لماذا قرّر بوتين إنهاء الحرب في سوريا؟

تم النشر: تم التحديث:
THE WAR IN SYRIA
ASSOCIATED PRESS

يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإنهاء الحرب في سوريا بنجاح، وهذا ما أكدته واقعتان خلال الأسبوع الماضي ثم قراره الصادر مساء اليوم الاثنين 14 مارس/ آذار 2016 بسحب أغلب قواته من سوريا.

الواقعة الأولى تمثلت بشهادة فيليب بريدلاف، القائد في حلف شمال الأطلسي واللواء في القوى الجوية الأميركية، خلال جلسات الاستماع الخاصة بالميزانية في الكابيتول هيل في العاصمة واشنطن، حيث كشف عن عزمه نشر لواء مقاتل دائم في شرق أوروبا ودول البلطيق على طول الحدود الروسية، وكانت وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" قد أطلقت مؤخراً، تحديثاً للأسلحة النووية الحرارية الاستراتيجية بكل أنواعها "الجوية والبرية وأنظمة توصيل الترسانة الأميركية المنتشرة في البحر والموجهة نحو روسيا".

ويرصد البنتاغون ميزانية تقدر بتريليون دولار لنفقات التسليح خلال العقد القادم، حسب ما ورد في تقرير نشره موقع ميدل إيست بريفينغ، الاثنين، ١٤ مارس/ آذار ٢٠١٦.

أما الواقعة الثانية فتتعلق بما تناقلته وكالة رويترز وغيرها من وكالات الأنباء الغربية، عن نية بوتين في خفض ميزانية بلاده العسكرية بنسبة 5% خلال العام الجاري، وسيكون أول تخفيض في الإنفاق الدفاعي الروسي منذ تولّي بوتين الحكم عام 2000، بالإضافة للآثار التراكمية التي خلفتها العقوبات الغربية على روسيا على خلفية أحداث شبه جزيرة القرم في أوكرانيا، زد على ذلك التدني الحاصل بنسبة 70% في أسعار النفط، والانخفاض العام الذي يشهده قطاع الاستثمارات الروسي منذ عام 2012.


لا تهديد لحكم بوتين


بوتين غير مهدد بفقدان قبضته على السلطة، لكن عليه إيلاء الاهتمام لعامل الوقت، فليس بمقدوره الحفاظ على التفوق العسكري وحماية جبهته الغربية والاستمرار بتواجده المكثف في سوريا إلى أجل غير مسمى، هو في أمس الحاجة لنصر سريع، دبلوماسياً كان أم عسكرياً في سوريا، للحفاظ على مصداقية لعودة روسيا للظهور ثانية كقوة عالمية.

حققت روسيا تقدماً ملحوظاً في مجال التطوير العسكري خلال العقد ونصف العقد الماضي، منذ إعلان بوتين عن خطط رامية لإنفاق 700 مليار دولار في مجالات الدفاع والبحث والتطوير. و أنتجت جيلاً جديداً من الغواصات الشبح، وقامت بتطوير جيل جديد من المقاتلات النفاثة التي أثبتت قدراتها القتالية في سوريا، ونشرت صواريخ ذات ميزات فنية من نوع كروز، أطلقتها من سفنها في بحر قزوين على أهداف في سوريا.

لكن الخبراء العسكريين الأميركيين يعتقدون أن بوتين ارتكب أخطاءً جوهرية، نجم عنها ضعف أكثر منها قوة، ففي 13 ديسمبر/كانون الأول من عام 2015، وقّع بوتين استراتيجية جديدة للأمن القومي، وأبرز السمات الرئيسية للوثيقة الجديدة تكمن في تأكيدها على استعداد روسية لنشر أسلحة نووية قليلة المردود، في حال قيام حلف شمال الأطلسي بشن هجوم تقليدي عليها.

وخلص المخططون العسكريون الروس إلى أن حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة متفوقون تقليدياً، على الرغم من النتائج التي توصلت لها دراسة أجرتها مؤسسة راند مؤخراً، والتي أكدت على قدرة القوات الروسية على اجتياح دول البلطيق في غضون 72 ساعة.

وفي محاولة منها لتعويض التفوق الغربي التقليدي، قامت روسيا بنشر الأسلحة النووية ذات المردود المنخفض والدقة التكتيكية العالية، قابلته الولايات المتحدة بتحديث ترسانتها التي تفوق الـ500 سلاح نووي تكتيكي، تحديداً قنابل الـ (بي 61/12).

وقد تنبه خبراء التخطيط الحربي في حلف شمال الأطلسي، إلى التهديد المتمثل في استخدام روسيا للأسلحة النووية التقليدية، في حال حدوث مواجهة تقليدية، وهذا ما عزز الوجود الأميركي فيما سماه اللواء بريدلاف بـ(الجبهة الجديدة للحرب الباردة)، وهذا التصعيد لا يمكن لروسيا تحمله، وفيه يكمن جوهر الأزمة التي يواجهها بوتين، فلو انهارت مباحثات السلام في جنيف ودخلت سوريا مرحلة جديدة من الحرب، فإن روسيا لا يمكنها البقاء في سوريا إلى أجل غير مسمى، ولا هي قادرة على الانسحاب قبل الأوان، ولا يمكنها بأي حال مواجهة أي تدخل مباشر من قبل الحلف، وهو ما يمثل الخطة البديلة لواشنطن و الناتو حيال سوريا.

فلو تبنّى القادة الغربيون بقيادة باراك أوباما (على أعتاب نهاية ولايته) خطة حيال مأزق بوتين، الأمر الذي سبقهم إليه مخططو الحروب في البنتاغون، فإن هذا من شأنه أن يغيّر في الموقف التفاوضي على طاولة جنيف وما بعدها.


إنه الاقتصاد يا بوتين


وتكشف الأرقام الاقتصادية الروسية في عام 2015، أن الاقتصاد الروسي قد تراجع بنسبة 3.7 % للأسباب آنفة الذكر، وأفضل التقديرات لعام 2016، تتوقع الاستمرار السلبي في معدلات النمو، حتى ولو كان بوتيرة أبطأ مما كانت عليه خلال 2015 وفقاً لصندوق النقد الدولي، كما شهد الاقتصاد الروسي تضخماً بنسبة 15.4% خلال عام 2015، وهو ما أدى إلى اقتطاع 5% من ميزانية وزارة الدفاع المتوقعة لعام 2016، لكن النسبة أكبر من ذلك بكثير، إذا أخذنا التضخم المتسارع بعين الاعتبار، وهي من جملة العوامل التي تضغط على استراتيجية بوتين للخروج من سوريا.

-هذه المادة مترجمة بتصرف عن موقع Middle East Briefing. للاطلاع على المادة الأصلية، يرجى الضغط هنا.