إعلان الحداد على بروكسل لا على بيروت ليس خطأً!

تم النشر: تم التحديث:

عادة ما يتبع أي هجوم في دولة أوروبية ردود فعل على المنطقة العربية، ليست فقط من التأثر بالصدمة الناجمة عن العمليات الإرهابية، إنما أيضاً عن عملية التعاطي معها.

فالهجمات الأخيرة التي استهدفت العاصمة البلجيكية بروكسل وخلَّفت أكثر من 30 قتيلاً وعشرات الجرحى، هي الأخرى خلَّفت عدة مراحل بداية من الصدمة، ثم الغضب، ثم تبادل الاتهامات والمواقف السياسية بين شرائح كبيرة في العالم العربي، ثم تمت إضافة مرحلة أخرى وهي "احتقار التضامن"، بحسب مقال كتبته الصحفية البريطانية نسرين مالك نشرته في صحيفة الغارديان البريطانية، الجمعة 25 مارس/آذار 2016.

مالك ذات الأصول السودانية اعتبرت أن التفجيرات التي وقعت في بيروت العام الماضي لم تلقَ الاهتمام السياسي والإعلامي نفسه، أو عبارات التأييد. وقد امتدت هذه الانتقادات لتطال التعبير عن التضامن مع بروكسل باعتباره مظهراً من مظاهر الأولوية للنفس البشرية الأوروبية، وجعل النقاش مقتصراً على معركة "نحن" و"هم".

وإلى نص المقال:

جزء من الواقع الكئيب بشأن وتيرة الهجمات الإرهابية في أوروبا هو أن نمطاً لردود الفعل على أيَّة هجمات تحدث قد بات معروفاً، صدمة، ثم غضب، ثم تبادل الاتهامات والمواقف السياسية. وقد جرت الآن إضافة مرحلة أخرى وهي "احتقار التضامن".

بدأ الأمر مع هجمات باريس والشكوى، التي لها ما يبررها جزئياً، بأن التفجيرات التي وقعت في بيروت قبل أيامٍ لم تلقَ الاهتمام السياسي والإعلامي نفسه، أو عبارات التأييد. وقد امتدت هذه الانتقادات لتطال التعبير عن التضامن مع بروكسل باعتباره مظهراً من مظاهر الأولوية للنفس البشرية الأوروبية، وجعل النقاش مقتصراً على معركة "نحن" و"هم".

"أنتم يا مَنْ تعزُّون بروكسل، هل سمعتم عن الهجمات التي شنها تنظيم القاعدة في واغادوغو؟" (في الواقع، سمعت بها عبر وسائل الإعلام الفرنسية خاصةً). هل رأيت التباين في أعداد رؤساء الدول في إحياء ذكرى هجمات باريس وأنقرة؟ هل تعلم أن "تان تان"، رمز التضامن مع بروكسل، له ماضٍ عنصري؟ ربما يتعين على تاريخ بلجيكا الإمبريالي في الكونغو التمهل عند اختيار رموزه؟


وجهة نظر منطقية


كل هذه الأسئلة لها وجهة نظر منطقية، ولكن الفرضية يشوبها عيب، فمزيج المشاعر المعقدة، التي ربما لها ما يبررها في العزلة، تشكّل معاً عقدة من الاستياء ترفض قبول سقوط ضحايا من أولئك الذين لقوا حتفهم؛ لأنهم من مواطني دولة قوية، ولم يحصل الضحايا في أماكن أخرى على نفس القدر من الحزن.

إنها لعبة الثأر القاتمة التي تنتهي بنزع الانسانية، لها منطق معيب يمنح الأفضلية للوفيات من ذوي البشرة البيضاء في العالم، بينما يقتل "داعش" من العرب الكثير كل يوم. وينتهي الأمر بالمرء مذنباً بنفس الجريمة، وهي تجاهل حرمان. أما مَنْ يسأل هذه الأسئلة فهو ببعيدٍ من العنصريين والمُعادين للأجانب الذين يشهدون المجزرة فيستغلونها لتسجيل موقف بشأن قضية الهجرة.

