5 تفسيرات محتملة للانسحاب الروسي من سوريا

تم النشر: تم التحديث:
RUSSIA SYRIA
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين | MIKHAIL KLIMENTYEV via Getty Images

إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مساء الإثنين 14 مارس/ آذار 2016، عن بدء انسحاب القوات الروسية من سوريا، وبدء مغادرة بعض طائراتها اليوم الثلاثاء، فاجأ المعارضة السورية، وتراوحت تفسيرات رموزها بين التشكيك والتصديق، وتمني أن يسهم ذلك في حل سياسي يجنب سوريا التقسيم.

وتساءل مراقبون ومحللون عن سر تزامن توقيت إعلان الرئيس الروسي بدء سحب قواته، قبل ساعات قليلة من بدء المفاوضات بين النظام السوري والمعارضة، من أجل إيجاد حل للأزمة التي تدخل عامها السادس منتصف هذا الشهر، مع تصريحات متشددة من مفاوضي بشار الأسد برفض تنحيه أو القبول بمرحلة انتقالية.


الظروف الملائمة لعملية السلام


"روسيا تود الخروج من المأزق السوري بصفة المنتصر، أي الذي حقق أهدافه وليس بالضرورة انتهاء المشكلة أو الصراع"، هكذا يقول سفير الائتلاف السوري السابق في قطر "نزار الحراكي".

ويضيف في تصريحاته لـ"هافينغتون بوست عربي" أن هدف روسيا من التدخل العسكري كان تمكين النظام السوري من البقاء والاستمرار كلاعب أساسي على الأرض، واعتراف الأطراف الأخرى بكونه جزءاً من الحل السياسي، ثم دفع عجلة الحل السياسي، و"هذا حصل بالفعل، فبعد أن كانت المعارضة لا تقبل بالجلوس معه اصبحت العملية أكثر ديناميكية ".

ويري "أحمد رمضان" عضو الائتلاف السوري المعارض ورئيس حركة العمل الوطني من أجل سورية أن "القرار الروسي ببدء الانسحاب العسكري من سورية؛ خطوة في الاتجاه الصحيح، ويؤكد صمود الشعب السوري ونجاحه في كسر موجة التدخل الخارجي وفشل محاولات إنقاذ الأسد ونظامه".

ولكن "رمضان" يطالب في تعليقه على إعلان الرئاسة الروسية بدء الانسحاب العسكري من سورية بـ"انسحاب جميع القوات والميليشيات الأجنبية من سورية، وفي المقدمة منها الحرس الثوري الإيراني والميليشيات التابعة له"، بحسب قوله لـ هافينغتون بوست عربي".

ويقول سالم المسلط المتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات السورية المعارضة "لا أحد يعلم ما يدور في ذهن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولكن النقطة الأساسية هي أن بوتين لا يملك الحق في التواجد في دولتنا من البداية.. فليذهب فقط".


رسائل استعراض القوة الروسي


وحول تحقيق أهداف التدخل الروسي، يري السفير الحراكي أن موسكو فرضت على الأطراف الدولية والإقليمية القبول بالواقع الجديد الذي فرضته على الصراع السوري.

وأضاف "في نظر القيادة الروسية تم تحقيق الأهداف المعلنة وغير المعلنة السابقة، ومنها منع التغول الايراني وإيقاف مشروع المنطقة الآمنة التركية في الشمال وغير ذلك".

فروسيا قامت بعرض قوة مهم في الأزمة السورية، وأرسلت رسائل واضحة للعالم الغربي والدول الإقليمية بكونها قادرة على اتخاذ قرار التدخل العسكري الخارجي وتمتلك الإمكانيات العسكرية المطلوبة لدعم القرار، وعادت للقطبية من جديد كفاعل في القرار الأممي والدولي في مقابل عجز سياسي وعسكري لدول العالم الغربي.

وحتى لو فشلت المفاوضات، يكون الروس اختاروا الخيار الأقل كلفة والأكثر ضغطاً على النظام الآيل للسقوط لولا دورهم.


تشكيك في الانسحاب


ويشكك محللون وخبراء ومعهم رموز من المعارضة السورية في الانسحاب الروسي، مشيرين إلى أنه ربما يكون هدفه تحقيق مكاسب معينة، أو الخروج من مأزق التورط الكامل في حرب برية، ولكنهم يؤكدون أنه ليس انسحابا كاملا ما يثير التساؤل حول النوايا الروسية مستقبلا.

