حياة أكثر من مليون عراقي تحت رحمة "أخطر سد في العالم"

تم النشر: تم التحديث:
MOSUL DAM
ASSOCIATED PRESS

أصدرت السفارة الأميركية ببغداد في أواخر فبراير/ شباط 2016 الماضي بياناً تحذر فيه من أن سد الموصل في "خطر شديد وغير مسبوق ومعرض للانهيار بدون سابق إنذار."

وأكدت السفارة أن هذا الحدث سيمثل أزمة إنسانية واستراتيجية غير مسبوقة للعراق. كما حذرت السفيرة الأميركية سامانثا باور في حديثها للأمم المتحدة الأسبوع الماضي من أن الدول الأعضاء عليها أن تكون مستعدة للمساعدة في منع "كارثة إنسانية ذات أبعاد هائلة."

يعود هذا القلق لعدة أسباب. فسد الموصل الذي تم تصنيفه من قِبل فيلق المهندسين بالجيش الأميركي على أنه "أخطر سد في العالم"- تم بناؤه عام 1980، وتم ضخ آلاف الأطنان من الأسمنت لمدة 6 أيام كل أسبوع منذ أنشائه لمنعه من التصدع. تصاعدت الدعوات لبناء منشأة جديدة بدلاً من السد على مر السنين، وسط تقارير مثيرة للقلق بشأن حالة السد.

ثم سيطر تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" على السد لفترة وجيزة في عام 2014، قبل أن تستعيده القوات العراقية والغربية مرة أخرى في أغسطس/ آب 2014. تعطلت أعمال الصيانة خلال فترة سيطرة داعش على السد، كما استمر الأمر كذلك عقب استعادته، حيث رفض العديد من العمال القيام بعمليات الصيانة. وبفضل المفاوضات المستمرة منذ العام الماضي، وقعت شركة مجموعة تريفي الإيطالية هذا الشهر عقداً مع الحكومة العراقية لإصلاح السد، ولكن لم يتم الإعلان عن موعد بدء الأعمال فيه بعد.

يتزايد الوضع غير المستقر للسد سوءاً وخاصة مع الفيضانات المتوقعة في العراق خلال الشهر الحالي والذي يليه، ومن المتوقع أن يرتفع مستوى الماء بشكل كبير، مما سيجعل هيكل السد غير مستقر بشكل متزايد، وفق تقرير أعدته صحيفة ناشيونال إنتريست الأميركية، الجمعة 18 مارس/ آذار 2016.

ووفقاً لفريق من الباحثين في جامعة لوليا للتكنولوجيا في السويد، سيؤدي تصدّع السد إلى عواقب كارثية في كثير من المناطق المأهولة بالعراق.


موجات مائية عالية


"خلال ما يقارب أربع ساعات، ستواجه مدينة الموصل موجة مائية يصل ارتفاعها لحوالي 25 متر؛ وستغطي الفيضانات حوالي 72 كيلو متراً مربعاً. وفي غضون 22 ساعة، ستضرب موجة مائية ارتفاعها 15 متراً مدينة تكريت، مسقط رأس صدام حسين. وخلال يومين من تصدع السد، سيغرق مركز مدينة بغداد نفسه -والذي يبعد 650 كيلو متراً عن النهر- تحت 4 أمتار من الماء، كما ستغطي الفيضانات أكثر من 200 كيلو متر مربع حول العاصمة."

الأثر الإنساني والمدني الناجم عن هذا الحدث سيكون مدمراً. ومن شأن تصدع السد أن يُغرق بالفيضانات مناطق تُسيطر عليها كلٌّ من الحكومة العراقية وداعش. كما أن انهيار السد والتدمير الذي سيعقبه سيحول دون قدرة الجيش العراقي على شن أية عمليات في هذه المنطقة. لا يملك المدنيون المتواجدون في المناطق التي يسيطر عليها داعش حرية الحركة للرحيل وتجنب الفيضانات، وهو ما سيترك كبار السن والمعوّقين خاصة عرضة لتلك الآثار، في ظل عدم وجود إخلاء حكومي منظم لهم.

كما ستؤثر الفيضانات المتوقعة أيضاً على مطار بغداد وعلى قاطني بغداد الستة ملايين، وذلك لعدة أشهر. وذكرت السفارة الأميركية في بيان الحقائق الذي نشرته لتفصيل التأثيرات المحتملة لانهيار السد، وذكرت أن ما يقارب 1.47 مليون عراقي سيلاقون حتفهم على طول نهر دجلة، في حين سيتضرر أكثر من ثلثي الأراضي الزراعية عالية القيمة بشدة، والتي تزرع القمح في حوض نهر دجلة.

وتتفاقم هذه المخاوف بسبب وجود داعش في المناطق المحيطة بالسد وفي الموصل. وأشار مسؤولون أميركيون مؤخراً، في شهر فبراير/ شباط الماضي، أنه من غير المُحتمل الانتهاء من أي محاولة ناجحة لاستعادة السيطرة على الموصل في عام 2016، مع تعليق أحد المسؤولين أن هذا الأمر لن يكون في المدى القريب و"بالتأكيد ليس هذا العام." كما تبنى الخبير الاستراتيجي العسكري ديفيد كيلكولن وجهة نظر مماثلة.


انهيار السد سيحد من قدرة القوات العراقية


إن انهيار سد الموصل سيحد بشكل كبير من قدرة كلٍّ من القوات العراقية والدولية على التمركز في العاصمة العراقية والمناطق المحيطة بها، والتي تتحصّن هناك حالياً تحسّباً لأي هجوم من قِبل داعش. وعلاوة على ذلك، فالتداعيات المحتملة لنزوح مئات الآلاف، بالإضافة إلى الملايين الذين تضرروا بالفعل بسبب القتال الدائر وعدم الاستقرار الناجم تبعاً له، من شأنه أن يزيد الحاجة لمساعدات إنسانية يتم تقديمها هناك بالفعل.

إلا أن انهيار السد لن يؤدي لتغيير التضاريس ويثبط من قدرة القوات الدولية على شن عمليات ضد داعش فقط، لكنه أيضاً سيلقي بالمزيد من الضغوط والأعباء على التحالف القائم لمحاربة داعش، حيث سينبغي عليهم المساهمة بمساعدات عاجلة تتجاوز الالتزامات الإنسانية والعسكرية المُقدمة من قِبلهم حالياً. هذا الأمر يُعتبر قضية مُثيرة للجدل في كل البلدان المشاركة في التحالف. حيث إن انهيار السد سيغير كثيراً من الوضع الاستراتيجي بالعراق، وقد يدفع الدول إلى مراجعة دورهم هناك.

وبسبب كون السد مصدراً رئيسياً للكهرباء والري لملايين العراقيين، فقد أصبح رمزا هاماً في القتال ضد داعش. فإذا سيطرت هذه الجماعة مرة أخرى على السد، فيمكن وقتها أن تسعى مرة أخرى لتقويض جهود الإصلاح القائمة، أو حتى قد تستخدمه لصالحها. وبالتالي أصبح الحفاظ على تشغيل وأمن السد، على الأقل على المدى القريب، أولوية استراتيجية بالنسبة للعراق وللقوات الدولية التي تقاتل داعش. الحفاظ على بقاء السد أمرٌ بالغ الأهمية، لذلك فمن المهم متابعة حالته بشكل دوري، جنباً إلى جنب مع محاولات إبقائه بعيداً عن أيادي داعش.

هذه المادة مترجمة بتصرف عن صحيفة The National Interest الأمريكية.