السرّ المفضوح.. عمليات تهريب المهاجرين جنوب ليبيا

تم النشر: تم التحديث:
YY
AP

آلاف المهاجرين ينتقلون أسبوعياً عبر الحدود من النيجر إلى ليبيا أملاً في مواصلة طريقهم نحو أوروبا، بعد انهيار النظام الحدودي مع سقوط نظام معمّر القذافي.

سبها، ليبيا- تنطلق سيارة تويوتا هيلوكس القوية عبر رمال الصحراء المستوية جنوب ليبيا، تمتلئ بمجموعة من المهاجرين الأفارقة من الجنوب، يغطّون وجوههم بأوشحة تحميهم من الرمال والشمس، حسب تقرير أعدّته صحيفة ميدل إيست آي، الجمعة 18 مارس/ آذار 2016.

مع رؤية قائد السيارة لسيارة أخرى تابعة للجيش الليبي، ينحرف فوراً ويسرع إلى قلب الصحراء، إلا أن سيارة الجيش لا تفكر حتى في مطاردته لأنهم لا يمتلكون حتى المعدات الأساسية لعملية المطاردة تلك، بالإضافة لإغلاق الكثير من مراكز الاعتقال، وندرة القبض على المهربين من الأساس.


الفترة الأمثل للتهريب


بسبب المناخ الصحراوي القاسي بشدة في هذا الوقت، تعتبر هذه الفترة هي الأمثل من العام لعمليات الهجرة غير الشرعية عبر الحدود بين ليبيا والنيجر، حيث يقول المهرّبون في الجنوب أن حجم العمليات يصل إلى ألفي شخص أسبوعياً، أغلبهم من الأفارقة من دول جنوب الصحراء الكبرى، وتتم العملية عبر ليبيا.

لم تعد عمليات التهريب عبر هذا الطريق الصحراوي أمراً سرياً بعد الآن، ففي كل أسبوع، ترافق مجموعات من جيش النيجر السياراتِ التي تخوض هذه الرحلة الطويلة التي تبلغ 600 كم عبر الصحراء للوصول إلى ليبيا، انطلاقاً من أكبر مدن النيجر (أغاديز) إلى مدينة ديركو الصحراوية والتي تعتبر نقطة انطلاق الرحلة.

يقول أحد المهربين ويدعى عبده "تقوم قوات الجيش بتأمين الرحلة إلى ديركو، ثم تستمر الرحلة بعد ذلك بشكل مستقل، تتكون الرحلة غالباً من 70 إلى 80 سيارة تمتلئ كلها بالمهاجرين، يصل عددهم في المرة الواحدة إلى حوالي 2100 شخص، وفي الشهر الواحد إلى 8 آلاف".

يقول عبده الذي يبلغ من العمر 37 عاماً إن عمليات التأمين من قبل الجيش بدأت منذ عامين بعد أكثر من هجوم على الرحلات من قبل مجموعات مسلحة، إلا أن أحد المهربين الآخرين، يدعى علي (27 عاماً) يقول أن الطريق مازال غير آمن، حيث يقول إن "الجيش لا يفعل أي شيء عند وجود مشكلة حقيقية، وسيارات المجموعات المسلحة تدخل وسط رحلاتنا، ويحاولون سرقة السيارات والطعام وأغراض المهاجرين أنفسهم".

ويضيف "تقوم قوات الجيش بتأمين القافلة بالمجان، إلا أنهم يعتبرون المهربين مصدر رزق بالنسبة لهم، حيث يحصلون على الكثير من الأموال من خلال ابتزاز المهربين والسائقين أملاً في الحصول على بعض المال بجانب رواتبهم الزهيدة، إلا أنهم يعفون المهاجرين من دفع أية أموال".

في مدينة ماداما بالنيجر، والتي تعتبر آخر النقاط قبل الحدود مع ليبيا، على بعد 100 كم، أقام الجيش الفرنسي قاعدة له، فيما يقول المهربون أن الجنود الفرنسيين يراقبون عمليات التهريب دون أي تدخل.