"نحن لا نعلم ما يعني مصطلح سحب (الجزء الأساسي) من القوات، أي أن هناك جزء من القوات الروسية سيبقى، بأي مهمة نحن لا نعلم ذلك" .. هكذا يقول السفير نزار الحراكي.

ويقول أحمد رمضان "ليس من مصلحة روسيا وإيران الاستمرار كقوة احتلال في سورية، في ظل إصرار الشعب السوري على التحرر مهما بلغت التضحيات".

ويري أن الإعلان الروسي لن يكون له أثر كبير على إنهاء الضربات الروسية ضد مناطق المعارضة في سوريا لأن جزء من القوة الروسية سيظل محتلا لسوريا بحسب اعلان بوتين".

ويضيف "رفع روسيا الغطاء العسكري يجب أن يتبعه رفع الغطاء القانوني عن الأسد وأركان نظامه في مجلس الأمن الدولي، بما يسمح بتقديمهم للمحاكمة لارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية".

ويدعو روسيا إلى "تحمل مسؤوليتها في إنجاح الحل السياسي بممارسة مزيد من الضغط على النظام، كونها أحد راعيي عملية جنيف".


خمسة تفسيرات للانسحاب الروسي


وبحسب مراقبون ومعارضون سوريون يمكن رصد خمسة أسباب للانسحاب الروسي على النحو التالي:

أولا: الاعلان الروسي "جس نبض" أو "ضغط" علي بشار الاسد لتقديم تنازلات في المفاوضات، حيث جاء القرار الروسي في نفس اليوم الذي أعلن فيه استئناف جولة جديدة من مفاوضات السلام السورية في جنيف، وظهر تصلب من الوفد الحكومي السوري علي عكس الرغبة الروسية لإنهاء الحرب.

فهدف قرار بوتن بسحب قواته من سوريا هو الضغط على بشار الأسد لتقديم التنازل المطلوب لإنجاح الحل السياسي المتفق عليه مع الأميركيين، حيث أفشلت حكومة الاسد المفاوضات، ووضع وليد المعلم، وزير الخارجية السوري، العقدة في المنشار حين قال السبت الماضي ان "الرئيس الاسد خط احمر وملك للشعب السوري، ولا انتخابات رئاسية وبرلمانية دون اشراف الحكومة السورية".

ثانيا: تكلفة الحرب في سوريا باتت عالية في ظل وضع اقتصادي صعب تعيشه روسيا، واستمرار تدهور أسعار النفط العالمية الذي تعتمد عليه روسيا، وقد اسقطت صواريخ مضادة للطائرات طائرة حربية روسية أول أمس وهو تطور جديد قد يكلف الروس خسائر باهظة ويكشف وصول أسلحة حديثة للمقاومين.

وقد كشفت دراسة أعدها "معهد واشنطن" نقلاً عن ضابط أميركي سابق، إن التكلفة الماليّة للحملة العسكرية الروسية على سوريا تتراوح بين 2.4 مليون دولار و3 مليون دولار يوميا، بخلاف تكاليف أخري لقطاعات ووحدات عسكرية مختلفة.

ثالثا: روسيا لا يمكن أن تتحمل أعباء حرب سورية أكثر مما تحملته على مدار عدة أشهر ولهذا السبب لم يعد أمام بوتين سوى بيع رأس الأسد عبر جنيف مقابل بعض المكاسب، كما يقول الكاتب والحقوقي الجزائري، أنور مالك، ولم يشهد تاريخ روسيا أنها دافعت عن قضية حتى النهاية بل تتشبث بها حتى تحقق بعض مصالحها ثم تتخلى عنها وها هو بوتين يبيع الأسد في سوق النخاسة بعدما فشل في إقناع النظام السوري الحالي بتقديم تنازلات.

رابعا: لا يمكن للقوات الروسية أو أي قوات أن تقاتل من الجو والبحر دون التواجد على الأرض، لأن هذا يفقدها عنصر الحسم، وهذا واضح في الحالة السورية، ومن الصعب أن تغامر روسيا بإنزال قوات بأعداد كبيرة للحرب كما فعلت في افغانستان وإلا زادت التكلفة المادية والبشرية للحرب دون مكسب حقيقي.

