة بغيتها من بقايا الطعام.

ما بين فقر وبيوت متهالكة وروائح غير مريحة تحيط بك تسأل عن حي الزبالين، أو "الزرايب" كما يسميه أهل المنطقة تأدباً مع جيرانهم الذين يسكنون هذا الحي، فيدلّك صبيٌّ وهو يهشّ الكلاب ليفرز القمامة: "هناك في الأعالي"...

تصعد فتواصل الصعود إلى تلة في جبل المقطم الشهير الذي يسكن أهل الحي في حضنه بلا حماية من الأحجار المتراصة المهددة دائماً بسقوطٍ مدمر، مثلما حدث في الحي المجاور "الدويقة "والذي شهد منذ سنوات سقوط حجرٍ كبير من الجبل على البيوت وخلّف مئات الضحايا.

عندما تصل إلى حي "الزاريب" ستجد مفاجأة في انتظارك، رغم الروائح الكريهة التي تملأ المكان، فالبيوت اصطبغت بألوان زاهية أبدعتها ريشة فنان للجرافيتي في انتظار ما أسماه "خطة لمواجهة القبح بالجمال"، ونجح في تلوين واجهات 50 منزلاً بالفعل بطريقة بديعة برسوم وزخارف جمالية، والتي تشكل في النهاية حروفاً تبهر كلّ من يراها.


الحي الأكثر فقراً في القاهرة


What you see is not what you think #perception #athanasius #zaraeeb

Posted by eL Seed on Sunday, March 27, 2016

يعتبر حي منشية ناصر، بلا مبالغة، الحي الأكثر عشوائية في القاهرة، ويشكل الحصول على مياه الشرب فيه معضلةً كبيرة، فالبيوت التي تصل إليها المياه تمثل 10 % فقط من تعداد بيوت الحي، بينما يعتمد باقي السكان على الصنابير العامة بالمنطقة والتي يبلغ عددها 8. ولا يوجد نظام صرف صحي للمنازل، فحوالي 80 % من المباني السكنية تستخدم "طرنشات" للصرف الصحي يتم تفريغها بصورة غير دورية بواسطة عربات الكارو.

تعتمد المنطقة على كابل أرضي لتوصيل الكهرباء، لكنها تعاني بشكل مستمر من انقطاع الكهرباء بالإضافة الى عدم وجود إنارة للطرق ليلاً، ويعيش بحيّ الزبالين حوالي 35 ألف نسمة يعمل أغلبهم في جمع القمامة.


"إل سيد" صاحب الفكرة


ghrafytyfymsr

إل سيد أو "eL Seed" فنان تونسي-فرنسي جاء وفريقه إلى حي الزبالين منذ حوالي عام، لكي يرسموا أكبر جرافيتي على مستوى مصر، وتشمل الرسومات 50 منزلاً متعددة الطوابق، كما يمكن مشاهدة الرسومات الضخمة التي كتبت بالخط العربي من أعلى جبل المقطم. ولا يمكن مشاهدة الرسومات الضخمة بصورة واضحة إلا من مكانٍ محدّد من أعلى مبنى داخل دير القديس سمعان يطلّ على الجرافيتي أو من على سطح جبل المقطم.

eL Seed يعمل مع فريق من فناني الجرافيتي. ويعتمد في شكل رسوماته على دمج الخط العربي العباسي المتشابك بفنّ رسم الجرافيتي الحديث، بخليطٍ من الثقافة العربية والفرنسية حتى يعطيها مسحةً ملهمة يبقى انطباعها البصري دائماً فى مخيلة الناس.

وقدّم "سيد" رسوماته من قبل فى مدنٍ كثيرة حول العالم منها نيويورك وجدة بالإضافة لمدينته الأصلية تونس.