"فرنسا والنيجر هما السبب في تفاقم الأزمة"


يقول حسن سوكي، وهو جندي ليبي على الحدود الجنوبية يتظاهر بكونه مدنياً مكلّفاً بمراقبة تدفق المهاجرين، يقول إن حكومتي فرنسا والنيجر تتسببان بشكل مباشر في تفاقم تلك الأزمة: "كثيرون في الاتحاد الأوروبي لا يدركون ما يحدث هنا، ولا يعرفون أن فرنسا والنيجر وراء هذا الأمر". ويضيف "نحن نرى القاعدة العسكرية الفرنسية القريبة للغاية من الحدود، حيث يتحدث الضباط والقادة في القاعدة مع المهربين دائماً دون أن يوقفوا أي شخص.

إذا كان الفرنسيون جادّين بشأن الأمر، يستطيعون منع أي شخص من عبور الحدود لأنها قاعدة عسكرية كبيرة بها مئات الجنود بالإضافة إلى طائرات مروحية وأخرى مقاتلة". من جانبها، رفضت الحكومة الفرنسية التعليق على المسألة قبل أن تنشر ميدل إيست آي هذا التقرير.

عند معبر تومو الحدودي بين ليبيا والنيجر، تستطيع أن ترى النقطة الشرطية التي تهدف إلى التأكد من صحة جوازات السفر بالإضافة إلى مكاتب سلطات الهجرة فارغة تماماً منذ فرار قوات الأمن التابعة للقذافي منها عام 2011. منذ ذلك الوقت، حل محل تلك القوات ميليشيات غير مؤهلة تابعة لقبائل تِبو، وهي قبائل صحراوية تنتشر في صحراء ليبيا وتشاد والنيجر.

أغلب تلك الميليشيات مكونة من الطلبة الذي تركوا التعليم نتيجة للحرب الأهلية وعدم الاستقرار وعدم قدرة الدولة على دعم دراستهم، في حين أن تدريبهم القتالي الوحيد بدأ مع بداية الصراع في عام 2011 فقط. يقول أحد قادة تلك المجموعات ويدعى جالما صالح، مصرحاً لميدل إيست آي "نحن هنا لحماية وإدارة المعبر الحدودي فقط، ليس لدينا أي دعم أو سلطة، ولكننا نفعل ما بوسعنا".

ويضيف صالح "من المفترض أن نقوم بنشر دوريات في المنطقة، ولكن ليس لدينا ما نحتاجه من دعم، لا يوجد وقود أو حتى المال اللازم لصيانة السيارات، فكيف يمكننا أن ندخل إلى الصحراء؟"

بسؤاله عن إمكانية وجود تحكم فعال في الحدود مستقبلاً، ضحك عبده قائلاً "لن يستطيعوا أبداً السيطرة على هذه الحدود، لا شيء سيتغير، سيبقى الحال كما هو دائماً"، في حين يصر قادة ميليشيات التِبو في الجنوب أنه في حالة توفير الدعم لهم، فإنهم سيسيطرون على الحدود بشكل كامل.


"تأمين الحدود في 48 ساعة"


yy

ويقول أحد القادة "في حالة إغلاق هذه الحدود، سيتوقف طريق الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا تماماً، فبدون هذه الطريق، لن يستطيعوا الوصول للبحر". ويضيف "نحن نعرف الأيام التي ينشط فيها المهربون والطرق التي يتخذونها، لذلك من السهل السيطرة على الأمر، نحن جميعاً من الصحراء ونعرفها جيداً ونعرف كيف نسيطر عليها. إذا كان لدينا الدعم والمعدات اللازمة، نستطيع تأمين الحدود خلال 48 ساعة".

في الماضي، لم يكن نقل المهاجرين عبر الصحراء بالسهولة الحالية، كما يظن عبده، والذي يعمل في هذه المهنة منذ سبع سنوات، على الرغم من تعرضه للسجن لأربع سنوات بسبب جريمة التهريب، حيث يقول "في عهد القذافي، كان يتم القبض على المهربين وحبسهم ومصادرة سياراتهم، إلا أن هذا لا يحدث اليوم على الإطلاق، لقد أصبحت ليبيا مكاناً آمنا لهذه التجارة".