وقد كشفت مصادر مقربة من نظام الأسد لوكالة الأناضول التركية، أن 109 عسكريين روس قُتلوا في الاشتباكات الجارية في سوريا، منذ مشاركة روسيا بعملياتها الجوية في سوريا يوم 30 سبتمبر 2015 وحتى يناير 2016.

خامسا: الضغوط الدولية علي الروس خاصة بعد "جرائم الحرب" المتتالية وطرح احتمالات محاكمة بوتين أمام المحكمة الجنائية الدولية، بعد قصف عشرات المستشفيات والمدارس والمساجد، ومع أن عضو لجنة التحقيق "كارلا ديل بونتي" رئيسة الادعاء العام السابقة للمحكمة الجنائية الدولية التابعة للأمم المتحدة: قالت بوضوح إنه "لا يمكن لأي جهة أن تحيل ملف سوريا إلا مجلس الأمن الدولي"، ما يعني أن الفيتو الروسي سيقف عقبة أمام محاكمة الروس عن جرائم الحرب، إلا أن الجرائم أصبحت تهمة تاريخية في رقبة الروس.

وسبق لموقع "مونيتور" الأميركي أن أكد هناك مخاوف روسية مما تطلق عليه أمريكا الخطة (ب) البديلة في سوريا في حالة فشل وقف إطلاق النار، وهي تقسيم سوريا، وأن التحرك الروسي لإنجاح وقف النار والتفاوض مع المعارضة السورية على هذا نابع أيضا من قلق روسي من التورط في أوحال حرب اهلية هناك على غرار افغانستان وغيرها.

وتقول "رندا سليم" خبيرة بمعهد الشرق الأوسط في المشرق العربي الذي حضرت مناقشات في روسيا حول الخطة الأمريكية: "يبدو أن المسؤولين الروس يريدون لاغتنام الفرصة الدبلوماسية لأنهم يخشون من مستنقع سوريا، وأنهم يخشون ما قد تفعله الولايات المتحدة إذا فشل جهود السلام الحالية".

وقالت "سليم" لـ "المونيتور" أن "المسؤولين الروس بدأوا يدركون أنهم بحاجة إلى هذا (وقف اطلاق النار)، وإلا فسوف يعلقون في مستنقع سوريا .. انهم قلقون حقا".



ماذا لو أنهار مسار التفاوض؟


ويشير محللون ومعارضون سوريون معا لبقاء مخاوف الروس من انهيار المسار السياسي، خاصة بعد تصريحات وزير الخارجية الروسي وليد المعلم الاخيرة والتي رفضت المطالب الروسية بتقديم تنازلات وظهرت كـ "عقوق" تجاه الروس وهو ما تطلب انسحاب روسي عاجل.

ويشيرون لأن فشل التفاوض قد يدفع الروس لإرسال مزيدا من القوات الروسية للضغط على النظام للمتابعة بناء على الاتفاق الروسي الامريكي، ما قد تعني مزيد من التورط العسكري وهذا ما لا تريده روسيا وكان هو سبب قرارها بالانسحاب في الوقت الصحيح.

كما أن الانسحاب المفاجئ مع فشل المفاوضات قد يدفع دول إقليمية على الدخول في الوحل السوري لسد الفراغ المحتمل بعد الانسحاب الروسي، خصوصا إيران والسعودية وربما تركيا.

وهناك احتمال لا يغفله المراقبون ولا زعماء الدولة، يتلخص في إصرار الاسد على البقاء في قمة السلطة وبصلاحياته كاملة دون اي نقصان، ورفضه أي اتفاق ينص على تنحيته، والقتال حتى النهاية مثل معمر القذافي.
وتشير توقعات لأن تصريحات بعض قادة الدول العربية مثل الرئيس السوداني حول توقعه أن يقتل الرئيس السوري في نهاية المطاف لأنه سيرفض أي تنازلات، ما هي سوي إقرار لحقيقة قد نراها في نهاية النفق السوري المظلم.

"إذا كان بشار قد رفض حتي طلب حليفته روسيا تقديم تنازلات فلم سيتنازل؟" .. هكذا قال مسئول أخر بالمعارضة السورية، فضل عدم ذكر اسمه، لمشاركته في التفاوض.

حول الويب

دي ميستورا: الانسحاب الروسي مهم للمفاوضات السورية

الانسحاب الروسي من سوريا يصعد بالروبل

الانسحاب الروسي من سوريا.. الدوافع والآثار

عواقب الانسحاب من سوريا: ماذا ينتظر روسيا