"إل سيد" ليس الفرنسي الأول الذي يساعد حي الزرايب فقد وهبت إيمانويل الراهبة الكاثوليكية صاحبة الجنسية الفرنسية حياتها لمحاربة الفقر في الأحياء الفقيرة وسُميت بالأم تيريزا الثانية، حيث حصلت على شهادة في الفلسفة من جامعة السوربون، ودرست الأدب والفلسفة في كل من تونس وإسطنبول والقاهرة والإسكندرية. ثم جاءت إيمانويل إلى مصر عام 1971 وبعد أن رأت أحوال جامعي القمامة في حي الزرايب بالقاهرة قرّرت العيش معهم لمساعدة الفقراء بالحي الذي مكثت فيه منذ 1971 حتى عام 1993، وقد أعطيت الجنسية المصرية تكريماً لها عام 1991، وتوفيت إيمانيول في أكتوبر من العام 2008 عن عمر 99 عاماً.


"إن أراد أحدٌ أن يبصر نور الشمس، فإن عليه أن يمسح عينيه"


jrafytymsr

كان هذا القول هو أبرز ما نقش على جدران المنازل، فلابد أنها رسالة "إل سيد" إلى من يهمه الأمر، وهي مقولة قبطية ترجع إلى القرن الثالث الميلادي ونُسبت إلى البابا إثناسيوس بابا الإسكندرية في تلك الفترة.

بعد انتهاء المشروع كتب الفنان التونسي – الفرنسي على صفحته على موقع فيس بوك يحكي عن تجربته فى حي منشية ناصر وتحديداً بقلب منطقة الزرايب حيث قال:

"في مشروعي الجديد الذي أطلقت عليه لقب " التصوُّر" كنت راغباً في أن أجذب الانتباه إلى الأحكام الخاطئة التي يصدرها البعض من دون فهم على مجتمع آخر لمجرّد وجود اختلافات بينهم. في حي الزبالين يعيش الكثير من أبناء الطائفة القبطية على جمع القمامة من عقود، وقاموا على مدار تلك السنوات بتطوير نظام إعادة تدوير المخلفات بطريقة أكثر كفاءة وربحاً ورغم ذلك ما زال المكان الذي يعيشون فيه سيئاً ومهملاً.

ولكي أتمكن من إلقاء الضوء على هذا المجتمع، قمت بمساعدة مجموعة من زملائي في الفريق وبمساعدة الأهالي، برسم قطعة فنيّة تغطي ما يقرب من 50 مبنى.

ويمكن مشاهدة الرسمة عبر النظر لها من أعلى جبل المقطم، واستخدمت في هذه القطعة الفنية كلمات القديس إثناسيوس، أسقف الأقباط في القرن الثالث الميلادي، وذلك عندما قال: إن أراد أحدٌ أن يبصر نور الشمس، فإن عليه أن يمسح عينيه.

أهالي عزبة الزبالين رحبوا بفريق عملي وكنا أشبه بالأسرة الواحدة، وكانت واحدة من أكثر التجارب الإنسانية المدهشة التي مررت بها.. فالمصريون شعب كريم، صادق وقوي.
وقد أطلق عليهم اسم "عزبة الزبالين"، لكنهم لا يعيشون في القمامة وإنما من جمع قمامة مدينة القاهرة بأكملها، فهم من يجعلون القاهرة نظيفة".


الجرافيتي فى مصر


قبل 2005، كان الجرافيتي في مصر يتمثل في رسومات جدارية على بيوت القرية، تهنىء الشخص بعودته من الحج، وغالباً ما كانت تتمثل في رسم طائرة وكتابة جملة "حج مبرور وذنب مغفور"، وفي الرسوم الوطنية على جدران المدارس، وفي الكف المرسوم على الحائط باستخدام دم الأضحية في عيد الأضحى المبارك، واستخدمته الجماعات الإسلامية في كتابة جمل بمثابة مواعظ على الجدران، وأشهرها جملة "الحجاب قبل الحساب"، وفي الدعاية الانتخابية وأشهر ما كان يكتب على الجدران من جماعة الإخوان المسلمين "الإسلام هو الحل".

بعد عام 2005، وبعد ظهور روابط الأولتراس الرياضية، وفناني الهيب هوب، اتّخذ فن الجرافيتي شكلاً جديداً أكثر احترافية، لأن شباب الأولتراس وفناني الهيب هوب يعتبرون فن الجرافيتي جزءاً من ثقافتهم، ووسيلة للتعبير عن أفكارهم، ونتيجة لتطور وسائل الاتصال، استطاع هؤلاء الشباب تعلّم الجرافيتي عبر الإنترنت.