يضيف عبده "بسبب نظام القذافي الحدودي، كان يتوجب علينا أن نقود السيارات ليلاً دون أية أضواء وأن نسلك طرقاً معقدة للغاية، ما كان يعني الكثير من الحوادث، وفي حالة تعطل إحدى السيارات، قد يتعرض من فيها للموت في الصحراء القاحلة".

الآن كل ما يجب على المهربين فعله هو تجنّب نقاط التفتيش ونقطة عبور الحدود الليبية وذلك من خلال تغيير اتجاه سيرهم على طول الطريق البالغ طوله 600 كم حتى يصلوا إلى مدينة سبها وهي مركز التهريب في ليبيا، حيث يتركون المهاجرين أو يُسلّمونهم إلى إحدى القبائل العربية الأخرى.

تسيطر قبائل التِبو على تجارة تهريب البشر على هذا الطريق، وهو الأكثر ازدحاماً بسبب عدم استقرار المناطق الأخرى في جنوب ليبيا.
وعلى الرغم من أن علياً ينتمي إلى قبائل التِبو في النيجر، إلا أنه يقول بأن معظم عمليات التهريب بين مدينة ديركو ومدينة سبها تتم عن طريق التِبو الليبيين.

يجلس "علي" الشاب النحيف القرفصاء في أحد المنازل في بلدة القطرون، التي تقع في أقصى جنوب ليبيا ويتطلب الوصول إليها استخدام سيارات تويوتا هيلوكس رباعية الدفع، وقد قام بنقل آلاف الناس إلى ليبيا على مدار السنوات الخمس الماضية. يتمنى علي أن يأتي عليه يوم يمتلك فيه أموالاً كافية لفتح متجر وبدء حياة جديدة، ويقول "أنا لا أحب هذا العمل، من الصعب العمل في الصحراء، لكن عليك أن تنظر إلى الوضع في النيجر، فهناك لا توجد أية وظائف، والحياة صعبة للغاية".


"التهريب فرصة للربح"


bbb

بسبب قلة فرص العمل المتاحة في الصحراء الوسطى، يعتبر التهريب أحد الفرص القليلة المربحة لشباب قبيلة التِبو. يقول عبده أنه وجد التهريب الوسيلةَ الوحيدة لكسب المال، إذ أجبره العجز المالي على التخلي عن الشهادة التي حصل عليها في القانون. ويضيف "أنا لا أحب التهريب، إنه عمل صعب وخطير. أعلم أنه اختيار سيء، ولم أكن لأفعل ذلك إذا كانت هناك وظائف أخرى متاحة برواتب جيدة".

كما يقول بأن الطبيعة الصحراوية القاسية تجبره على شراء سيارات جديدة باستمرار. كما يواجهون أخطاراً عديدة مثل قطاع الطرق، وتعطل السيارات وسط الصحراء، ونقل عدد كبير من المهاجرين يصل إلى 31 شخصاً في مساحة ضيقة بين براميل الماء والنفط، وصعوبة الحصول على قطع غيار للسيارات.

لكن العائد المادّي مرتفع، فمن خلال رحلة تهريب 25 مهاجراً يمكنهم الحصول على حوالي 10 آلاف دولار وهو مبلغٌ يكاد يكون الحصول عليه من المهن الأخرى في جنوب ليبيا مستحيلاً. أما الرحلات العائدة إلى النيجر فهي أقل انتشاراً وتتكلف نصف السعر، بالرغم من أن معظم العمال العائدين يدفعون أموالاً إضافية لنقل البضائع التي اشتروها من ليبيا إلى أسرهم.

وفّرت ليبيا فرص عمل مربحة للمهاجرين من قبل، ولكنها تتعرض لخطر داهم الآن فهي على حافة انهيار اقتصادي، والقليل من المهاجرين يفضلون البقاء فيها، أما الغالبية فيفضلون العودة إلى بلادهم أو اتخاذ مخاطرة أكبر عن طريق عبور البحر المتوسط.

يقول عبده "بسبب الوضع السيء في ليبيا، لا يريد الناس البقاء والعمل هنا مجدداً، لكن هذا لم يقلل من عدد الأشخاص الذين يدخلون ليبيا، لأن الكثيرين منهم يأملون في الوصول إلى أوروبا".

هذه المادة مترجمة بتصرف عن صحيفة Middle East Eye.