إن تسليط الضوء على جميع ضحايا الإرهاب - وليس فقط الذين يسقطون على يد داعش - في جميع أنحاء العالم لهو أمرٌ نبيلٌ وذو قيمة. وبالتأكيد هناك تفاوت في الاهتمام بالضحايا. وإذا كان هناك على الإطلاق أي خوارزمية لحساب تغطية مأساة ما، فعادة ما يجري حساب عدد القتلى من الأجانب بشكل دقيق، إلا أنه ليس من السهل دائماً تبسيط الأمر وإظهاره على أنه استخفاف بأرواح غير الغربيين. ولكن هناك شيء يثير القلق بشأن انتقاد الناس الذين هم في حالة صدمة وحداد.


التأكيد على الهوية على الوطنية


ومع ذلك، في بعض الحالات تصبح تعبيرات التضامن الفورية تلك ملوثة بشيء أكثر قتامة، فالتأكيد على الهوية الوطنية في مواجهة الاعتداء نادراً ما يمكن تطهيره من كل أثر للشوفينية. ولكن المنحدرين من عشيرة غير متماسكة، الذين يجمعهم القرب الجغرافي والتقارب الثقافي ويتصلون، في حالة أوروبا، سياسياً بشكل فعلي يشعرون بأنهم أكثر تأثراً وأكثر ارتباطاً، ولا بأس في ذلك. إن السعي للتأكيد على الأهداف المشتركة دافع إنساني طبيعي يجب ألا يشعر البعض بالحقد على من يقدرون على فعله في أعقاب الكارثة.

ولكن من المفهوم أيضاً أنَّ هذا يجعل الناس عصبيين. فبالنسبة للمسلمين الأوروبيين على وجه الخصوص، هذا تحريض يحتمل أن يكون نذيراً مقلقاً للأمور في المستقبل، فهو رسم لخطوط المعركة بين أوروبا وعدو من الداخل. ولكن الاستسلام لهذا يعني تقبل دعاية الإرهابيين - بأنَّ حياة الأوروبيين ليست مثل حياتك.

هناك العديد من الطرق التي يمكن أن يشعر بها المسلمون على وجه الخصوص بأنه مشتبه بهم وأنهم مهمشون، ولكن النصر يكمن في رفض هذا ورفض ما ترتكبه "داعش" أيضاً. أنت بلجيكي أو فرنسي أو بريطاني، حتى لو أخبرك الجميع بعكس ذلك.


الثروة وسيادة القيم الأوروبية


يتمحور الاستياء بالأساس حول السلطة، وحول التأثير النسبي، والثروة وسيادة القيم الأوروبية. كل نصب تذكاري وطني، ونشرة أخبار في التلفاز، وصورة شخصية على فيسبوك وحتى أيقونة "أوبر" المغلفة بألوان العلم البلجيكي تضخم من رسالة الهجوم على قتلى أبرياء. وهذا ما يليق أحياناً، فبقدر ما تكون التعبيرات مبالغ فيها أحياناً، فإنها لبعض الناس تعزز تفرد واستثنائية الغرب.

ولكنه حق أصيل لتلك الدول التي تجاهل الغرب قتلها أيضاً. فعندما يقع هجوم في باكستان، ما الذي يمنع السعودية من أن تقوم بإسقاط ألوان العلم الباكستاني على برج المملكة، كما فعلت مع العلم البلجيكي؟

ما الذي يمنع رؤساء الدول الإفريقية من التجمع بأعداد كبيرة في ساحل العاج لتذكر ضحايا تنظيم القاعدة هذا الشهر؟ ما الذي يمنع رئيس كل دولة عربية من التعبئة فكرياً وسياسياً وعسكرياً لهزيمة داعش، بدلاً من ترك الأمر في يد الكونغرس الأميركي والبرلمان البريطاني ومجلس الدوما الروسي؟

لعل هذا الفراغ من التضامن، وهذا النقص في التوافق الإقليمي، هو السبب الرئيسي في بقاء قدرة "داعش" على تجنيد مقاتلين مهرة في سرد رواية التمكين، وتقديم عدسة موحدة يمكن من خلالها رؤية العالم.

هذه المادة مترجمة عن صحيفة The Guardian البريطانية.