صناعة الواحد قد تستغرق شهرين.. شاب سوري يفرُّ بمهنة صناعة العود التراثية إلى بيروت

تم النشر: تم التحديث:
AWD
social media

يجلس خالد بشار حلبي الشاب السوري في ورشته بمنطقة سليم سلام في العاصمة اللبنانية بيروت، ومن حوله معدات النجارة ومختلف أنواع الأخشاب، يبدأ بتقطيع الألواح الخشبية ومن ثم طيّها باستخدام الماء والحرارة المرتفعة، ليقوم بجمعها في النهاية بشكل عود أو بزق مستخدماً مادة لاصقة ومسامير صغيرة ومطرقة خاصة.

أزمة بلاده المستمرة منذ 5 سنوات، لم تمنع الشاب الدمشقي ابن الثلاثين ربيعاً من الإصرار على المحافظة على إرث فني ورثه عن أبيه وجده، وهو صناعة العود والبزق بطريقة فنية يدوية تراثية، هذه المهنة التي تصارع هجمة الآلات الموسيقية الإلكترونية، كما لم تمنعه الأزمة من التشبث بهذا التراث الذي لا يزال يجد من يقدّره ويعرف قيمته التاريخية والتراثية.

ورشة حلبي يفوح منها عبق التاريخ الجميل، فالأعواد القديمة معلقة على أحد الجدران، وآلات التصنيع اليدوية تزين زاوية هنا وأخرى هناك، إلى جانب رائحة الأخشاب البلدية، وألوانها المشكلة التي تسر الناظرين.


مهنة متوارثة


وسط هذه المعدات والأعواد والأخشاب تحدث حلبي والأمل يعتريه بأن تبقى هذه المهنة التراثية صامدة بوجه الهجمة الإلكترونية التي في كثير من الأحيان تفقد الآلات الموسيقية روحها وحنانها وأنغامها الطبيعية.

ولفت حلبي إلى أنه ومنذ اليوم الأول الذي أتى فيه إلى لبنان، قبل حوالي العام ونصف العام، عمل على فتح ورشته الصغيرة للمحافظة على "هذه الموهبة والمهنة الموروثة"، مشيراً إلى أن العمل الأساسي لأسرته في سوريا هو صناعة العود والبزق.

"عادة ما يتم توريث مثل هذه المصالح والأعمال في سوريا بشكل تلقائي، من الجد للابن ومن ثم للحفيد، وأنا اكتسبت هذه المهنة من أبي"، هكذا مضى حلبي في حديثه، موضحاً أنه لحبه وعشقه لها عمل على تطوير مهاراته بدراسة النجارة أكاديمياً بأحد المعاهد في سوريا، ومن ثم دراسة الفنون التشكيلية.

وأعرب حلبي عن حبه للتعامل مع الأخشاب، قائلاً: "أنا أحب هذه المهنة، وأحب التعامل مع الأخشاب بكل أنواعها، من خشب الأرز والصنوبر والجوز إلى خشب الورد والمشمش وغيرها".

وتحدث عن جده وعمله في مجال تصنيع العود الخشبي، مشيراً إلى أنه "صنع عوداً خاصاً وأهداه للفنانة المصرية الراحلة أم كلثوم، وهو موجود حتى يومنا هذا في متحف أم كلثوم بالقاهرة".


صعوبات


ولفت إلى صعوبات واجهته في لبنان في ما يتعلق بهذه الصناعة، "فهناك فرق كبير بين سوريا ولبنان، من ناحية السوق وتصريف المصنوعات، فسوريا بلد كبير وسوقها واسع جداً بعكس لبنان"، مضيفاً: "الآن بعد أن أثبتُّ جودة العود الذي أصنعه، أصبح لديَّ عدد كبير من الزبائن في لبنان".

ومن الصعوبات التي واجهته في لبنان أيضاً، بحسب قوله: "ارتفاع أسعار الأخشاب بعدة أضعاف عن أسعار سوريا، ما يرفع تكلفة تصنيع العود، وبالتالي نضطر لرفع سعره عند البيع".

وأشار إلى أنه عمل منذ قدومه إلى لبنان على تصنيع البزق بأعداد أكبر مما كان عليه الحال في سوريا؛ "حيث إنني تفاجأت بأن الطلب في لبنان على البزق أكثر مما عليه في الشام (سوريا)".


مراحل التصنيع


وحول مراحل تصنيع العود، قال حلبي: "العملية تتألف من 72 مرحلة أساسية، تبدأ من تقطيع الأخشاب وفق مقاسات وسماكات محددة، وطيّها باستخدام الماء والحرارة المرتفعة، ومن ثم تركيبها"، موضحاً أن "واجهة العود تحتاج أيضاً الكثير من مراحل العمل، لنختتم عملية التصنيع بالزخرفة حسب التصاميم التي نرسمها".

وتابع قائلاً: "تصنيع العود العادي الواحد يحتاج حوالي 10 أيام كحد أدنى، أما العود الذي يتضمن زخارف ومواصفات إضافية فقد تصل مدة تصنيعه لنحو شهرين".


خوف من الاندثار


وفي السياق، أبدى حلبي "تخوفاً من اندثار هذه المهنة التراثية، نتيجة ظهور الآلات الموسيقية الإلكترونية"، إلا أنه أوضح في الوقت نفسه أن "وجود مَنْ يحب العود الخشبي ويهتم به يبدد مخاوفنا ويزيدنا إصراراً على متابعة العمل والمحافظة عليه".

وشدد على أنه "مهما ظهرت آلات موسيقية إلكترونية، إلا أنها لن تتمكن من أخذ مكان ومكانة العود الخشبي الذي يتميز بصوت وروح لا يمكن أن نجدها في نظيره الإلكتروني".


خصوصية


وبيّن حلبي أن "لكل عود خشبي صوتاً مميزاً، فالأعواد السورية والعراقية والمصرية والتركية تعتبر من أفضل الأنواع في العالم، ولكل منها نكهة خاصة لا يمكن لواحد منها أن يحل مكان الآخر".

وختم بالتأكيد على الاستمرار في هذه المهنة التراثية والمحافظة عليها "حتى آخر نفس"، مضيفاً: "سأعمل على توريثها لأبنائي بصورة صحيحة ومتقنة كما ورثتها عن أبي وجدي".